البابا: العيش مع المسيح ونشر إنجيله هو ما يجب أن يشغل قلوبنا!

“كحجارة حية، نحن مدعوون لنكون كنيسة متجذرة بعمق في الجماعة المحليّة، كنيسة تسير في وسط مشقات الناس وآمالهم، خبيرة في فن الإصغاء والمرافقة، وتعتني بالعلاقات مع العائلات، ومع الذين يستعدون لنيل الأسرار، وكذلك مع الذين يقتربون بين الحين والآخر أو هم بعيدون عن حياة الإيمان”. هذا ما قاله البابا لاون الرابع عشر في عظته مترأسا ليتورجيا الكلمة.
في إطار زيارته الراعوية إلى مدينة بافيا، وعقب اختتامه زيارته التفقدية والإنسانية إلى المركز الوطني للعلاج المتقدم للأورام توجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر إلى بازيليك ” San Pietro in Ciel d’Oro” حيث كان في استقباله حشد غفير من أساقفة إقليم لومبارديا، إلى جانب إكليروس الأبرشية، والمكرّسين. واستهلت المحطة الراعوية بكلمة ترحيبية ألقاها المطران كورادو سانغوينيتي، أسقف بافيا، رحّب فيها بالأب الأقدس، بعدها ترأس الحبر الأعظم ليتورجيا الكلمة، تلتها وقفة صلاة وتكريم أمام ذخائر القديس أوغسطينوس. وخلال الليتورجية ألقى البابا لاوُن الرابع عشر كلمة قال فيها يسعدني جداً أن أكون هنا بينكم، وأشكر الأسقف، المطران كورادو سانغوينيتي، والأب جوزيف فاريل، الرئيس العام لرهبانية القديس أوغسطينوس، على كلمات الترحيب التي وجهاها إليّ. وأنا مسرور بما سمعته عن هذه الكنيسة التي في بافيا: جماعة ذات تقليد عريق لا تزال حية وحاضرة في المدينة وفي المنطقة، متنبهة لعلامات هذا الزمن وتحدياته، دون أن يدب اليأس في نفسها بسبب المشقات، والمحيط المعلمن، والصعوبات في نقل الإيمان.
تابع الأب الأقدس يقول ولكي لا نيأس، نحتاج إلى نظرة تحييها روح الإيمان، تساعدنا على قراءة الواقع بشكل أعمق مما يظهر للوهلة الأولى، وتمنعنا من الانزلاق إلى موقف سلبي ومتشائم عاجز عن توليد حياة جديدة. إن النظرة المطلوبة منا -والتي يهبنا إياها الروح القدس- هي نظرة يسوع. ففي وسط الصعوبات وسوء الفهم، يرى يسوع يد الآب التي تعتني بزنابق الحقل وطيور السماء، ويغذي الرجاء في البذرة الصغيرة التي تنمو، ويدعونا إلى أن نرفع عيوننا وننظر إلى الحقول التي ابيضّت للحصاد. وفي الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل”، حثنا البابا فرنسيس على هذه القراءة الروحية للواقع قائلاً: “إن نظرة الإيمان هي قادرة على التعرف على النور الذي يشعه الروح القدس دائماً في وسط الظلمة […] إن إيماننا مدعو ليحاول أن يرى الخمر الذي يمكن أن تتحول إليه المياه، ويكتشف القمح الذي ينمو في وسط الزوان”.

أضاف الحبر الأعظم يقول وإذ نستنير برجاء الإنجيل، ونستلهم مما قاله لنا الرسول بطرس في القراءة، التي يدعو فيها تلاميذ الرب “حجارة حية”، فلنسأل أنفسنا: كيف يمكننا اليوم، هنا في بافيا، أن نكون كنيسة حية؟ إن الإرشاد الأول للرسول هو أمر جوهري: الثبات في الاتحاد بالمسيح، الحجر الحي، الذي رذله الناس ولكن الله اختاره. المسيح هو أساس البناء الروحي، هو حجر الزاوية الموضوع كقاعدة لمسيرتنا الكنسية، وللعمل الرعوي والبشارة.
