بمبادرة من البابا فرنسيس منذ عام ٢٠٢٦، يتطلّع التنسيق الكنسي المتوسطي، الذي يزداد تنظيمًا وترسّخًا، إلى إطلاق مشاريع جديدة. ويحظى هذا التنسيق بمتابعة وثيقة من البابا لاوُن الرابع عشر، ويهدف إلى دعم الحوار والشركة بين كنائس ضفاف البحر الأبيض المتوسط الخمس، بالاستفادة من الشبكات الإقليمية وخبرات الشباب من مختلف الطوائف.
بعد أربعة أشهر من اللقاءات المتوسطية Med 26، التي جمعت في برشلونة بإسبانيا أساقفة وشبابًا وممثلين عن المجتمع المدني، يستعدّ التنسيق الكنسي المتوسطي (Comed) لتحقيق هدف جديد. فقد جمع الكاردينال جان مارك أفيلين، الذي عيّنه البابا في نيسان أبريل الماضي على رأس هذه الهيئة، نحو خمسة عشر رئيسًا من رؤساء مجالس الأساقفة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، يوم الجمعة ٩ تشرين الأول أكتوبر، في الفاتيكان، وذلك لمناسبة الذكرى العاشرة لصدور الإرشاد الرسولي “فرح الحب”. وقد عُقد اللقاء في بيت القديسة مرتا، بحضور الكرادلة بييرباتيستا بيتسابالا، وماتيو زوبي، والبطريرك بشارة بطرس الراعي، ورؤساء مجالس الأساقفة في إسبانيا ومالطا واليونان وسلوفينيا وأوكرانيا، إلى جانب بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، ومدبّر شؤون الأرمن الكاثوليك في إسطنبول المطران فارتان كير، ورئيس أساقفة تونس المطران نيكولا ليرنولد، ممثلًا عن مجلس أساقفة منطقة شمال أفريقيا.
وقد اقترح الكاردينال أفيلين على المطران ليرنولد أن ينشئ لجنة أسقفية داخل التنسيق الكنسي المتوسطي وأن يتولّى رئاستها، علمًا أنّ هذه الهيئة تضمّ كهنة وعلمانيين. ويوضح المطران ليرنولد، الذي سبق له أن نسّق أعمال الأساقفة في برشلونة خلال شهر حزيران يونيو، قائلًا: “يتعلّق الأمر بتنسيق المشاريع الجاري تنفيذها حاليًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بروح الشركة”. وقد جرى تحديد خمسة محاور رئيسية للعمل، هي: العدالة والسلام، والحوار بين الأديان، والتربية والثقافة، والهشاشات الإنسانية، مثل الهجرة، والبيئة.
ويلخّص الأب ألكسيس لوبرو، الأمين العام للتنسيق الكنسي المتوسطي، التحديات التي حدّدتها هذه الهيئة الكنسية الإقليمية، موضحًا أنّ الهدف هو مساعدة الأساقفة على “مراعاة التوازنات المعقّدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط من دون تبديد الطاقات”، و”متابعة مناطق النزاع وتعزيز ثقافة تربوية للسلام”، فضلًا عن “تجنّب العزلة واللامبالاة تجاه الجماعات الدينية”. وفي هذه العملية، “حيث تسبق الحياةُ البُعدَ المؤسّساتي”، لا يعمل الأساقفة بمعزل بعضهم عن بعض، بل ضمن شبكة من العلاقات، ويغذّون الحوار والتبادل مع مجموعات من اللاهوتيين والمزارات والأديار المنتشرة في حوض البحر الأبيض المتوسط بأسره.
