خلال زيارته الرعوية إلى مدينة بافيا الإيطالية، وجّه البابا لاون الرابع عشر كلمة إلى المواطنين في ساحة فيتوريا، دعا فيها إلى تعزيز روح المسؤولية الجماعية، والحفاظ على الهوية الإنسانية والثقافية للمدينة، مشددًا على أن المدن ليست مجرد أبنية وآثار، بل هي فضاءات حيّة تعكس تاريخ شعوبها وقيمها ومستقبلها.
استهل الحبر الأعظم خطابه موجها كلمة شكر إلى أهالي بافيا على حفاوة الاستقبال، ومعتبرًا أن جمال المدينة ليس مجرد إرث تاريخي، بل مسؤولية مستمرة تقع على عاتق سكانها. وقال إن المدينة تمثل “هبة ومهمة” في الآن معا، لأن الحياة اليومية للمواطنين تنعكس في شوارعها وساحاتها ومؤسساتها، من منازل ومدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز رعوية.
هذا ثم أشار البابا إلى أن هذه المعالم لا تتحدث فقط عن الماضي، بل تعبّر عن ثقافة متجذرة في قيم الاستقبال، والتعليم، والتضامن، وهي القيم التي تشكل أساس المجتمع المدني والدستور الإيطالي. وأكد أن المدن الأوروبية، ومنها بافيا، تحمل في نسيجها العمراني ذاكرة حضارية غنية، تجعل من الحياة المشتركة فيها تجربة تتجاوز البعد المادي إلى بُعد إنساني وثقافي عميق.
في معرض حديثه عن معنى المدينة، أوضح لاون الرابع عشر أن كلمة “مدينة” في أصلها اللاتيني تشير إلى جماعة بشرية قبل أن تشير إلى مكان. ومن هنا، شدد على أن العيش في المدينة يقتضي التضامن والعمل من أجل الخير العام، بعيدًا عن المصالح الفردية أو الفئوية. وذكّر بأن المواطنين هم “شركاء في المواطنة”، وأن المؤسسات المحلية، وعلى رأسها البلدية، تتحمل مسؤولية رعاية الصالح العام وتعزيز رفاه الجميع.
لم تخل كلمات البابا من الحديث عن التحديات الاجتماعية المعاصرة، إذ حذر من خطر اللامبالاة والتفكك الاجتماعي، داعيًا إلى تجديد المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. وقال إن الإهمال والجهل المدني يمكن أن يقوضا أسس المجتمع، ما يجعل من الضروري إحياء ثقافة الخدمة والالتزام، وحماية الفضاءات العامة كالساحات والحدائق والطرقات، باعتبارها أماكن للقاء والحوار. كما دعا الحبر الأعظم سكان بافيا إلى تنمية حس الانتماء والمسؤولية تجاه مدينتهم، مؤكدًا أهمية الاهتمام بجودة الحياة، وبصحة الجار، وبجمال البيئة المحيطة، وبالعلاقة المتوازنة مع الطبيعة. وأشاد في هذا السياق بالسهول الزراعية المحيطة بالمدينة، معتبرًا أن العمل في الأرض يعكس انسجام الإنسان مع إيقاع الخلق والطبيعة.
بعدها توقف البابا في خطابه عند الدور الثقافي والأكاديمي لمدينة بافيا، لاسيما جامعتها العريقة – “جامعة بافيا” – معتبرًا إياها نموذجًا ناجحًا في تكوين الإنسان وليس فقط في نقل المعرفة. وقال إن العلم الحقيقي ينبغي ألا يتحول إلى أداة للربح أو الاستغلال، إذ يجب أن يبقى في خدمة الإنسان وكرامته.
هذا ثم أكد الحبر الأعظم أن لكل عِلم بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا؛ فالطب يهتم بالجسد، والقانون يهتم بالمجتمع، والفلسفة تهتم بالفكر، وجميعها تساعد الإنسان على فهم ذاته والعالم من حوله. وفي هذا السياق، توقف عند شخصية القديس أغسطينس، واصفًا إياه مثالًا للبحث الصادق عن الحقيقة، وللحوار الدائم بين الإيمان والعقل. كما شدد البابا على أن الإيمان والعقل لا يتعارضان، بل يُكمل أحدُهما الآخر، موضحًا أن الإنسان لا يمكنه أن يؤمن دون تفكير، ولا أن يجيب عن الأسئلة الكبرى للعقل دون انفتاح على الإيمان. وأضاف أن الإيمان يمنح الإنسان الأمل والمعنى، ويحرره من الشعور بأنه خاضع لمصير مجهول، لأنه يذكّره بأن الله هو خالق الحياة ومخلّصها.
في ختام كلمته تحدث البابا لاون الرابع عشر عن الدور الذي تلعبه الكنيسة المحلية، مشيرًا إلى أنها بيت مفتوح للجميع، ومكان للرعاية والمحبة، خصوصًا للفقراء والمسنين والمتروكين والمحتاجين. كما حيّا جهود المتطوعين والجمعيات المدنية، مؤكدًا أن ازدهار المدينة لا يُقاس فقط بالثروة المادية، بل أيضًا بالقيم والفضائل الإنسانية. ثم دعا الجميع إلى صون كرامة كل حياة بشرية، والعمل المشترك بين المواطنين، والمؤسسات، والكنيسة، والأجيال المختلفة، من أجل كتابة مستقبل المدينة بروح من التعاون والذاكرة الخلّاقة، قبل أن يمنح الحاضرين بركته الرسولية.
البابا يلتقي أهالي بافيا ويشدد على ضرورة الحفاظ على الهوية الإنسانية والثقافية للمدينة






