في أمسية الصلاة مع الشباب في استاد فرنسا، دعا البابا لاوُن الرابع عشر الشباب إلى الشهادة للمسيح بالمحبة والحوار، ومواجهة القلق بالرجاء، واكتشاف دعوتهم في الصلاة والخدمة، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية تنبع من علاقة حيّة بيسوع
في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء الجمعة أمسية صلاة مع آلاف الشباب في استاد فرنسا بباريس، في لقاء اتسم بالحوار والصلاة والتشجيع على عيش الإيمان والشهادة للإنجيل. وأجاب البابا خلال الأمسية عن أسئلة وجّهها إليه شابان، تناولت أولها كيفية التوفيق بين الحماس لإعلان المسيح واحترام من لا يشاركون المسيحيين إيمانهم، فيما تمحور السؤال الثاني حول كيفية تمييز الدعوة الشخصية وسط القلق وعدم اليقين، واكتشاف المكان الذي ينتظر فيه الرب كل شاب لكي يخدم ويهب حياته.
في جوابه على السؤال الأول الذي طرحته كلوي البالغة من العمر ٢٥ عامًا، وهي شابة تتابع دراستها في علم الصيدلة، وناشطة في مجموعة من الشباب الكاثوليك في الأحياء الشعبية في إيل دو فرانس، تُدعى ” La Cité Céleste”حول كيف يمكن للشباب أن يوفّقوا بين قوة اندفاعهم الرسولي وصدق الحياة الأخوية مع الذين لا يشاركوهم إيمانهم انطلاقًا من قول القديس بولس: “بالنسبة لنا، الحياة هي المسيح”. قال البابا لاوُن الرابع عشر إن العبارة التي اقتبستِها من القديس بولس، عزيزتي كلوي، ليست مجرد تأكيد. إنها خلاصة حقيقية لحياته. ففي كلمات قليلة، لكنها حاسمة، يرفع صلاة حمد، ويعلن فعل إيمان، ويشير إلى طريق القداسة حتى الاستشهاد. “الحياة عندي هي المسيح”. وإذ نكرر إعلان المحبة هذا، نحاول أن نتشارك خبرة الرسول. فهو يشهد لنا، في الواقع، بأن الله ليس غريبًا أبدًا عن حياته، بل على العكس، يذهب للقائه: يدعوه إليه، ويحوّله من الداخل، ويرسله إلى العالم. وفي هذه الديناميكية الروحية، نحن جميعًا معنيون، اليوم أيضًا. نعم، صحيح، كما قلتِ، إن المجتمع الذي نعيش فيه يبدو غير مبالٍ بالله. لكن الرب ليس غير مبالٍ بنا! وهذا هو الأمر المهم، وهو ما يمنحنا الرجاء دائمًا. إن كون كثيرين غرباء عن مسألة الله هو، في الواقع، مشكلة؛ لكن المشكلة أيضًا أن كثيرين غرباء عن مسألة الإنسان. كم من الأشخاص، ويا للأسف، لا يهتمون بقريبهم، فيعيشون بأنانية، أو يسيئون إلى الفقراء، فيبددون الخيرات في أمور باطلة. وكم من الأشخاص يستبعدون البريء والمريض، معتقدين أن قيمة كل إنسان تتحدد بما ينتجه. وأفكر بشكل خاص في التزامك في الأحياء الشعبية في إيل دو فرانس مع “المدينة السماوية”: فهناك، في واقع الحياة اليومية الملموس، وأحيانًا وسط الصعوبات، يصبح إيمانك شهادة نابضة بالرجاء.
تابع الأب الأقدس يقول إن الإنسان هو الذي يضلّ عندما يقول إن الله قد مات: فإذا لم يكن الله معه، يفقد الإنسان خلاصه، ويفقد معنى وجوده، الذي يتحول إلى طريق مسدود أو إلى العدم. أما من يقول: “الحياة عندي هي المسيح”، فيختبر العكس تمامًا. ففي المسيح، نعرف أن الله ليس غير مبالٍ بالإنسان أبدًا! ومن خلال يسوع، المصلوب والقائم من بين الأموات، يعطي الله حياته لكي نحيا نحن. وهنا تكمن طريقة إعلان المسيح التي تجمع بين الشجاعة والاحترام: أن نعلنه كإنجيل الخلاص، وكلمة الحق والحياة. فهذا الإنجيل هو بشرى سارة للجميع، وإعلان يحرر، وقاعدة لحياة جديدة. إنَّ إنجيل يسوع في الواقع لا يقود إلى الصراع، بل يدعو دائمًا إلى الغفران؛ وإذ ينير مأساة التاريخ، يربينا على العناية الأخوية. إن اللقاء مع المسيح يفتح على الحوار ويمهّد للسلام، لأنه يقدم لكل رجل ولكل امرأة الوعد الأعظم، الذي يحقق كل رغبة: وعد الحياة الأبدية.