هذا وستستضيف مدينة أسيزي، مدينة السلام، مبادرةً بين الأديان من أجل منطقة البحر الأبيض المتوسط، من ٢٧ وحتى ٢٩ تشرين الأول أكتوبر، تنظّمها شبكة أويكوس الفرنسيسكانية، ويشارك فيها اثنا عشر مزارًا مريميًا. وستشارك في هذه الصلاة مزارات سانتا كروز في وهران، وسيدة الحراسة في مرسيليا، وبازيليك البشارة في الناصرة. وسترتفع هذه الصلاة بعد أربعين عامًا على الصلاة التي ترأسها البابا يوحنا بولس الثاني في المدينة الواقعة في إقليم أومبريا. وكان يوحنا بولس الثاني قد حذّر، في ٢٧ تشرين الأول أكتوبر ١٩٨٦، من على باحة البازيليك السفلى للقديس فرنسيس، قائلًا: “إنّ السلام هو ورشة عمل مفتوحة للجميع، وليس للمتخصصين والباحثين والاستراتيجيين فحسب. السلام هو مسؤولية عالمية”. ومنذ عام ٢٠١٩، تعمل شبكة لاهوتيي البحر الأبيض المتوسط على تعميق هذا اللاهوت المتعلّق بالسلام والحوار، بوصفهما دعوةً ومصيرًا للإيمان المسيحي. وقد جرى تطوير هذا التوجّه في البيان الذي نُشر عقب اللقاءات المتوسطية Med 23 في مرسيليا. أما في اللقاء السنوي المقبل، فسيجتمع اللاهوتيون في تموز يوليو ٢٠٢٧ على ضفاف البحر الأدرياتيكي، في مدينة رييكا الكرواتية، المعروفة أيضًا باسم فيومه. وتستضيف هذه المدينة منذ عام ٢٠٢٢ اللقاءات اللاهوتية المتوسطية، التي تجمع سنويًا طلابًا وأساتذة ولاهوتيين من طوائف مختلفة.
ويقول الأب ألكسيس لوبرو، النائب الأسقفي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط في مرسيليا: “في المنظومة المتوسّطية، تتمثّل ركائز ديناميكية بناء السلام في التقدير المتبادل، والإصغاء، والثقافة، والشجاعة في الانفتاح على الآخر المختلف، وواجب الحفاظ على الهوية”. ويستشهد الكاهن، على سبيل المثال، بنصّين رعويين حديثين وذي دلالة: المذكرة المعنونة “التربية على السلام”، التي نشرها مجلس أساقفة إيطاليا في ٥ كانون الأول ديسمبر ٢٠٢٥، والرسالة الرعوية التي أصدرها الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا بعنوان ” رجعوا إلى أورشليم وهم في فرح عظيم”، ونُشرت في ٢٥ نيسان أبريل ٢٠٢٦. وفي ثنايا هذا التأمل الغني، الذي يتناول سفر الرؤيا، يشرح بطريرك القدس للاتين كيف أنّ “الانتماء يمكنه أن يكون قويًا من دون أن يصبح جامدًا أو دفاعيًا”، لأنّ “عمق الهوية” يتيح “الانفتاح على الآخر”. ويتساءل الكاردينال بيتسابالا: “كيف نجرؤ على تبنّي رؤية لا تنبع من التملّك أو الخوف أو المطالبة بالحقوق، بل من افتداء التاريخ؟ أيّ كنيسة سنكون لو لم تكن لدينا الشجاعة للإشارة إلى عالم لم يوجد بعد، لكن الله يعدنا به، ونحن نستشفّ ملامحه منذ الآن في الأفق؟”. غير أنّ هذا الإرث الروحي لا يمكنه أن يتجسّد إلا من خلال “اختبارات جريئة للحيوية والأخوّة”.
في تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٥، وخلال زيارته السفينة الشراعية “Le Bel Espoir”، الراسية في أوستيا، توجّه البابا لاوُن الرابع عشر إلى الشباب قائلًا: “إنّ العالم يحتاج إلى ما هو أكثر من الكلمات؛ إنّه يحتاج إلى علامات رجاء”. وقد تكلّلت هذه المبادرة بالنجاح، بفضل صداقات متينة وإعداد “كتاب أبيض للبحر الأبيض المتوسط”، وستتكرّر التجربة عام ٢٠٢٧، حين سيبحر مجددًا نحو مئة شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٣٠ عامًا. وستستضيف الرحلة المقبلة السفينة الشراعية “Rara Avis”، التي يبلغ طولها ٢٧ مترًا، وستربط بين مالقة في إسبانيا والإسكندرية في مصر، مع محطتين في مالطا وكاتانيا في صقلية. وخلال الإبحار، سيشارك هؤلاء الشباب، رفاق الرحلة، في مسار تنشئة حول فنّ بناء السلام في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ومن خلال أربع مراحل إبحار، تستغرق كلّ منها ١٨ يومًا، سيشهدون، في عالم تطبعه النزاعات، على طريقة مختلفة للقاء وبناء الروابط الإنسانية، تلك الروابط التي كثيرًا ما تضرّرت وتمزّقت بفعل الاستقطاب والانقسامات والتشظّي الذي يميّز عصرنا. ومن دون حشود هائلة أو مبادرات كبرى، تحتفظ ورشة الأخوّة هذه بطابع “حِرَفي نبيل”، على حدّ تعبير المطران ليرنولد، الذي أعرب عن سروره لإدراج تونس ضمن مسار سفينة “Le Bel Espoir”، عام ٢٠٢٥، مع التوقّف في ميناء بنزرت. ويجد الأسقف السابق لقسنطينة وهيبّون في هذه الأخوّة المعاشة بصورة ملموسة تجسيدًا لما لمسه البابا، المنتمي إلى التقليد الأوغسطيني، في الحضور المسيحي في الجزائر خلال زيارته الرسولية، إذ قال: “إنّه حبّة بخور متّقدة تنشر أريجها. وهذا البخور هو عنصر صغير وثمين لا يستأثر بالاهتمام، لكنه يدعونا إلى توجيه قلوبنا نحو الله، ويشجّع بعضنا بعضًا على المثابرة وسط صعوبات الزمن الحاضر”. وقد وردت هذه الكلمات في عظة البابا لاوُن الرابع عشر في بازيليك القديس أوغسطينوس في عنّابة، في ١٤ نيسان أبريل ٢٠٢٦.
كذلك وفي برشلونة، خلال شهر حزيران يونيو، استقبل البابا لاوُن الرابع عشر نحو مئتي مشارك في الجمعية الرابعة لأساقفة البحر الأبيض المتوسط، في المعهد الإكليريكي الكبير التابع للأبرشية الكاتالونية. ودعاهم الحبر الأعظم إلى الانطلاق في المسيرة، “جغرافيًا وروحيًا”، للوصول إلى تلك الموانئ “حيث ينتظر الرجال والنساء البشرى السارة”، معربًا عن قناعته بأنّ “هناك غنى في التنوّع، وأنّنا نستطيع أن نكون متّحدين في هذا التنوّع”. وبعد ثلاثة أشهر ونصف، وأمام ثمانين ألف شاب اجتمعوا للمشاركة في سهرة الصلاة في ملعب فرنسا، أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى “اللقاءات التي جمعت شباب منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة” بوصفها مثالًا للأخوّة. وخلال زيارته الرسولية إلى فرنسا، حضرت قضايا البحر الأبيض المتوسط أيضًا في مدينة ميتز، ملتقى الحدود الثلاث. وفي تلك المناسبة، توجّه الكاردينال أفيلين إلى البابا قائلًا: “إنّ النداء الذي انطلق من ميتز يتردّد صداه في النداء الذي حمله إليكم شباب من مئة وخمسة وثلاثين بلدًا في مقرّ اليونسكو، في مستهلّ رحلتكم، شاهدين على تعطّش السلام الذي يسكن قلوب كثير من الشباب في العالم، ومن بينهم شباب منطقة البحر الأبيض المتوسط، من اليهود والمسيحيين والمسلمين، الذين جئتم العام الماضي لتشجيعهم على متن سفينة التنشئة على السلام “Le Bel Espoir”، في ميناء أوستيا.
ويقول الأب لوبرو اليوم: “إذا كان البحر الأبيض المتوسط جدارًا، فلن تتمكّن أوروبا من النمو”. لقد كانت ضفاف هذا البحر مهد أوروبا، وحفظت ذاكرةً تحمل أفراحًا وآلامًا في آن واحد. غير أنّ مستقبل هذه المنطقة “لا يكمن في التوحيد الذي يمحو الاختلافات”، بل “في انسجام الاختلافات، حيث يصبح جرح الماضي ثغرةً تسمح للنور بالعبور”. وهذا ما أكّده البابا لاوُن الرابع عشر في كاتدرائية ميتز، في ٢٨ أيلول سبتمبر ٢٠٢٦.
رؤساء مجالس الأساقفة في منطقة البحر الأبيض المتوسط يجتمعون في روما






