الراعي من إيليج: حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة… والجنوب ليس ورقة تفاوض

عظة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
قداس شهداء المقاومة اللبنانية
إيليج – الأحد 20 أيلول 2026
“ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم” (مر 10: 45)
​1. بهذه الكلمة يضعنا الرب يسوع اليوم أمام انقلاب كامل في مقاييس العالم. فبينما كان يعقوب ويوحنا يطلبان الجلوس عن يمينه ويساره في المجد، أعادهما يسوع، ومعهما التلاميذ جميعًا، من حلم المكان إلى حقيقة الرسالة، ومن البحث عن الأولوية إلى معنى الخدمة.
كانا يريدان أن يعرفا أين سيجلسان، فأراهما المسيح كيف ينبغي أن يعيشا. طلبا مكانًا في المجد، فكلّمهما عن كأس آلامه. وفكّر التلاميذ في من يكون الأوّل، فأعلن لهم أن الأوّل هو من يعرف كيف يكون خادمًا للجميع. وفي نهاية هذا المشهد، يختصر يسوع الطريق كله في كلمته: «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين» (مر 10: 45). المسيح لا يلغي القيادة، بل يطهّرها من التسلّط. لا يلغي السّلطة بل يعيدها إلى غايتها. ولا يلغي الأولوية، بل يجعلها قيادة الخدمة وبذل الذات.
إنّنا في الأحد الأول بعد عيد الصليب. والصليب الذي رفعناه ليس زينة على مذابحنا، بل هو المكان الذي بلغ فيه منطق المسيح نهايته، إذ قال: إنه جاء ليَخدم، وعلّم بذل الذات، ودعا إلى المحبة، وفتح ذراعيه على الخشبة ولم يغلقهما في وجه أحد.
وإذ نقف اليوم في إيليج أمام ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، فإننا لا نقف عند الموت، بل أمام معناه الأعمق، إذ ليست العظمة في أن يخدمنا الآخرون، بل في مقدار ما نستطيع نحن أن نقدمه لهم. شهداؤنا خدمونا وخدموا الوطن ببذل دمائهم وحياتهم لنحيا نحن. العظمة في منطق المسيح خدمة وبذل وفداء.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، هنا في سيدة إيليج، في هذا الموعد السنوي الذي يعيدنا كل عام إلى ذاكرة لا تشيخ، وإلى أسماء حفرتها التضحية في وجدان لبنان، وإلى رجال حملوا في زمن المحنة قضيةً آمنوا بها، ومضوا حتى النهاية دفاعًا عما رأوه حريةً وكرامةً ووجودًا ووطنًا.
نلتقي لنرفع الذبيحة الإلهية لراحة نفوس شهداء المقاومة اللبنانية، ونقف أمام ذكراهم بإجلال وإكبار واعتزاز. نستذكر الذين قدّموا أغلى ما يملكه الإنسان، حياتهم، وبقيت أسماؤهم أمانةً في ذاكرة رفاقهم وعائلاتهم وفي تاريخ وطنهم. ونذكر الشهداء الأحياء الذين يحملون في أجسادهم ليس فقط آثار الحرب، بل أيضا جراحات المسيح الفادي. نحيّيهم اليوم جميعًا تحية تليق بتضحيتهم. نحيّي شجاعتهم وثباتهم، وننحني أمام دمائهم، ونضم في الصلاة عائلاتهم التي حملت بعدهم وجع الغياب وكرامة الذكرى.
3. هؤلاء لم يطلبوا لأنفسهم مكانًا في التاريخ؛ لقد أعطوا من ذواتهم، فكتب التاريخ أسماءهم. ولم يقيسوا الوطن بما يستطيع أن يعطيهم، بل بما كانوا مستعدين هم أن يعطوه. فلولا الشهداء، لما بقي لبنان كما عرفناه وأحببناه. هم الذين دفعوا من حياتهم ثمنًا لبقائه، وحملوا بدمائهم أمانة حريته وكرامته وسيادته. لذلك، حين نذكرهم، نكرّم حياة وطن بقي لأن أبناءه عرفوا كيف يبذلون من أجله. ولذلك، فإن الوفاء لهم لا يكتمل باستعادة الماضي، بل ببناء لبنان الذي أرادوه حرًا، كريمًا، سيدًا على أرضه وقراره، وطنًا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة.
4. لقد اختارت رابطة إيليج لهذه المناسبة كلمة المسيح: «طوبى لصانعي السلام» (متّى 5: 9). فالسلام ليس نسيانًا للتضحيات، ولا تنكرًا للذاكرة، ولا تنازلًا عن الحق. لم يقل الرب طوبى للذين يتمنون السلام، بل لصانعيه. فالسلام يُصنع بإرادة وشجاعة وعدالة وقرار وثبات على الحق. السلام المسيحي لا يقوم على محو الحقيقة، بل على جعلها طريقًا إلى العدالة والمصالحة.