أضاف الحبر الأعظم يقول عزيزتي كلوي، أيها الشباب الأعزاء، تعبّر الخبرة الدينية لكل شخص عن هذا البحث عن المعنى الذي يلهم النفس البشرية. ففي يسوع، فادي العالم، يجعل الله نفسه في متناولنا، مخاطبًا “البشر كأصدقاء”. إنه ينبوع الماء الحي، والنور في الظلمات. فلنهتف، إذًا، في فرح الإيمان، معًا هذا المساء: “الحياة عندي هي المسيح”. وبفضله، نستطيع أن نجمع بين الاندفاع الرسولي وخبرة الأخوّة تجاه الذين لا يؤمنون أو الذين ينتمون إلى تقاليد دينية أخرى. وهذه الأخوّة، القائمة على الإصغاء والتقدير المتبادل، تجد جذورها في وحدة الأسرة البشرية، التي عبّرت، على امتداد التاريخ، عن البعد الديني كسمة حيوية لكل شعب. ومن ثمّ، فإن تنمية علاقة أخوية مع الذين لا يشاركوننا إيماننا تسهم في بناء المجتمع؛ بل يمكنها أيضًا أن تصبح ممارسة للإيمان والمحبة، لأنه من المستحيل أن نشهد للمسيح من دون أن نحب الذين نريد أن نعلنه لهم. ومن العلامات المشجعة لهذه الأخوّة اللقاءات التي جرت في السنوات الأخيرة بين شباب منطقة البحر المتوسط. لذلك، ليست الرسالة المسيحية عائقًا أمام العيش معًا في أخوّة، بل على العكس، هي تعززه، لأنها تدعو كل إنسان بحرية إلى الإصغاء إلى بشرى السلام والخلاص. وبالمثل، فإن رسالتنا لا تتناقض مع احترام الديانات الأخرى، لأن الكنيسة “لا ترفض شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات”.
بعدها أجاب البابا لاوُن الرابع شر على سؤال فرنسوا شاب نشأ في ريف بورغونيا، وهو طالب في علم الزراعة، وملتزم في خدمة أبرشيته حول كيف يمكن للشباب أن يميّزوا اليوم المكان الذي ينتظرهم فيه الرب لكي يخدموا وقدّموا حياتهم وقال أولًا، أشكركم كثيرًا على التزامكم. أشعر بفرح عظيم لرؤيتكم بهذا العدد الكبير، تحرّككم الرغبة في أن تضعوا أنفسكم في خدمة السلام، الذي يجعلنا ننمو كرجال ونساء، ويحوّل المخاوف إلى رجاء، والتذمر إلى مسؤولية. إن هذه الرسالة العظيمة هي اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لأنها تدعونا إلى أن نبحر بتمييز في قلب التحولات التكنولوجية والرقمية الراهنة، من دون أن ننتقص من إنسانيتنا. ولا سيما عندما نكرّس أنفسنا لحماية الصغار والأكثر ضعفًا، فإننا نعترف بضعفنا أيضًا، ذلك الضعف الذي نجد أنفسنا جميعًا فيه. وهذه الهشاشة الملازمة للحياة البشرية لا تخيفنا، بل توحّدنا، نحن الخلائق الذين يكتشفون أنفسهم إخوة وأخوات في المسيح. فهو أول من يبذل ذاته لنا، والعلامة الحية لهذه النعمة هي الإفخارستيا، “مصدر الحياة المسيحية كلها وذروتها”. ومن هذا السر، الذي يعضد إيماننا، نستمد القوة لكي نبذل ذواتنا بدورنا في خدمة القريب، مقتدين بمجانيّة الرب يسوع. إن السعي إلى العدالة والسلام يلزمنا بأن ندرك الصراعات التي نعيشها نحن أنفسنا، وأن نطهّر قلوبنا. وعندما نلتزم في خدمة الله والآخرين، تجد جراحنا عندئذ العزاء والفداء.
