في عشية الصلاة التي ترأسها في الاستاد الأولمبي “لويس كومبانيس” في مدينة برشلونة أجاب الأب الأقدس على أسئلة الشباب حول الاكتئاب والعنف الأسري، ودعاهم في عظته إلى عيش “ليالي الإيمان والحياة” كرحِمٍ للولادة الجديدة
احتضن الاستاد الأولمبي “لويس كومبانيس” في مدينة برشلونة الإسبانية، مساء يوم الثلاثاء، أمسية روحية مهيبة ترأسها قداسة البابا بحضور حشود غفيرة من المؤمنين والشباب، وذلك في إطار زيارته الرسولية التاريخية إلى إسبانيا لعام ٢٠٢٦. وقد تخلل هذا اللقاء الحاشد وقفتان رئيسيتان؛ استهلهما الأب الأقدس بجلسة حوارية مفتوحة اتسمت بالصراحة والعمق الإنساني، أجاب فيها قداسته على أسئلة وجودية لعدد من الشباب تناولت قضايا معاصرة ملحة، مثل مجابهة الفراغ الوجودي وثقافة الإنتاجية، والتوعية بالمرض الصامت “الاكتئاب” وحماية الصحة النفسية، بالإضافة إلى تحدي الغفران والمصالحة وسط مآسي العنف الأسري. وعقب الجلسة الحوارية، ترأس الحبر الأعظم وقفة صلاة رفعت فيها الجموع قلوبها نحو السماء، وألقى خلالها عظة بليغة استند فيها إلى شخصية “نيقوديموس” الإنجيلية، داعياً إلى عدم الخوف من “ليالي الحياة والإيمان”، بل عيشها كرحمٍ للولادة الجديدة والعبور نحو نور الرجاء والمحبة المجانية.
في جوابه على السؤال صاحب القداسة، نحن نكبر ونحن نسمع أن الهدف الوحيد في الحياة هو الإنتاج، والنجاح، والاهتمام بصورتنا ومظهرنا. لقد حاولت ذلك بنفسي، لكني لم أجد سوى فراغ هائل. وفي غمرة بحثي عن الإجابات، اتخذت حياتي منعطفاً جديداً، ونلت سر المعمودية في عيد الفصح الماضي. والآن، وبما أن هذا الطريق لا يزال جديداً عليّ، أسألكم: كيف يمكننا الحفاظ على عيوننا مرفوعة نحو ما يهم حقاً، في وقت يدفعنا فيه المجتمع باستمرار للنظر نحو الأرض أو نحو ذواتنا فقط؟ كيف يمكننا اكتشاف دعوتنا الحقيقية في وسط هذا التيار؟
قال البابا لاوُن الرابع عشر شكراً لك على هذه الشهادة. أود أولاً أن أشاركك فرحتك وفرحة جميع الذين نالوا سر المعمودية في عيد الفصح هذا العام. إن العديد من الشباب والبالغين يعيدون اكتشاف الإيمان المسيحي، ربما بعد مرحلة من الحياة ابتعدوا فيها قليلاً عن الله. إنها خطوة مهمة حقاً. وفي الواقع، فإن كل ما نكتشفه ونقبله ونعيشه تدريجياً على طول الطريق يساهم بالتأكيد في نمونا ونضجنا وتوسيع فسحات الحياة في داخلنا؛ ولكن، في الوقت عينه، وفي وسط الأفراح والنجاحات والهزائم، ندرك أننا بحاجة إلى ماء آخر ليروي عطشنا الأكثر عمقاً. إن رغبتنا في الحقيقة والسعادة بحاجة إلى أفق أكبر. وهذا القلق الداخلي هو عطية منحنا الله إياها بنفسه: لقد صُنعنا على مقاس اللامتناهي، ولهذا السبب، فإن كل أفق محدود، وكل خطوة، وكل إنجاز، في الوقت الذي يرضينا فيه، يدفعنا في الوقت عينه إلى الأمام ويدعونا لمواصلة البحث، والبحث من خلال التقدم، ولكن، وبشكل خاص، البحث من خلال “الهبوط إلى الداخل”، أي الذهاب إلى العمق.
