في أجواءٍ إيمانيّة مفعمة بالفرح والرجاء، استقبلت بلدة زغرتغرين ذخائر القدّيسة رفقا، برعاية وحضور رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، وبدعوة من رعيّة مار يوحنا المعمدان، وسط مشاركة واسعة من الكهنة والراهبات وأبناء المنطقة.
وتخلّل المناسبة تطواف بالذخائر، مساء الثلاثاء 15 أيلول 2026، انطلاقًا من دير مار سمعان العمودي في القرن–أيطو، مرورًا بأيطو وكفرحاتا وصولًا إلى زغرتغرين، حيث أُقيم قدّاس إلهي في كنيسة مار جرجس، أعقبته إزاحة الستارة عن لوحة للقدّيسة رفقا.
وفي عظته، شكر المطران سويف الله على هذا اليوم المبارك، مهنّئًا أبناء زغرتغرين بالحدث الروحي الذي يجدّد إيمان الرعيّة والأبرشيّة، ويدعو المؤمنين إلى عيش المحبّة والسلام والرجاء، ولا سيّما وسط الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان.
وتوقّف عند المجسّمين اللذين سيُوضعان عند مدخل كنيسة مار جرجس: الأوّل للشهيد مار جرجس حاملًا رمحه الموجّه إلى الشرّ لا إلى الإنسان، والثاني يضمّ ذخيرة القدّيسة رفقا محاطةً بأرزة لبنان. وأوضح أنّ تكريم القدّيسين والشهداء هو دعوة إلى طلب القوّة من الله، لكي يساهم كلّ إنسان، من موقعه، في مواجهة الشرّ وإزالته من العالم.
ووصف المطران سويف القدّيسة رفقا بأنّها «أرزة من أرزات لبنان»، فقد عاشت راهبةً متواضعة ومتألّمة، وسعت دائمًا إلى التلاشي أمام الله، على مثال حبّة الحنطة التي تموت في الأرض فتعطي ثمرًا كثيرًا. وأشار إلى أنّها، كالأرزة المتجذّرة في الأرض والمرتفعة نحو السماء، تعلّم المؤمن أنّه بقدر ما يتعمّق في إيمانه ومحبّته واتّحاده بالمسيح، يرتفع قلبه نحو العلى ويرفع معه جميع المحيطين به.
ورأى أنّ استقبال ذخائر القدّيسة رفقا، في أجواء عيد ارتفاع الصليب المقدّس، يحمل معنى روحيًّا عميقًا، لأنّ الصليب هو علامة النصر والغلبة، وعلامة الحبّ الذي ينتصر على البغض والحقد والخطيئة والموت. فالمسيح، بارتفاعه على الصليب، يجذب إليه كلّ مَن يرفع عينيه وقلبه نحوه، ويقوده إلى لقاء وجه الآب السماوي.
كما أكّد أنّ الحياة الأبديّة لا تبدأ بعد الموت فحسب، بل هي علاقة دائمة بين الله والإنسان، تبدأ منذ سرّ المعموديّة وتُعاش يوميًّا بالإيمان الصادق والاتّحاد بالمسيح. فالإنسان المؤمن يصبح نورًا في عائلته وعمله ومجتمعه، لأنّ يسوع، الذي قال: «أنا نور العالم»، يدعو كلّ مؤمن إلى أن يكون بدوره نورًا للعالم.
وتحدّث المطران سويف عن شوق القدّيسة رفقا الدائم إلى الاتّحاد بيسوع، الذي كانت تلتقيه في القربان والإنجيل والصلاة، وفي جماعة الدير والأعمال المتواضعة وتفاصيل حياتها اليوميّة. وأكّد أنّ رفقا تشكّل مدرسةً وقدوةً لجميع المؤمنين، لأنّ كلّ إنسان مدعوّ إلى عيش القداسة في قلب العالم وداخل بيته.
وفي هذا السياق، صلّى لكي يصبح كلّ بيت «ديرًا وكنيسةً حقيقيّة»، يُعبد فيها الله بالروح والحقّ، وتُعاش فيها قيم السلام والغفران والإصغاء والحنان. فالبيت، بحسب المطران سويف، ليس مجرّد بناء، بل واحة روحيّة وإنسانيّة يتقدّس فيها أفراد العائلة ويقدّس بعضهم بعضًا.
وشدّد على أنّ الزيّاحات والمظاهر الخارجيّة ليست غايةً بحدّ ذاتها، بل وسيلة تساعد المؤمنين على الدخول في عمق الإيمان. وقال إنّ القدّيسة رفقا، من خلال زيارتها الأبرشيّة وزغرتغرين، «تدقّ على أبواب قلوبنا وضمائرنا»، لتجدّد الشوق إلى لقاء يسوع في قلب الكنيسة، بالمحبّة والطاعة وتسليم الحياة للربّ.
وفي ظلّ القلق والخوف اللذين يخيّمان على حياة اللبنانيين، دعا المطران سويف المؤمنين إلى الإصغاء لرسالة القدّيسة رفقا: «لا تخافوا. لقد كنتُ مع المسيح، وسرتُ معه وتألمتُ معه، وهو الذي منحني القوّة. كونوا شجعانًا في إيمانكم وقلوبكم ومواقفكم».
وفي الختام، أكّد أنّ الصليب الظافر ينتصر على كلّ شرّ، وأنّ مَن يموت مع المسيح يحيا معه. كما حيّا أبناء زغرتغرين المقيمين في لبنان والمنتشرين في العالم، داعيًا اللبنانيين إلى التمسّك بأرضهم والبقاء فيها، ليكونوا شهادةً حقيقيّة وساطعة لإنجيل المحبّة والسلام والحياة الأبديّة.
المطران يوسف سويف من زغرتغرين: القدّيسة رفقا تدعونا إلى الشجاعة والثبات في الإيمان






