الراعي في يوبيل الحضور الكبّوشي في لبنان والشرق الأدنى: لبنان مدعو إلى أن يكون أرض لقاء لا ساحة صراع ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام

عظة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
بمناسبة يوبيل 400 سنة على حضور الرهبنة الكبوشية في لبنان والشرق الأدنى
كاتدرائية مار لويس، باب إدريس – وسط بيروت، 24 تشرين الأوّل 2026
“المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون (متّى 22: 14)
​1. صاحب المعالي ممثّل فخامة رئيس الجمهورية، حضرة الرئيس الإقليمي، أيها الآباء الأجلّاء، والإخوة والأخوات الأحبّاء، والمؤمنون الأعزاء، نجتمع اليوم هنا، في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في بيروت، لنرفع الشكر إلى الله في يوبيل الأربعمئة سنة على حضور الآباء والإخوة الكبوشيين في لبنان والشرق الأدنى؛ وقد اتّخذوا شعارًا ليوبيلهم: “الذي بدء فيكم عملًا صالحًا سيتمّه” (فل 1: 6). إنّها أربعة قرون من الصلاة والرسالة والخدمة والشهادة.
الرهبنة الكبوشية هي غصن من الشجرة الفرنسيسكانية التي غرسها القديس فرنسيس الأسيزي بروح الإنجيل والفقر والبساطة والأخوّة. وقد نالت الحركة الإصلاحية الكبوشية اعتراف الكنيسة سنة ١٥٢٨، حاملةً رغبةً في العودة إلى روح القديس فرنسيس الأصيلة.
2. في سنة ١٦٢٦ وصل إلى صيدا رهبان كبوشيون فرنسيون، واتخذوا من خان الإفرنج منطلقًا لرسالتهم. لم يأتوا إلى أرض غريبة عن الإيمان، بل التقوا كنيسةً مارونية متجذّرة في هذه الأرض. وكان البطريرك يوحنا مخلوف على الكرسي البطريركي في قنوبين، وقد شجّع حضور الإرساليات الرهبانية وسهّل خدمتها للكنيسة والمؤمنين.
من صيدا اتسعت الرسالة. فوصل الكبوشيون إلى بيروت سنة ١٦٢٨، ثم امتد حضورهم إلى حصرون وطرابلس وغزير وعبيه وصليما وبعبدات وغيرها من المناطق اللبنانية. كان انتقالهم للرسالة، فحيث وُجد الجهل حملوا التعليم، وحيث وُجد المرض حملوا العناية، وحيث وُجد الفقر حملوا الخدمة، وحيث وُجد الحزن حملوا الرجاء.
في طرابلس خدموا الجماعات المسيحية، وفي غزير اهتموا بالتنشئة الروحية والتعليم، وفي عبيه عاشوا خدمة الفقراء والأيتام، وفي صليما ارتبط حضورهم بالعناية بالمرضى، ومن هناك امتدت خدمتهم إلى بعبدات ومناطق أخرى. وهم كاهن يعلّم، وراهب يصلّي، وأخ يخدم فقيرًا.
كاتدرائية مار لويس هذه كانت علامة الحضور الكبوشي واللاتيني في العاصمة بيروت، وبقيت شاهدةً على إيمان لا تطفئه الصعوبات.
3. من هذه المدرسة تخرج الطوباوي الأب يعقوب الحداد الكبوشي، من غزير، رجل العناية الإلهية ورسول الصليب والمحبة، الذي جعل من محبته للمسيح خدمةً للمرضى والفقراء والمتروكين، وأسّس سنة ١٩٣٠ جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات في لبنان، وأقام مؤسسات ومدارس ومستشفيات حملت الرحمة إلى كثيرين، وقد أعلنت الكنيسة تطويبه سنة ٢٠٠٨.
ومن قلب الرسالة الكبوشية اللبنانية أيضًا خرج الطوباويان ليونار ملكي وتوما صالح، من بعبدات، اللذان حملا الإنجيل إلى أرض الرسالة وثبتا في إيمانهما حتى الاستشهاد خلال سنوات الاضطهاد والحرب العالمية الأولى، وقد أعلنت الكنيسة تطويبهما في لبنان سنة ٢٠٢٢.
مع هؤلاء الطوباويين نقف اليوم أمام أجيال كثيرة من الآباء والإخوة الكبوشيين الذين تعاقبوا على الخدمة في لبنان. فنذكر الذين وعظوا وعلّموا، والذين خدموا المرضى، والذين اهتموا بالفقراء والأيتام، والذين خدموا في الرعايا والمدارس والمؤسسات، والذين احتملوا الحروب والجوع والتهجير.