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
تابع الأب الأقدس يقول وهنا أعود إلى السؤال بفكرتين موجزتين. الأولى: من الضروري تدميث وتنمية هذا القلق الداخلي السليم. ففي مجتمعاتنا، في الواقع، ليس عبادة المنفعة والمردودية، والسعي الدائم للإنتاج والفوز، وكذلك عبادة الصورة الذاتية، سوى مخدرات لتنويم ضميرنا وتكييفه مع فكرة معينة عن المجتمع. وعندما يتعلم الأشخاص التوقف، وإعطاء قيمة للأمور المهمة، وتقدير الوقت بطريقة جديدة، والتفكير في حياتهم مستنيرين بالإنجيل، فإنهم يطورون أيضاً فكراً نقدياً تجاه نظام اجتماعي لا يضع الشخص البشري في المركز ويسبب حالات من الظلم والفقر الوجودي على مستويات مختلفة. ولهذا السبب، فإن هذا القلق يثير الخوف، تماماً كما يثير الخوفَ اكتشافُ الحياة الداخلية، والروحانية، بل وأكثر من ذلك اكتشاف الإنجيل.
أضاف الحبر الأعظم يقول الفكرة الثانية: في هذا العالم بالذات يجب علينا تنمية هذا القلق، وليس في عالم آخر. ففي قلب هذا المجتمع اكتشفت أنت والكثيرون غيركِ قيمة حياة أكثر إنسانية، وأكثر امتلاءً، ومنفتحة على اللقاء مع الله وعلى فرح الإيمان. وهذا يعني أنه على الرغم من الصعوبات، فإن المكان الذي يتجلى فيه الله وحيث يجب أن نجد خطاه هو دائماً الواقع الذي نجد أنفسنا فيه. نحن نؤمن بأن الروح القدس يعمل وينشط بصمت في جميع مواقف الحياة والتاريخ، حتى في تلك التي تبدو أكثر صعوبة. ولكن يجب علينا تنمية هذا القلق وإفساح المجال له؛ وكما قلت، “أن نبحث في الداخل”، محاولين عدم السماح للإيقاعات والإغراءات الخارجية باجتياحنا، وتنمية فسحات الصمت، والتوقف ربما لبضع دقائق في اليوم لقراءة الإنجيل والتحدث مع الله، والسعي أيضاً للقيام بهذه المسيرة الداخليّة مع الآخرين، والسماح بأن تتمَّ مرافقتنا في المسارات الكنسية والتحاور مع الكهنة، والرهبان والراهبات، والأشخاص الذين سلكوا هذا الطريق مثلنا.
في جوابه على السؤال يا صاحب القداسة، في عالم يصرخ فيه كل شيء، هناك جوانب من الحياة تبقى صامتة، ومحاطة بالخجل؛ مثل الاكتئاب، هذا المرض الصامت الذي يصيب الكثير من الناس، شباباً وبالغين، ويجلب معه الظلمة، والعزلة، والألم الذي لا يقاس. وأحياناً، يكون هذا الألم غامراً لدرجة تبدو فيها فكرة الاختفاء هي المخرج الوحيد. أنا نفسي كافحت للخروج من هذا المرض، في صمت لسنوات طويلة، وفي ليلة جمعة خسرت المعركة وحاولت إنهاء حياتي. أنا هنا لأن الله منحني فرصة ثانية، وسأبقى ممتنة له إلى الأبد، ولكن هناك الكثيرين غيري ممن يواصلون مواجهة هذه الظلمة. لذلك، أسألكم من كل قلبي: أين يمكننا أن نرى الله عندما تكون الظلمة حالكة ومطلقة ولا نعود قادرين على الاحتمال؟ كيف يمكننا أن نثق في الله، عندما يبدو أنه لا شيء يستحق العناء، حتى أنفسنا؟
قال الأب الأقدس أولاً، شكراً لكِ على مشاركة خبرتكِ مع الألم اليوم. يغمرني التأثر لقدرتكِ على الحديث عنها، ولوجودكِ هنا بيننا، ولأنكِ وجدتِ القوة لقَبول هذه الفرصة الثانية التي منحكِ إياها الرب. لقد نهضتِ واستأنفتِ المسير، وهذا معجزة رائعة نراها في العديد من شخصيات الإنجيل: فبالاتصال مع يسوع، حتى الذي يشعر بالضياع يستعيد الثقة في الحياة، ويبرأ من المرض، ويمكنه أن ينهض ليعود إلى الحياة مجدداً. في سؤالكِ، أشرتِ أولاً إلى “المرض الصامت” وهو الاكتئاب، ومن المهم التوعية بكيفية تعرض الصحة النفسية للتهديد المتزايد في سياق المجتمعات التي تُعتبر متقدمة. إنها علامة على وجود خطأ عميق في فكرة معينة عن النمو تُخضع الأشخاص لضغوط وتوقعات وتوترات تخل بالتوازنات الأساسية. ولهذا السبب، تبرز الحاجة إلى نظام صحي يدرج ضمن أولوياته هذا الاضطراب غير المرئي والواسع الانتشار، والذي يؤثر أيضاً على الشباب. ومع ذلك، فقد أظهرت لنا كلماتكِ أيضاً أن الألم يضع الإيمان والمعنى الذي نعطيه للحياة تحت الاختبار. وهذا يصح على الجميع، وليس فقط على الذين يمرون في وقت ما بمحنة المرض.