هذا السلام هو سلام الأقوياء بالحق، لا سلام العاجزين عن الدفاع عنه. سلام يحفظ السيادة، ويحمي الإنسان، ويصون الأرض، ويعيد للدولة حقها الكامل في أن تكون المرجع لجميع أبنائها.
5. “ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم” (مر 10: 45). هذه الكلمة ليست فقط قاعدةً للحياة الروحية، بل هي أيضًا وخاصةً مقياس صارم للحياة الوطنية والسياسية. فالمنصب العام، إذا لم يكن خدمة، يتحوّل إلى تسلّط. والسلطة، إذا لم تكن مسؤولية، تتحوّل إلى إهمال. والسياسة، إذا لم تكن في خدمة الناس، تتحوّل إلى صراع دائم على الحصص والمواقع. نقول لكل صاحب مسؤولية: ليست قيمة موقعك في عدد الذين يقفون في خدمتك، بل في عدد الذين تستطيع أنت أن تخدمهم من خلال موقعك.
لبنان يحتاج اليوم إلى ثقافة الخدمة التي تعيد إلى الدولة معناها: خدمة المواطن في الإدارة، وخدمة العدالة في القضاء، وخدمة الحقيقة في السياسة، وخدمة المصلحة العامة في الاقتصاد، وخدمة فوق كل ولاء خاص.
حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، وتكتمل هذه الحماية بدولة واحدة، وجيش قوي، وسيادة كاملة، وحياد يحمي قراره، وجنوب آمن، ودولة تستعيد ثقة أبنائها. وحين نقول إن حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح، فنحن نتحدث عن مبدأ الدولة نفسها: أن يكون قرار الحرب والسلم مسؤولية المؤسسات الشرعية التي تتحمل القرار أمام جميع اللبنانيين. فالوطن الواحد لا يستطيع أن يعيش طويلًا بقرارات متوازية.
ولبنان بحياده لا يهرب من محيطه، ولا يتخلى عن قضايا الحق، بل ينصرف إلى خدمة الحوار والدفاع عن حقوق الشعوب.
الجنوب ليس ورقة تفاوض. إنه أرض لبنانية، وأهله مواطنون لهم الحق في الأمن والحياة والاستقرار. المطلوب أن تتوقف الاعتداءات، وأن تُحفظ الأرض والحقوق، وأن يعود الاستقرار ثابتًا لا مؤقتًا.
بالنسبة إلى المفاوضات، نحن مع كل مسار سياسي ودبلوماسي جدي يحمي لبنان ويجنبه الحرب، ويحقّق انسحابًا، وحقوقًا، وسيادةً، وأمنًا، واستقرارًا.
6. يحتاج لبنان اليوم في السياسة، إلى رجال دولة يضعون الوطن فوق مواقعهم؛ وفي المجتمع، يحتاج لبنان إلى أناس يرفضون لغة التحريض؛ وفي الإعلام، يحتاج لبنان إلى كلمة مسؤولة لا تحوّل الاختلاف إلى عداوة؛ وفي البيوت، يحتاج لبنان إلى تربية لا تورث الجيل الجديد أحقاد الماضي. ونحن، إذ نحفظ ذاكرة شهداء المقاومة اللبنانية، لا نريد أن نضعهم في الماضي، بل أن نحمل إلى المستقبل القضية التي من أجلها بذلوا حياتهم.
7. بالنسبة إلى تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، فإنّ الممارسات على مدى سنوات في هذا الملف قد أوصلته إلى ما وصل إليه من إخلال في التوازن الوطني. لذلك نطالب مع المطالبين بإعادة دراسة هذا الملف في أسرع وقت ممكن وإقراره إنصافًا للأساتذة المستحقّين، ونهيب بالمسؤولين كافّةً تغليب معيار الشراكة الوطنية، مع مراعاة المعايير الأكاديمية.
​8. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات والأعزّاء: يا رب، يا من جئت لتخدم وتبذل ذاتك من أجل الجميع، اجعلنا فاعلي سلام وخدّامًا للحق والوطن. ارحم شهداء المقاومة اللبنانية، وعزِّ عائلاتهم، واحفظ لبنان حرًا، سيدًا، آمنًا، ومتصالحًا مع نفسه. واعط شهدائنا المجد والرحمة والذكر الطيب، وللبنان السلام والقيامة، ولله المجد والشكر، الآن وإلى الأبد، آمين.