4. منذ أربعة قرون، سمع رجال دعوة الله. فتركوا أوطانهم وأهلهم وراحتهم، وجاؤوا إلى أرض لم يعرفوا ما ينتظرهم فيها. دُعوا فلبّوا، وأُرسلوا فذهبوا، وتعبوا فثبتوا، واضطُهد بعضهم فلم يتراجع، ورحل آخرون وبقيت الرسالة.
نسأل الله أن يبقى الحضور الكبوشي في لبنان حضورًا للإنجيل، حضورًا للفقر والبساطة، للأخوّة والخدمة، للمصالحة والمحبة والسلام.
5. إنّ مثل وليمة العرس التي سميناها في الانجيل هي دعوة إلى تجديد القلب والحياة. فالله يفتح أبواب ملكوته للجميع، من دون تمييز، لكنه ينتظر من الإنسان إيمانًا صادقًا يثمر في أعماله وسلوكه. ولباس العرس علامة الإنسان الجديد، الذي يلبس المسيح، ويعيش المحبة والتواضع والرحمة، ويجعل من حياته شهادةً للإنجيل.
لقد أصبح لباس العرس في حياة الكبوشيين لباس الخدمة والتواضع والمحبة؛ لباسًا لا يُرى بالعين، بل يُعرف من الثمار. لا يدعونا هذا اليوبيل إلى الافتخار بالماضي فحسب، بل إلى تجديد أمانتنا اليوم. فالكنيسة لا تحيا بتاريخها وحده، بل بأبنائها الذين يواصلون الاستجابة لنداء المسيح، ويجعلون من إيمانهم شهادةً حيّة في العالم.
6. تدعونا كلمة الرب: «إنَّ المدعوّين كثيرون، أمّا المختارون فقليلون»، إلى التأمل في معنى المسؤولية تجاه وطننا وشعبنا. فالمسؤولية تظهر في الخدمة والعمل وتقديم خير الإنسان والوطن على المصالح الخاصة.
إنّنا نضع في مقدمة اهتماماتنا الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق، باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية المنطقة ورسالتها وتنوعها. هذا الحضور المسيحي يرتبط بالتمسّك بالأرض، وعدم التفريط بها، لا سيما أننا نشهد بيعًا متزايدًا للأراضي تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة. فالأرض ليست مجرد ملكية مادية، بل هي ذاكرة وجذور وهوية.
وقد شدّد قداسة البابا لاون الرابع عشر على ضرورة صون الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة الشباب والعائلات الذين تدفعهم الأزمات الاقتصادية إلى الهجرة، مؤكدًا أهمية توفير مقومات البقاء في أرضهم، لكي يظل المسيحيون شهودًا للسلام في هذه المنطقة.
لكن الحضور المسيحي يقتضي من الدولة توفير أسباب البقاء: فرص العمل، والتعليم، والسكن، والطبابة، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتها وترسيخ مرجعيتها الواحدة في حماية الجميع. وفي هذا الإطار، يبقى حصر السلاح تحت سلطة الدولة، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية من مقومات قيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها.
وتبقى إعادة إعمار ما تهدّم وعودة العائلات إلى بيوتها وقراها مسؤولية وطنية وإنسانية، فلا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها، ولا يمكن الحديث عن البقاء إذا بقيت القرى بلا فرص والبيوت بلا إعمار والعائلات بلا شعور بالأمان.
وتبقى الدبلوماسية اللبنانية والعلاقات مع المجتمع الدولي ضرورة لتحصين موقع لبنان وتأمين الدعم لمؤسساته والدفاع عن مصالحه، على أن تُترجم هذه العلاقات إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والتعافي وتساعد الدولة على القيام بمسؤولياتها. وفي هذا كله، يبقى لبنان مدعوًا إلى أن يكون أرض لقاء لا ساحة صراع، ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام.
7. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، نرفع إليك صلاتنا في يوبيل أربعة قرون من حضور الآباء الكبوشيين في لبنان. بارك رسالتهم، وجدّد فيهم روح القديس فرنسيس الأسيزي، لتبقى حياتهم شهادةً للإنجيل، وخدمةً للإنسان، ورسالةَ محبةٍ وسلام. وبشفاعة طوباويّيهم مار يعقوب ومار ليونار ومار توما، احفظ لبنان وشعبه، وأدم في أرضنا نعمة الإيمان والرجاء والسلام. آمين.