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
تابع الحبر الأعظم يقول وبينما كنت أصغي إليكِ، فكرت في ساعات الظلمة والخوف والألم التي عاشها يسوع عندما اقتربت ساعة موته. فالأناجيل، في لحظات العشاء الأخير والصلاة في بستان الزيتون، تؤكد أن المساء كان يقترب، وأن الليل كان يخيم، تماماً كما تخبرنا قبل موته على الصليب مباشرة بأن “الظلمة خيمت على الأرض كلها”. ولكن، في الواقع، لا يتعلق الأمر بمجرد معاناة شخصية؛ إن ابن الله يأخذ في جسده كل قلق البشرية وعزلتها ومعاناتها. وفي تلك الساعات المظلمة، وبموته على الصليب، يشاركنا يسوع ألمنا ويكشف لنا عن وجه إله رحيم، يحمل آلامنا، ويعاني معنا، ويبكي دموعنا، ويبقى إلى جانبنا بحضوره المليء بالمحبة والرحمة.
أضاف الأب الأقدس يقول إن المرور بهذه التجربة هو أمر صعب، وتؤكد ذلك الأسفار المقدسة مراراً وتكراراً؛ فهناك لحظات من الظلمة والمعاناة التي يجعلها مجتمعنا تصمت، لأن بعض النماذج الثقافية تحديداً تريدنا دائماً ناجحين وكاملين، ولذلك، يجب إقصاء المحدودية والهشاشة والألم، وحصرها في الصمت الصاخب للعزلة أو حتى الخجل. وفي هذه اللحظات، قد نفكر بشكل غريزي بأن الله أيضاً قد تخلّى عنا. لكن صليب يسوع يخبرنا بأن الله لا يتخلى عنا، وأنه يبقى مصلوباً معنا في لحظة الألم والعزلة القصوى، وأنه لا يجمع دموعنا فحسب، بل يجمع صراخ معاناتنا الذي لا يسمعه الآخرون، الصراخ الذي تبنّاه يسوع نفسه على الصليب قائلاً: “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟”.
تابع الحبر الأعظم يقول ثمة تعليم مسيحي حول ساعات يسوع الأخيرة، يقول فيه البابا بندكتس السادس عشر إن معاناته تتحول إلى صلاة وصراخ، وهذا ينطبق علينا أيضاً: فأمام المواقف الأكثر صعوبة وإيلاماً، عندما يبدو الله غائباً، يجب علينا أن نودعه مرة أخرى الأثقال التي نحملها في قلوبنا، حتى بالصراخ إليه، وحتى بالاحتجاج مثل أيوب، واثقين بأنه يتجلى بطريقة ما ويكون قريباً حتى عندما يصمت ظاهرياً. لكني أظن أننا لا نستطيع فعل ذلك بمفردنا. ففي ساعات الألم، وعلى الأقل قدر الإمكان، يجب علينا الانفتاح على شخص يساعدنا في التعبير عن صلاة بسيطة، ويرافقنا بحكمة وبدون عجلة لتفسير ذلك الألم، ويأخذ بيدنا ويخرجنا من ذلك الصراخ. وتقدم هذه الخبرات رسالة لنا نحن المؤمنين أيضاً، وللكنيسة جمعاء: لا يجب أن نضفي طابعاً روحياً مجرداً على الألم، ونعيده بسطحية إلى “مشيئة الله” أو إلى مشروع غامض من مشاريعه، لأن هذا ينطوي على خطر التقليل من شأن تلك المعاناة، أو إسكاتها، أو جرح الأشخاص. إن الله لا يريد المعاناة، بل يحملها معنا ويدعونا إلى الثقة به بثبات. ولنتذكر ما كان يقوله البابا فرنسيس: مع الله، تولد الحياة دائماً من جديد.