تابع الأب الأقدس يقول لا يوجد فشل لا يستطيع الله أن ينهضنا منه: فرحمته هي فرحنا. ومع ذلك، تحدثتم عن القلق وعدم اليقين كعائقين أمام حماسكم. إنهما حالتان نفسيتان منتشرتان جدًا، بسبب هشاشة المشاريع المستقبلية، والعلاقات العاطفية المؤقتة، وهشاشة الروابط. وإلى هذه المشاعر تضاف مشاعر أخرى تثقل كاهل جيلكم، مثل إرهاق الشاشات والقلق أمام التغيرات المناخية أو الوضع الاقتصادي والدولي. نعم، ينبغي الإصغاء باهتمام إلى هذه المشاعر. وأدعوكم جميعًا، أيها الشباب الأعزاء، إلى إبقاء قلوبكم مفتوحة أمام آلام رفاقكم. وفي الوقت نفسه، تصبح خبرة الهشاشة، كل هشاشة، بالنسبة إلى تلميذ المسيح فرصة للشهادة. فمن يتبع يسوع على درب الخدمة المتواضعة والمجانية يتحرر من القلق ويستعيد حماسًا جديدًا، إذ يختبر الفرح والسلام الداخليين: وهما ليسا مشاعر عابرة أو ذاتية، بل متجذّران في يقين الإيمان الذي نشهد له معًا ككنيسة.
أضاف الحبر الأعظم يقول نعم، نحن معًا نشكّل الكنيسة: هشة ومقدسة، كأوانٍ من خزف تحمل كنزًا. والقديس بولس نفسه يذكّرنا من جديد بأننا “حين نكون ضعفاء، نكون أقوياء”. ولاسيما في لحظات الصعوبة، يعضد الله حريتنا ويشجعنا بنعمته. لقد أراد أن يعيش كإنسان، لكي نستطيع نحن أن نحيا معه إلى الأبد، كشهود فرحين للرجاء. أيها الأصدقاء الأعزاء، في هذه الصداقة مع يسوع يتحقق تمييزنا، أي التأمل الذي يتم من خلال التضرع إلى الروح القدس. إنها ممارسة مستمرة لكي نسير بطريقة منتظمة وآمنة.
تابع الأب الأقدس يقول كيف نمارس التمييز جيدًا؟ أولًا، تذكروا أن كلمة الرب هي دائمًا مصباح لخطواتنا. وفي نور الإنجيل، تمرّ التنشئة الروحيّة عبر الصلاة والخدمة، والسجود والعمل، والصمت – ذلك الصمت النادر جدًا والضروري جدًا، بعيدًا عن ضجيج وسائل الإعلام – والإعلان. ثم انظروا إلى مثال القديسين: فحتى في الاضطهاد، فتح هؤلاء الإخوة والأخوات دروبًا للسلام. انظروا إلى الكهنة الشغوفين بالمسيح، مثل القديس أوجين دو مازنود والقديس يوحنا ماري فياني؛ وانظروا إلى الجمال الصوفي للقديسة تريز دو ليزيو؛ وإلى الطوباوية بولين جاريكو، المتّقدة بالمحبة والرسالة؛ وإلى شجاعة الشهداء الخمسين في العمل الرسولي خلال زمن الحرب العالمية الثانية، الذين خدموا إخوتهم حتى بذل حياتهم. لقد غيّر هؤلاء القديسون التاريخ، فنقلوا كثيرين من الألم إلى الرجاء، لأنهم غيّروا أولًا قلوبهم، وحوّلوها في نور الإيمان.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الشباب الأعزاء، فيما تبحثون عن دعوتكم، كونوا على يقين من أن الرب لا يخاطبكم بطريقة غامضة، بل يتوجه إلى كل واحد منكم، داعيًا إياه باسمه، ويدعوه إلى اتباعه لأنه يحبه. وإذ تقبلون إنجيله بعقل صافٍ وقلب نقي، ستفهمون عندئذ كيف يدعوكم يسوع إلى الخدمة. إنها دائمًا عطية حياة: كاملة، أمينة، وممتلئة بالمحبة. ولكي تتغلبوا على القلق وعدم اليقين، تحلّوا بالشجاعة لقول كلمة واحدة، بسيطة وجميلة: شكرًا. شكرًا يا يسوع على محبتك. ولهذا السبب، يمكننا الآن، من دون خوف، بل بثقة وممتلئين فرحًا، أن نقول جميعًا، على خطى القديسين: “ها أنذا، يا رب!”. وأتوجه إلى الذين من بينكم – وهم كثيرون هنا هذا المساء – والذين يشعرون بالدعوة إلى اتباع يسوع في الدرب الأضيق، درب الكهنوت أو الحياة المكرّسة. إن الكنيسة في فرنسا تحتاج إليكم كثيرًا! هي تصلّي من أجلكم، وتنتظركم. أيها الأصدقاء الأعزاء، لا تخافوا من هذه الدعوة! تحلّوا بالشجاعة، وثقوا بيسوع الذي يريد أن يجعلكم أصدقاءه الأقرب. فهو لن يخيبكم، وسيكون دائمًا إلى جانبكم؛ وستكون حياتكم جميلة وخصبة بصورة رائعة.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول وفي الختام، يمكننا أن نردّد هذه الصلاة التي سلّمنا إياها القديس يوحنا بولس الثاني: “أيها المعلّم، يا من تحب الإنسان وتحترمه، يا من شاركت آلام الإنسان، يا من تنير سرّ الوجود البشري، اجعلنا نكتشف المعنى الحقيقي لحياتنا ولدعوتنا!”.