تابع الأب الأقدس يقول أن نُبنى المسيح ونبني عليه يحمينا من خطر التشتت والإنهاك في أمور ثانوية، قد تكون صالحة، لكنها لا تلامس الجوهر. بالطبع، نحن مدعوون لأن نكون واقعيين، ونعلم أن في الجماعات الرعوية وفي حياة الأبرشية هنالك العديد من الأمور الملحة والالتزامات الكثيرة التي تتطلب حضوراً وأنشطة متعددة. ومع ذلك، فإن المسألة تكمن في إعادة كل شيء إلى المركز، في البناء دائماً انطلاقاً من حجر الزاوية، وفي منع أفعالنا من أن تكون مشتتة أو متمحورة فقط حول أنفسنا وجهودنا. وبما أن المركز هو المسيح، فنحن جميعاً نستقي من هذا النبع الواحد ونخضع التزامنا للتمييز النابع من نوره ومن كلمته. عندها، نساهم في نمو كنيسة تسير معاً، قادرة على التجدد دون انقسام، كنيسة يتعرف فيها الجميع على أنفسهم كإخوة ويعملون بفرح في خدمة ملكوت الله.
أضاف الحبر الأعظم يقول وهذا يتضمن ما قاله أسقفكم في البداية: يجب أن نتعلم كيف نكون جماعات مسيحية تركز على الجوهر، حتى لو كان ذلك ينطوي على التخلي عن بعض الهيكليات وبعض الضمانات التي كانت في الماضي. فالجوهر هو العيش مع المسيح، ونشر إنجيله هو ما يجب أن يشغل قلوبنا. وأوصي بهذا أولاً للكهنة، الذين قد يعانون أحياناً من شعور بالتشتت الداخلي والتعب بسبب المهام المتعددة: عودوا دائماً إلى المركز، ووحدوا كل شيء في العلاقة مع الرب، وفيه اكتشفوا فرح الأخوَّة الكهنوتية والعمل الرعوي المشترك مع العلمانيين. كما أوصي بهذا الراهبات والرهبان، الذين غالباً ما يعرفون مشقة تكييف المواهب التي ينتمون إليها مع العصر الحاضر، لكنهم بحاجة دائماً إلى الانطلاق مجدداً من المسيح ومشاركة المواهب التي نالوها مع الجماعات الرهبانية الأخرى ومع الكنيسة الأبرشية بأسرها.

تابع الأب الأقدس يقول إن التمسك بالمسيح، حجر الزاوية، يتيح لنا أيضاً مواجهة القضايا الراهنة المتعلقة بنقل الإيمان والممارسة الدينية. ففي زمن يبدو فيه أن الكثير من الناس قد فقدوا اللذة الروحية، أو لم يعودوا يجدون -لأسباب مختلفة- جاذبية في طرح الإيمان المسيحي لحياتهم، نحن مدعوون أولاً إلى حمل بشارة الإنجيل، بشارة يسوع المسيح الفرحة والمحرِّرة، التي تبرز جمال الإيمان لحياتنا ولمجتمعنا. إن الحاجة تزداد اليوم لمرافقة الأشخاص في اكتشاف الإيمان أو إعادة اكتشافه. لذلك، يجب إعلان جوهر الإنجيل، أي يسوع، الذي يكشف لنا في تجسده وموته وقيامته سر الله وفي الوقت عينه السر الذي نحن عليه. “إن العمل الرعوي بنظرة إرساليّة […] يركز على الجوهر، على ما هو أجمل، وأعظم، وأكثر جاذبية، وفي الوقت عينه أكثر ضرورة.
