فور وصوله برشلونة، المحطة الثانية في زيارته الرسولية إلى إسبانيا، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صلاة الساعة الوسطى في كاتدرائية الصليب المقدس والقديسة يولاليا وتأمل في عظته حول صورتين: العروس والجسد.
في إطار زيارته الرسولية إلى إسبانيا، وفي أول أيام الزيارة إلى برشلونة التي توجه إليها من مدريد صباح يوم الثلاثاء ٩ حزيران يونيو، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صلاة الساعة الوسطى في كاتدرائية الصليب المقدس والقديسة يولاليا شفيعة برشلونة. وبدأ الأب الأقدس عظته معربا للحضور عن سعادته الكبيرة بأن يبدأ زيارته بصلاة الساعة السادسة معهم، ثم ذكَّر بأن المجمع الفاتيكاني الثاني يصف ليتورجيا الساعات بصوت العروس نفسها وهي تناجي عريسها، وبأنها صلاة المسيح، متحداً مع جسده السرّي إلى الآب، وذلك حسبما جاء في الدستور في الليتورجيا المقدسة Sacrosanctum Concilium “المجمع المقدس”. أشار قداسة البابا أيضا إلى ما جاء في القراءة التي استمعنا إليها من رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس: “فإِنَّنا اعتَمَدْنا جَميعًا في رُوحٍ واحِد لِنَكونَ جَسَدًا واحِدًا” (١٢، ١٣).
دعا قداسة البابا بالتالي إلى التأمل في هاتين الصورتين، العروس والجسد. وبدأ الحديث عن الصورة الأولى فقال إنها تُذكِّرنا بأن الكنيسة هي عروس محبوبة، وأشار قداسته هنا تحديدا إلى هذه الجماعة الغنية بالعطايا والمواهب، وقال للحضور إن الله قد أرادهم هنا لأنه يحب فيهم وفي كونهم معا جمالا وخيرا فريدَين ومقدسَين. وتابع: لقد اختاركم أنتم لا آخرين لتُمَثلوا اليوم “جماعة القديسين” في برشلونة، وانطلاقا من هذا الوعي، واصل البابا، أدعوكم إلى أن تجددوا، في توافق، العزم على السير معا جميعا، مؤمنين ورعاة، على خطى المسيح نحو ملء الحياة. وشدد الأب الأقدس على أن الكنيسة هي ثمرة فعل محبة يسبقها، يأتي من الله، وهي تنمو بأن تدع الله يحبها متحدة بقلب متواضع وممتن، وذلك لأن فقط مَن يدع الله يحبه يمكنه أن يبني مع الآخرين أعمال المحبة.
وواصل البابا لاوُن الرابع عشر مذكرا بأن سلفه البابا فرنسيس كان قد أوصى جماعة هذه الأبرشية بالانطلاق من لقاء المسيح للنمو في الأخوّة وإعلان بشرى الإنجيل السارة، وذلك في رسالة فيديو في ٨ كانون الثاني ديسمبر ٢٠٢١ لمناسبة افتتاح برج العذراء في بازيليك العائلة المقدسة في برشلونة. وهو ما عاد البابا فرنسيس بعد عام ليكرره إلى الإكليركيين في هذه الأبرشية خلال حجهم إلى روما، حيث دعاهم إلى الا يتوقفوا أبدا عن تذوق واستعادة هذه المحبة المفضِّلة التي أفيضت وستفاض في قلوبهم بوفرة، وإلى عدم إطفاء تلك النار التي تجعلهم مبشِّرين جريئين بالإنجيل.
وواصل قداسة البابا إن كلمات البابا فرنسيس هذه تشير إلى الأجواء التي نحن مدعوون إلى نشرها في أوساطنا وعائلاتنا، في الرعايا وأماكن العمل والتكوين، في أوساط الكوريا وفي مجالات الحياة الأخرى كافة. وتحدث قداسته عن أجواء عائلية حيث يعاش معا متذكرين البنوّة المشتركة والدعوة المشتركة، متضامنين، منفتحين، وقادرين على الرحمة والتضحية والانتباه المتبادل والمغفرة.
ثم تحدث البابا لاوُن الرابع عشر عن التقاليد الكنسية الكبيرة في برشلونة وهو ما ذكَّر به البابا القديس يوحنا بولس الثاني خلال زيارته برشلونة حيث أشاد، في حديثه إلى المؤمنين في برشلونة في ٧ تشرين الثاني نوفمبر ١٩٨٢، بروح الاستقبال التي جعلت أهل برشلونة وكاتالونيا عبر التاريخ يتقاسمون المواطَنة الإنسانية والمسيحية مع أناس كثيرين. وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر أن البابا القديس كان قد شجعكم على الإعلان أمام الكنيسة أن هذه المدينة وهذه المنطقة هما بيت كبير ومنفتح على الأخوّة المسيحية.