وقبل البركة الختامية وجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر كلمة إلى الشباب دعاهم فيها لكي يجعلوا من علاقتهم الحية بالمسيح مصدرًا لحرية حقيقية، ومن الإيمان قوةً لبناء الأخوّة والسلام، مؤكدًا أن الرسالة المسيحية لا تتعارض مع الحوار واحترام الآخرين، بل تجد في المحبة والخدمة طريقها الطبيعي إلى الشهادة. كما شجّعهم على مواجهة مخاوفهم وهشاشتهم بالرجاء، وعلى الإصغاء إلى الروح القدس في مسيرة التمييز، مستحضرًا مثال القديسين الذين حوّلوا، بإيمانهم وشجاعتهم، الألم إلى رجاء والتاريخ إلى درب للخير.
قال البابا في الليل، يبدو لنا النور أكثر إشراقًا. هكذا، أيها الشباب الأعزاء، أصغينا معًا إلى كلمات القديس بولس. ونريد أن نرفعها عاليًا، كالمشعل الذي لا ينير صلاة كل واحد منا فحسب، بل ينير أيضًا تاريخ الكنيسة بأسره. إن الرسول ينظر إلى زمانه، ويقبل الإلهام الإلهي، أي الروح القدس، الذي يفتح دائمًا آفاقًا مشرقة للمستقبل. نعم، الله هو ربّ التاريخ، ومهما حدث، هو يقوده نحو الخلاص: ففي المسيح لكل شرّ نهاية، لأن النهاية تصبح بالذات بداية حياة جديدة وأبدية.
تابع الحبر الأعظم يقول أيها الأعزاء، لكي ننير عصرنا ونحوّل الحاضر على نور الروح القدس، لنتذكّر أولًا أننا نحن أيضًا، مثل تيموتاوس، رجال ونساء لله. وهذه العبارة – “لله” – التي اختارها القديس بولس، تعني علاقة، لا امتلاكًا. فمن يعيش مع الله يكون حرًا: حرًا من كل ما يحجب الحياة، فيجعلها فارغة وبلا معنى. يا شباب فرنسا، احملوا في قلوبكم توقًا عظيمًا إلى الحرية، وهي كلمة يتردد صداها بقوة في ثقافتكم. فما مصدر الحرية الحقيقية إذًا؟ يوضحه لنا يسوع بجلاء عندما يقول لنا إن الحق هو الذي سيحررنا، وإن الحق هو هو نفسه. إذًا، هذا هو مصدر الحرية الحقيقية: العلاقة الحيّة مع يسوع.
أضاف الأب الأقدس يقول إن رفقة الرب تمنح الحكمة لمشاريعنا، والجمال للأماني التي نحملها في قلوبنا. فالله يعبر في نفوسنا كالنور، ويدعونا إلى تجدد دائم، وإلى توبة تمنح الوجود معناه الكامل، لأنها تجعلنا فاعلين في تاريخ ينتقل من الارتباك إلى البحث عن الحقيقة، ومن اللامبالاة إلى الالتزام من أجل العدالة. ويعبّر القديس بولس عن ذلك بثلاثة أفعال، تناشد حريتنا: تجنّب، واسْعَ، وجاهد.