وفي هذا السياق، أضاف الحبر الأعظم يقول تشرق شخصية القديس أوغسطينوس بنور ثمين. إن فكره، وتاريخ ارتداده، وروحانيته، يذكروننا جميعاً بقيمة الحياة الداخلية وسموها: “لا تخرج خارج نفسك، بل ارجع إلى ذاتك: فالحقيقة تقطن في الإنسان الداخلي”. إن الحاجة إلى العودة إلى الذات، وعدم التشتت في التجزؤ الخارجي، والبحث عن معنى يوجه حياتنا ويحيي علاقاتنا، هي حاجة مشتركة بين الجميع: وهي تطفو اليوم بطرق مختلفة حتى في عجلة الحياة اليومية وتشتتها، ولا سيما في تساؤلات الشباب.
وعندما تكون شهادة إيماننا متماسكة وشغوفة، أضاف الحبر الأعظم يقول نصبح نحن أنفسنا “حجارة حية” تؤلف البناء الروحي الذي هو الكنيسة. إن أسلوب حياة المسيحيين، الذي كان جديداً ومذهلاً في البدايات مقارنة بالعالم اليهودي والوثني، يجب أن يبقى كذلك في عالم اليوم. فباتحادنا بالمسيح، يمكننا في الواقع أن نعبِّر عن كهنوتنا المقدس، مقدمين كل يوم ذبائح روحية. هذا العبادة، المنسوجة من الصلاة وخدمة القريب، تحوِّل حياتنا إلى علامة للإنجيل من خلال خياراتنا، وأفعالنا، وعلاقاتنا.

تابع الأب الأقدس يقول أيها الأحباء، كحجارة حية، نحن مدعوون لنكون كنيسة متجذرة بعمق في الجماعة المحليّة، كنيسة تسير في وسط مشقات الناس وآمالهم، خبيرة في فن الإصغاء والمرافقة، وتعتني بالعلاقات مع العائلات، ومع الذين يستعدون لنيل الأسرار، وكذلك مع الذين يقتربون بين الحين والآخر أو هم بعيدون عن حياة الإيمان. أعلم أنكم مدفوعون بهذا الشغف الرعوي، وأدعوكم إلى تنميته بدون إحباط، ساعين للوصول إلى الجميع بفرح الإنجيل، من خلال تثمين أفضل ما في تاريخكم -ونفكر هنا في مراكز النشاطات الرعوية للشباب (الخطباء)- واختبار إمكانيات جديدة للقاء. وتستحق العناية الخاصة الجهود المبذولة لجعل شبكات الجماعات الصغيرة التي تجتمع في البيوت حول الإنجيل شبكات منظمة، منفتحة على خدمة الرعية أو الجماعة الراعوية. إنَّ الإصغاء إلى الكلمة يولد حيوية روحية، ويحفز الشهادة في بيئات الحياة، كذلك من خلال الحركات والجمعيات، ويدفع إلى القرب من الفقراء. وهنا في بافيا بشكل خاص، أشدد على أهمية العمل الرعوي الجامعي والحوار مع الثقافة. إن الدراسة والبحث العلمي يحفزان المؤمنين على التفكير في طرح إيماني قادر على إضاءة السعي وراء الحقيقة، والعدالة، والجمال الذي يحرك النفس البشرية. وأعلم أنكم بدأتم في اتخاذ خطوات هامة لتبني أسلوب سينودسي في الحياة الجماعية، مكمِّلين المسار التقليدي للرعايا مع مبادرات جديدة للبشارة. لذلك، أدعوكم للاستمرار في هذا الطريق، متعلّمين أكثر فأكثر كيف تسيرون معاً، في تمييز مشترك من خلال تطوير مشاريع مشتركة، وتنمية الأخوَّة وتعزيز المسؤولية المشتركة.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لتنل لكم مريم كليّة القداسة، أم الكنيسة، الرغبة المتقدة في عيش الإنجيل والشهادة له، في المحبة الأخوية التي تجعلنا شعباً واحداً يسير نحو الله. وإذ نكرم ذخائر الأب القديس أوغسطينوس، أطلب منه، برفقة شفيعكم القديس سيرو، أن يشفع دائماً في هذه الكنيسة وفي مدينة بافيا. شكراً لكم!