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر مجيبًا على السؤال مساء الخير يا صاحب القداسة. أنا قادمة من عائلة في حي متواضع جداً في برشلونة. عندما كنت صغيرة، حاول والدي قتل والدتي، ونجت لأن شاباً تَدخل في الوسط ومات بدلاً عنها. دخل والدي السجن، ودخلت والدتي عالم المخدرات. وفي سن العاشرة، تولت الرعاية الاجتماعية مسؤوليتي، ونقلوني إلى مركز رعاية القاصرين في “سان خوسيه دي لا مونتانيا”. في البداية كان الأمر صعباً، لأنني بنيت جداراً لحماية نفسي ولم أسمح لأحد بالاقتراب. ولكن شيئاً فشيئاً اختبرت لأول مرة حب العائلة، وبدأ قلبي ينفتح. هناك حدثوني عن يسوع، وبدأت أصلي واعتمدت. لكن في فترة مراهقتي تمردت على الله مرات كثيرة. دُعيت إلى رياضة روحية وهناك اختبرت لأول مرة محبة الله. ولكن مرت بضعة أشهر، وما زلت أجد صعوبة في مسامحة والدي. وأحياناً أرفع عيني إلى السماء وأسأله: أين كنت عندما كنت طفلة؟ يا صاحب القداسة، كيف يمكنني أن أسامح والدي الذي كان على وشك أن يحرمني من أمي؟ كيف يمكنني أن أتصالح حقاً مع الله؟
وقال البابا شكراً لكِ على شهادتكِ وشكراً أيضاً على السؤال المتعلق بالغفران. إنه حقاً علامة على نعمة الله أن ينبع هذا السؤال من ماضٍ مطبوع بكثير من المعاناة، وأن تمتلكي، على الرغم من الألم، الشجاعة للسؤال عن كيفية مسامحة من أساء إلينا. أود أن أقول أمرين هنا أيضاً. الأمر الأول يكمِّل ما قلته سابقاً عن حضور الله في ساعات معاناتنا؛ فأنتِ في العمق تعبِّرين أيضاً عن هذا السؤال فيما يتعلق بطفولتكِ، ولكن السياق الذي دارت فيه أحداث حياتكِ يطالبنا بتوسيع نطاق سؤالنا: هل يجب أن نسأل “أين كان الله” أم يجب أن نتساءل عن الإنسان وعن البشرية، وعن كيف نقع أحياناً أسرى للشر لدرجة ممارسة العنف ضد الآخرين، وعن كيف لا ننجح في تنمية المحبة واحترام الآخرين في كرامتهم وحريتهم؟
تابع الحبر الأعظم يقول إن العديد من التقارير الجنائية، حتى اليوم، تعكس مناخاً مسموماً في العلاقات الأسرية من إساءات واضطهاد، ولا سيما العنف ضد المرأة، والذي ينتهي للأسف في كثير من الأحيان بجرائم قتل النساء. هذا الواقع المأساوي نحن مدعوون جميعاً لمواجهته، سواء شخصياً أو كمجتمع، لأن من واجبنا التصدي له بجميع أبعاده. لا يمكننا أن ننسب إلى الله ما أُوكل إلى مسؤوليتنا؛ لا يمكننا أن نتخيل أن الله من العُلى يستجيب لاحتياجاتنا بطريقة آلية أو يمنع حدوث الشر بمعجزة؛ لقد وهبنا الذكاء والإرادة، وأعطانا الضمير، وكسانا بالكرامة والحرية، ولاسيما جاء للقائنا ليرشدنا، في ابنه يسوع المسيح، إلى الطريق الذي يجب اتباعه لتكون حياتنا إنسانية بالكامل ولتسود العدالة والسلام والأخوَّة في مجتمعنا. لقد أعطانا روحه القدس نفسه، تحديداً لكي تكون المحبة هي مفتاح كل علاقاتنا الإنسانية. وإذا وُجد العنف، وإذا انتصرت الأنانية، وإذا تحولت المحبة بين أفراد الأسرة إلى كراهية، فعلينا أن نوجه بعض الأسئلة لأنفسنا، ولديناميكيات مجتمعنا، لثقافة الفردانية، ولتجربة العنف، وليس لله.