تابع الحبر الأعظم يقول يكتب الرسول إلى تيموتاوس: أولًا، “تجنّب هذه الأمور”، أي الكبرياء والغرور والعنف والجشع. إنها كلها مشاعر تستولي علينا وتمتلكنا. فالأنانية التي تميّزها تخفي وراءها وحدة مخيفة. ولكي نتذوق قرب الله والأخوّة الإنسانية، علينا إذًا أن نرفض ذلك الجشع الذي يستهلك العلاقات من دون أن يعطي، والذي يملأنا بالأشياء من دون أن يغذّي أرواحنا. إن أسلوب حياة كهذا يدفع الإنسان إلى امتلاك كل شيء، لكنه لا يكون أحدًا؛ وإلى تلقي عدد هائل من الإعجابات، لكنه يبقى وحيدًا مع نفسه. وعندما نقرر ألّا نتبع أسلوب الحياة هذا، نبدأ عندئذ في السعي “إلى البرّ والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة”. نعم، إن من يعيش مع الله يسعى نحو الأفضل: يكون في تمرين دائم. ورغبته تبحث عن الفضيلة، أي عن القوة التي تجعله صالحًا وصادقًا. أيها الأصدقاء الأعزاء، إن الديناميكية التي تميّز الحياة المسيحية تحمل اسمًا محددًا: إنها مسيرة القداسة. إنها المسيرة التي يفتحها الرب أمام كل واحد منا، ويرافقنا فيها على الطريق. وكم من أبناء وبنات هذه الأرض الفرنسية الحبيبة سمحوا له بأن يقودهم في هذه المسيرة! لنفكر، على سبيل المثال، في الطوباوي مارسيل كالو، وهو شاب فرنسي، كان كشافًا وعاملًا، ولم يتوقف، وسط ظلمة معسكر الاعتقال، عن السعي إلى الخير، وبقي حرًا في داخله.
أضاف الأب الأقدس يقول وكلما تقدمنا في مسيرة القداسة هذه، يتضح لنا أن تجنب الشر لا يكفي: بل يجب أن نختار الخير. فالأمر لا يتعلق بمبدأ مجرد، ولا بعبارة بديهية: إن اختيار الخير هو الفعل الذي يعبّر عن الحرية ذاتها، ومن خلاله تتحقق الحرية وتصحح نفسها وتنضج. ولكي تختاروا الخيار الصالح، تذكّروا هذا المعيار: الخير يمنح الحياة ولا يسلبها أبدًا؛ الخير يعتني ولا يستولي لنفسه. الخير ليس مفهومًا جميلًا، بل هو وجه المحبة المشرق: إنه الله نفسه! والفضائل التي يشير إليها القديس بولس باعتبارها انعكاسًا لصلاح الله هي: العدالة تجاه البشر؛ والتقوى والإيمان تجاه الله؛ والمحبة تجاه الجميع؛ والصبر تجاه من يجعلوننا نتألم؛ والوداعة التي تميّز من يبحثون عن السلام بقلب نقي. وهنا تجد مبادئ المساواة والأخوّة التي تلهم مجتمعكم أساسها: فهي، أكثر من كونها مجرد أحكام قانونية، خيارات جذرية وشجاعة لقلب حر. وأن نتبنّى هذه الصفات ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو اختيار أن نصبح رجالًا ونساءً أصيلين، أحرارًا من التسويات والمساومات.
تابع الحبر الأعظم يقول وفي هذا الصدد، يسلّمنا الرسول فعلًا ثالثًا: جاهدوا. فالابتعاد عن الشر والسعي إلى الخير يقتضيان الجهاد. نعم، الجهاد، كما فعل القديس بولس، الذي غالبًا ما يُصوَّر وفي يده سيف، علامة كلمة الله، “سيف الروح”. وهذا الفعل يتردد بقوة هنا في فرنسا، أرض القديسة جان دارك، تلك الشابة التي عرفت كيف تجاهد بشجاعة. لكن انتبهوا فالكلمة والصورة قد أصبحتا واضحتين لنا الآن: إن الجهاد الذي دُعينا إليه هو جهاد الإيمان، أي الالتزام بأن نعيش بحسب الإنجيل، كتلاميذ ليسوع، ابن الله الذي يجعل منا جميعًا إخوة وأخوات. وباسمه نستمد قوة الأبرار لكي نقاوم التجربة. وباسمه نستمد مثابرة الودعاء لكي نكرّس أنفسنا للخير. إن جهادنا ليس صراعًا ضد الآخرين، ولا يلجأ إلى أسلحة العنف أو الاحتقار أو القمع. سلاحنا الوحيد هو سلاح المحبة التي تبذل ذاتها. ونحن نعرف، للأسف، أن هناك قوى تعارض علاقتنا بالله، وقوى تسعى إلى تقسيم الأشخاص والشعوب، ووضع بعضهم في مواجهة بعض. وهذه الشرور لا تظهر فقط في وجه عنيف، بل تتخذ أحيانًا مظهرًا خادعًا، لأنها تعدنا تحديدًا بما تسلبه منا، أي السعادة. ولكن عندما نشعر بأن ظلامها يحيط بنا، ينيرنا الروح القدس ويعزّينا. فلنختر معًا هذه الليلة، إذًا، الفضائل التي ينبغي لنا أن ننمّيها لكي نتبع الرب.
