لم تتمحور زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى الجزائر حول ذكرى شهداء «العشرية السوداء»، وهم 19 كاثوليكيًا سقطوا ضحايا الحرب الأهلية الجزائرية وتم تطويبهم في وهران عام 2018. إلا أنّ البابا، في يومه الأول في الجزائر العاصمة يوم الاثنين، أراد تكريمهم من خلال زيارة خاصة إلى المركز الاجتماعي الذي تديره الراهبات الأغسطينيات المرسلات في حي باب الواد الشعبي.
هناك عاشت راهبتان إسبانيتان من الرهبنة الأوغسطينية، الأخت إستير بانياغوا ألونسو والأخت كاريداد ألفاريز مارتين، وقد قُتلتا في 23 تشرين الأول 1994 أثناء توجههما إلى القداس في دير راهبات يسوع الصغيرات، على بُعد مسافة قصيرة. وكانت هاتان الراهبتان قد اختارتا البقاء رغم الدعوات إلى المغادرة في ظل العنف والفوضى التي شهدتها الحرب الأهلية. وقد كتبت الأخت إستير كلمات بدت وكأنها نبوية: «لا أحد يستطيع أن ينتزع حياتنا لأننا قد بذلناها بالفعل».
البابا، الذي كان بدوره مرسلًا في البيرو ورفض مغادرة البلاد خلال فترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية في ثمانينيات القرن الماضي، توقّف ليتذكرهما في زيارة خاصة بعيدة عن عدسات الكاميرات والميكروفونات. وبعد لحظة صلاة مع الراهبات في الدير، استحضر البابا ذكرى أخواتهن الشهيدات وسائر الشهداء الذين طُوّبوا إلى جانبهن، ومن بينهم رهبان تيبحيرين، معتبرًا أنهم «حضور ثمين على هذه الأرض»، وهو ما عاد وأكّده لاحقًا خلال لقائه مع الكاثوليك في بازيليك مريم العذراء سيّدة أفريقيا.
وفي ختام زيارته، قدّم البابا إلى الجماعة صليبًا مرصّعًا بالزجاج، مزيّنًا بأحجار حمراء ترمز إلى دم الشهداء، وزرقاء ترمز إلى السماء، وخضراء ترمز إلى الرجاء. وسيبقى هذا الصليب، المنقوش عليه رموز الإنجيليين الأربعة، شاهدًا على الرابطة التي تجمع شهداء الجزائر والبابا المُنتخب في 8 أيار 2025، وهو اليوم نفسه الذي يُحتفل فيه بذكراهم في الرزنامة الليتورجية اللاتينية.
معنى الهدية
يندرج هذا الصليب المُرصّع، المصنوع من الزجاج والمزيّن بأحجار ملوّنة وزخارف مذهبة بديعة، في إطار التقليد العريق للصلبان النفيسة في الفنّ المسيحي، حيث تسعى جمالية المواد وغنى الرموز إلى إبراز سرّ الإيمان الجوهري: ذبيحة المسيح الفدائية والمجد المنبثق عنها.
تتوسّط الصليب صورة المسيح المصلوب، مُصوَّرة بأسلوب يجمع بين ذكرى آلامه والتأمّل في انتصار القيامة. وتُحيط بشخص الربّ أحجار كريمة وألوان مضيئة، تستحضر تقليد «الصليب المُرصّع» المنتشر منذ القرون الأولى للمسيحية، حيث لا يُنظر إلى الصليب كعلامة ألم فحسب، بل كعلامة مجد أيضًا، كشجرة حياة ينبع منها خلاص العالم.
كما تُذكّر الرموز الموجودة عند أطراف الصليب إلى الإنجيليين الأربعة، الذين أعلنوا بشهادتهم سرّ آلام المسيح وقيامته. وهكذا يصبح الصليب أيضًا علامة لرسالة الكنيسة، المدعوّة إلى نقل نور الإنجيل عبر الأجيال.
ولا تقتصر الأحجار الملوّنة التي تزيّن الصليب على وظيفة جمالية، بل تعبّر عن لغة رمزية قديمة وعميقة لاهوتيًا. فاللون الأحمر يرمز إلى الدم الذي سفكه المسيح وإلى نار المحبّة المنبثقة من ذبيحته؛ والأزرق يشير إلى السماء وإلى بُعد الإيمان الذي يفتح الإنسان على سرّ الله؛ أمّا الأخضر فهو علامة الرجاء والحياة الجديدة، كغصن يخرج من شجرة الصليب. وهكذا تصبح هذه البراعم إعلانًا صامتًا لسرّ الفصح: فالإيمان والرجاء والمحبّة، وهي الفضائل التي تسند الحياة المسيحية، تنبع من الصليب.
في التقليد المسيحي، لا يُعدّ الصليب مجرّد ذكرى لحدثٍ مضى، بل هو الإعلان الأسمى عن محبّة الله للبشر. ففي التأمّل بالمصلوب، يكتشف المؤمن أنّ المحبّة الحقيقية تتجلّى في بذل الذات والعطاء للآخرين. وفي هذا السياق، تكتسب كلمات البابا لاون الرابع عشر وقعًا خاصًا، إذ تذكّرنا بأنّ المحبّة تجاه القريب هي البرهان العملي على صدق محبتنا لله: «إنّ محبّة القريب هي الدليل العمليّ على صدق وحقيقة محبتنا لله» (الإرشاد الرسولي لقد أَحبَبتُكَ – Dilexi te).
وهذه الحقيقة تحتلّ أيضًا مكانة محورية في فكر القديس أغسطينوس، معلّم الحياة المسيحية والأب الروحي للعائلة الأوغسطينية. ففي تعليقه على إنجيل يوحنا يقول بكلمات تجمع بين البساطة والعمق: «اقتَنِ المحبّة، تملك كلّ شيء؛ لأنّه بدونها، كلّ ما تملكه لا ينفعك بشيء» (شرح إنجيل يوحنا 32، .
من هذا المنطلق، تظهر المحبّة كقلب الحياة المسيحية. فكلّ شيء يجد معناه في الحبّ الذي ينبع من اللقاء بالمسيح ويترجم في خدمة الآخرين. وهكذا يصبح الصليب ينبوعًا لهذه القوّة الداخلية التي تمكّن الإنسان من عيش حياة العطاء والرحمة والأخوّة.
وبجماله المتلألئ، يحمل هذا الصليب المرصّع بالأحجار الكريمة دلالة بليغة، إذ يذكّر دائمًا بمصدر كلّ خدمة أصيلة: محبّة المسيح التي، من على الصليب، ما تزال تحوّل قلب الإنسان وتُثمر أعمال رحمة في العالم. وهكذا يقف الصليب، علامة الفداء والمجد معًا، كدعوة صامتة ولكن قويّة: أن نسمح لمحبّة المصلوب أن تُشكّل حياتنا، وأن نصير، في يومياتنا، شهودًا للمحبّة التي تجدّد العالم.
رمزية صليب البابا في باب الواد: دم الشهداء ورجاء القيامة