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
أضاف الأب الأقدس يقول والأمر الثاني يتعلق بالغفران. يجب أن نتعلم النظر إلى الغفران—هذا الدواء القوي ضد الشر الذي يشفي جراحنا الداخلية—كجزء من مسار، ومن طريق. فالإنجيل نفسه، إذا قرأناه ككتاب إرشادات ووصايا وواجبات، يواجه خطر التسبب لنا بالكثير من الإحباط والخذلان، لأن يسوع يدعونا للغفران ونحن نختبر أننا غير قادرين عليه. ولكن الأمر ليس كذلك. فالغفران علينا أولاً وبشكل خاص أن نبتهله من الرب؛ وأن نواصل في الطلب—وربما طوال الحياة—أن يوسع الرب فينا فسحة المحبة وتحديداً حيث جُرحنا، وأن يساعدنا على التصالح مع أنفسنا ومع هذا الجزء من تاريخنا الموصوم بالمعاناة، وأن يحول الاستياء ببطء إلى رحمة وشفقة. إنها مسيرة طويلة، وعمليّة تتطلب الكثير من الصبر، وعمل يجب أن نقوم به مع أنفسنا، سواء شخصياً أو من خلال مسارات مرافقة ومصالحة داخلية أخرى. ومن الضروري ألا نفقد العزيمة: ففي الغفران نتقدم بخطوات صغيرة. والمصالحة مع التاريخ تأتي تدريجياً، ولكن وبشكل خاص، لا يجب أن نظنَّ أن الغفران يعادل دائماً وفي كل الحالات العودة إلى الوضع السابق أو العيش في علاقة كاملة مع الذين جرحونا، لا سيما عندما يكون الحدث قد اتسم بالعنف أيضاً. بل يمكن للمرء أن يحافظ على نية طيبة في القلب تجاه الشخص، ويرفض كل أشكال الكراهية أو الانتقام، ويسعى لإصلاح العلاقة قدر الإمكان، وربما الصلاة من أجله أو من أجلها: فهذا الأمر يساعدنا على الدخول أكثر فأكثر في ديناميكية الغفران والتصالح مع الله ومع الآخرين. نحن خطأةٌ غُفر لهم، نحن في سلامٍ وقادرون على الغفران. قادرون على أن نكون حاملي سلام.
وعقب انتهاء جلسة الحوار التي شهدت نقاشات عميقة وتساؤلات جوهرية، انتقل الحاضرون للمشاركة في وقفة صلاة، تحولت فيها الكلمات والنقاشات إلى لحظات من التأمل والدعاء الصامت، التماسًا للرجاء والسلام وقد تخللت الصلاة عظة للأب الأقدس قال فيها نحن أيضاً مثل نيقوديموس، حجاجٌ في الليل. إن هذه الأيقونة الإنجيلية تقدم لنا رسالة، أولاً، حول مسيرة الحياة. إن سيرنا، ورغبتنا، وكل ما نحتضنه ونعيشه يومياً، في الأفراح وفي الهزائم، في الطموحات وفي المشاريع، هو تعبير عن بحثنا المستمر: نحن متسوِّلو محبة، جياع وعطاش إلى الحقيقة، نبحث عن معنى كامل يعضدنا، ويشجعنا، ويساعدنا على فهم سر حياتنا. وبينما نتقدم ببطء، بخطوات صغيرة، نحن مدعوون للحوار مع عتمة حالتنا الإنسانية ذاتها: إذ تعوزنا الحقيقة الكاملة، ولا نعرف بعمق سر أنفسنا والوجه الحقيقي للآخرين، ولا ننجح دائماً في فهم الحقيقة الخفية للواقع المحيط بنا وللأحداث التي تتجلى أمام عيوننا. نحن نبحث عن نور ينير الدرب.
تابع الحبر الأعظم يقول ولكن نيقوديموس يحدثنا أيضاً عن مسيرة الإيمان. لا يتعلق الأمر بدرب موازٍ لمسيرة حياتنا، بل هما مساران متشابكان دائماً. وكما سمعنا في الإنجيل، فقد أحب الله العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد، وفيه اتحد للأبد بجسدنا. هو دائماً مع الآب ومعنا؛ وهكذا، في كل مرة ينبسط فيها سر حياتنا على نور يوم جديد، في كل ما نحن عليه ونعمله، نكون في حضرة الله وتحت رعاية غمرة ذراعيه الأبدية: إن حياتنا “مستترة مع المسيح في الله”. ومع ذلك، فإننا نختبر أحياناً ليل الإيمان، ومشقة الإيمان، وتعب الروح، والشعور بعدم التناسب أمام دعوة الإنجيل، ومرارة إخفاقاتنا، والخوف من ألا نكون قادرين.