أضاف الأب الأقدس يقول لسنا وحدنا في مسيرة القداسة هذه، لأننا نسير فيها متحدين بجميع إخوتنا وأخواتنا الذين يحيطون بنا. وأنتم تختبرون ذلك هذا المساء، كما تختبرونه خلال التجمعات الكبرى مثل الأيام العالمية للشباب. ولدينا أيضًا القديسون كحلفاء لنا: إنهم أصدقاء يساندوننا في المحن. أيها الأعزاء، عندما تتطلب خيارات الحياة شجاعة، اطلبوا شفاعتهم واقتدوا بمثالهم. وكما رنمنا في الابتهالات، فإن تشجيع القديسين يؤكد لنا أننا لسنا وحدنا أبدًا في الصلاة، ولسنا وحدنا أبدًا في الكنيسة. ولاسيما في هذا الزمن، لنطلب مساعدتهم لكي نكون صانعي سلام: ذلك التوق الأبدي لله، والالتزام الدائم للبشرية! لقد ذكرتُ هذا المساء بعضًا منهم. ولنطلب أيضًا من القديسة تريزيا الطفل يسوع أن تعلّمنا “طريقها الصغيرة” للمحبة اليومية، ذلك الأساس المتين لكل سلام دائم.
تابع الحبر الأعظم يقول وهذا السلام يحققه الرب في العهد الذي يبرمه معنا جميعًا بوساطة يسوع المسيح. لذلك، وإذ يشير القديس بولس إلى أساس خبرتنا في الإيمان، فهو لا يتحدث فقط عما يمكننا نحن أن نفعله استجابةً لله، بل أيضًا عما يفعله الله من أجلنا. ويلخّص الرسول ذلك في حدث واحد: يسوع أمام بيلاطس، حقيقة المحبة أمام رياء السلطة. وهكذا يتطابق “الجهاد الحسن” مع “الشهادة الحسنة”. ويؤكد ذلك استخدام الصفة نفسها: “kalos” التي تعني هنا “المُنجَز على نحو حسن”. فالعمل المُنجَز على نحو حسن، ذلك الذي هو صالح، هو الفداء الذي يتممه يسوع من أجلنا. وفي جهاده ضد الخطيئة والموت، يحررنا انتصار المسيح جميعًا: فهو يخلّصنا من كل شر، ويدعونا إلى كل خير.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول وفي هذا النور، لننظر إلى الذخْيرتين الموضوعتين أمامنا: الثوب والصليب. الأول هو ما انتُزع من المسيح؛ والثاني هو ما أُعطي للمسيح. ومن هذا المنظور، كلاهما علامة على آلامه: فقد جُرّد يسوع من ثوبه لكي يكسونا نحن بالثوب الأبيض، المغسول “بدم الحمل”. وهكذا يصبح الصليب، الذي كان أداة للموت، علامة للرجاء. ولذلك، فإن الثوب والصليب معًا يمثلاننا نحن، نحن الكنيسة التي تولد من حياة الله التي تُعطى للعالم. أيها الشباب الأعزاء، لكي تنموا في القداسة وتغيّروا مجتمعنا نحو الأفضل، كونوا شهودًا منيرين لهذا الإنجيل، أي للبشرى السارة التي هي المسيح نفسه، مخلّصنا: “له الكرامة والقدرة إلى أبد الآبدين. آمين”.
البابا لاوُن الرابع عشر للشباب: لا تخافوا من دعوتكم، واختاروا الخير وجاهدوا من أجل السلام