وتابع قداسة البابا أن في كلمات القديس يوحنا بولس الثاني هذه تجد مكانا لها وجوه الكثير من الأخوة والأخوات الذين تفانوا ويتفانون من أجل بناء التناغم والشركة بعيدا عن الاستقطاب. وأضاف أن هذه الكلمات لا تزال تتأكد اليوم في حيوية أعمال الإعلان والتكوين والمحبة الكثيرة التي أنتم جميعا محفزوها وأبطالها، قال الأب الأقدس للحضور.
وينقلنا هذا إلى الصورة الثانية التي نريد التأمل فيها، قال البابا لاوُن الرابع عشر، أي الجسد، والذي هو الموضوع الأساسي في القراءة التي استمعنا إليها (رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس). وقال الأب الأقدس إن المسيح هو العريس الذي أحبَّنا أولا، وهو أيضا الرأس الذي نتحد به جميعا كأعضاء جسد واحد في خدمة بعضنا البعض “من كُلِّ قَبيلَةٍ ولِسانٍ وشَعبٍ وأُمَّة” (رؤيا ٥، ٩)، يحفزنا جميعا عمل الروح ذاته، مدعوين جميعا إلى القداسة ذاتها. وأكد البابا لاوُن الرابع عشر على أن هذا أمر هام لأنه يُذكرنا بأن العمل معا بالنسبة لنا ليس اختيار أسلوب، بل ضرورة فيزيولوجية تقوم على ما أُعطي كل واحد من نعمة “على مِقْدارِ هِبَةِ المسيح” (أفسس ٤، ٧)، والتي نجيب عليها باستخدام ما نلنا من كاريزما في احترام للخدمات الموكلة إلينا. وتابع قداسة البابا أن الروح القدس يحفزنا لا فقط على هبة الذات بدون تحفظ حيثما تدعونا العناية الإلهية، بل إلى أن نفعل هذا حسب تصميم الله في طاعة وثقة.
وكما في أي جسد، تابع الأب الأقدس عظته، هناك بيننا نحن أيضا أعضاء أكثر قوة وأخرى أكثر ضعفا، أعضاء مرئية تقوم بوظائف ظاهرة للخارج وأخرى مختبئة تعمل من الداخل بدون توقف أبدا في بعض الحالات مؤدية وظائف حيوية بدون حتى أن ينتبه أحد. وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر أن هناك صُوَرا كثيرة يمكننا من خلالها إيضاح تنوع وأهمية الأدوار والرسالات، إلا أن الرسالة تبقى ذاتها، في ثراء ما ننال من عطايا نحن أقوياء لأننا متحدون، ونحن متحدون لأن مَن يحفزنا هو الروح ذاته، روح المسيح الذي هو روح شركة من أجل خلاص الجميع. من الأهمية بالتالي لكل واحد منا ألا يسمح لأي شيء بأن يدمر الوحدة التي أسسَنا فيها الله والتي يقودنا يوما تلو الآخر نحو كمالها.
هذا وتحدث البابا لاوُن الرابع عشر عن القيام بعد قليل بتكريم ذخائر القديسة يولاليا شفيعة برشلونة، وذكَّر هنا بحديث القديس أغسطينوس عن الشهداء مشيرا إلى ضرورة ألا نَعتبر أمرا بسيطا كوننا أعضاء في ذلك الجسد الذي من بين أعضائه أيضا مَن لا يمكننا أن نقارن أنفسنا بهم، مطيعين الرب ذاته، تحركنا المحبة ذاتها، ملتصقين في الوحدة ذاتها. وتابع قداسة البابا أننا نحن أيضا بهذه الروح نريد، في عالم تمزقه الحروب والانقسامات وفي مجتمع يزداد تفككا وفردانية، أن نكون “شهداء”، أي شهودا وأنبياء للوحدة والاستقبال والوفاق والسلام، حتى وإن كان الثمن التضحيات والتخلي. نريد مثل العذراء يولاليا وشهداء آخرين كُثر أن نقول “نعََمَنا” مستعدين إن كان ضروريا لأن نموت عن أنفسنا، أن نفقد أنفسنا لنجدها مجددا، أن نتخلى عما هو زائد كي نبني على ما هو أساسي ويبقى إلى الأبد.
هذا ما يُعَلمنا الرب المصلوب وما يدعونا إليه بولس الرسول وأمثلة القديسين، قال البابا لاوُن الرابع عشر في ختام عظته، هذا ما نريد أن نفعل معا حسب صلاة يسوع إلى الآب خلال العشاء الأخير: “أنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني”(يو ١٧، ٢٣). ثم تضرع الأب الأقدس كي تساعدنا مريم، أم الكنيسة وأم الوحدة، كي نكون أمناء لهذا الالتزام وهذه الرسالة.
البابا في برشلونة يتحدث عن الكنيسة كعروس محبوبة وعن الوحدة التي أسسَنا فيها الله كأعضاء جسد واحد