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
أضاف الأب الاقدس يقول أيها الإخوة والأخوات، يعلمنا نيقوديموس أن هذه الليالي—التي ترافق حياتنا، ومسيرة الإيمان، والتاريخ الذي نعيش فيه—هي مكان بركة، وفسحة للولادة من جديد، ورَحِمٌ يلد دائماً حياة جديدة. إن هذه الليالي تجردنا وتعيدنا إلى الجوهري؛ تنزع عنا الأقنعة البشرية والدينية التي نرتديها في النهار، لكي لا يَعرفنا أحد أو لكي نعطي صورة عن أنفسنا تختلف عن حقيقتنا؛ هي تتركنا مكشوفين، في أنوارنا وفي ظلالنا، وتعيدنا إلى تواضع معرفة كيفية النظر إلى أنفسنا في الحقيقة، بعيداً عن الادعاء والافتراض بأن مسيرتنا قد اكتملت وأننا نتقدم كما لو كنا نملك نوراً يسطع فوق كل شيء، وفوق الجميع، وحتى فوق الله نفسه.
تابع الحبر الأعظم يقول إن هذه “الفسحة الفارغة” التي يخلقها الليل، حتى عندما تتجلى في شكل المعاناة أو عدم الرضا، أو الخيبة أو عدم الإيمان، يمكنها أن تكون فرصة لنيل حياة جديدة، للتغيير والتجدد، و”للولادة من علو”، كما قال يسوع لنيقوديموس. فإن الله، في الواقع، لم يأتِ ليدين العالم بخطيئته وليل عدم أمانته، بل أرسل ابنه ليخلّصه، ليمنح العالم الحياة الأبدية. لهذا السبب، نحن أيضاً مدعوون لكي لا ندين “الليالي”؛ لا ليالي حياتنا، ولا ليالي الكنيسة، ولا ليالي المجتمع المحيط بنا. بل يجب علينا في الليل أن ننطلق في المسيرة كما فعل نيقوديموس، مستمرين في مساءلة الرب، منفتحين على ريح الروح القدس لنستقبل الليل لا كعلامة إخفاق بل كبداية لحياة جديدة.
أضاف الأب الاقدس يقول وإذ نفكر في مسيرتنا الشخصية، وأيضاً في ليالي مسيرتنا الكنسية وفي إسبانيا، وفي مدنها، وفي فقرها القديم والجديد، وفي مجتمعها وثقافتها، يمكننا إذن أن نتساءل: ما هي الليالي التي نعبرها؟ وماذا توحي لنا؟ وإذ ندخل فيها وننظر بتواضع ودون أحكام مسبقة إلى حقيقة ما نحن عليه، ما الذي نحن مدعوون لتغييره؟ وأين يجب أن نتجدد؟ وفي أي اتجاه نريد أن نسير؟ وأي مجتمع نريد أن نبني؟
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة
البابا يترأس أمسية صلاة في استاد برشلونة (@Vatican Media)
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لا نتوقفنَّ عن البحث، وعن التساؤل والحوار، مع الله وفيما بيننا، حتى في قلب الليل. لنَسِر معاً في الإيمان الذي ينسجم مع تنوع أفكارنا وحساسياتنا، للبحث عن الحقيقة التي تقودنا نحو الخير العام، لكي يكون هذا البلد فسحة حاضنة للجميع، حيث يُحترم كل فرد في كرامته الإنسانية ويُحب لما هو عليه. لننفتح على عطية الروح، ونبحث عن الرب مثل نيقوديموس ونقبل نور إنجيله، بيقين أننا سنختبر في ذواتنا حياة جديدة، وحضوراً يبارك، ومحبة مجانية تساعدنا على العبور من الليل إلى النور. لأن الله لا يريد أن يهلك أحد، وهو يرغب منذ الآن في أن يمنحنا الحياة الأبدية، ليقودنا إلى السعادة التي لا تنتهي. ليمنحنا الرب، بشفاعة العذراء مريم، أن ننفتح عليه وأن نسمح لريح روحه القدوس أن تحركنا وتجدِّدنا.
البابا: مع الله تولد الحياة دائماً من جديد!






