عظة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
يوبيل 25 سنة على تقديس القديسة رفقا
حملايا – الأحد 13 أيلول 2026
“المطلوب واحد” (لو 10: 42)
1. كلمتان فقط، تختصران الطريق الأكمل إلى الله، وهو سماع كلامه أوّلًا. ففي عالم تتزاحم فيه الأمور، وتتوزع فيه اهتمامات الإنسان، وتكثر الأصوات من حوله، يعيدنا الرب إلى الجوهر: وهو المطلوب الواحد: سماع كلام الله. أن يبقى الله في قلب الحياة، ووسط الكثير الذي يشغلنا، يستحق أن نعطيه القلب كله. فالإنجيل لا يرفض العمل، ولا يقلل من قيمة الخدمة، لكنه يضع كل شيء في مكانه الصحيح: سماع كلام الله أوّلًا، ثمّ العمل فيأتي كاملًا، ويتقدّس الإنسان فيه.
2. في هذا المساء، نحن في حملايا، بلدة القديسة رفقا، للاحتفال باليوبيل الخامس والعشرين على تقديسها القديسة رفقا، التي كان مفتاح حياتها كلها «المطلوب الواحد»، أعني سماع كلام المسيح. نحن هنا أيضا لنحتفل بارتفاع الصليب المقدس، مصدر الفداء ومصدر افتخارنا.
عرفت رفقا هذا المطلوب الواحد، فاختارته ولم تتراجع. اختارته عندما كانت الطريق واضحة، وبقيت تختاره عندما أصبحت الطريق ألماً. اختارته في التعليم، وفي الدير، وفي الصلاة، وفي الصمت، وفي المرض، وفي العمى، في كل يوم كان جسدها يتراجع، كانت روحها تقترب أكثر فأكثر من الله.
في زمن يتشتت الإنسان فيه بين آلاف الاهتمامات، تعيدنا رفقا اليوم إلى بساطة القداسة وقوتها: وهي أن يعرف الإنسان أين يضع قلبه، ولمن يعطي حياته، وما الذي يبقى عندما تسقط الأشياء الأخرى كلها. كان المطلوب عند رفقا واحدًا: أن يكون الله وكلامه أوّلًا. ومن هذا المطلوب الواحد أخذ كل شيء آخر معناه في حياتها.
3. يسعدني أن أكون معكم يا أهالي حملايا، الاحباء، للاحتفال معًا في هذا اليوبيل، الذي هو وقفة تأملية مع القديسة رفقا، للاقتداء بفضائلها، وطلب شفاعتها. وأرحّب بجميع الآتين من مختلف المناطق والمشاركين في نعمة اليوبيل.
لحملايا في هذه المناسبة فرح خاص. فهي ليست فقط مكانًا يحمل اسم رفقا في ذاكرته، بل هي أرض بداياتها، وهي البلدة التي شهدت طفولتها وخطواتها الأولى، منها خرجت ابنةً لعائلة وبلدة، قبل أن تصبح ابنةً للكنيسة وقديسةً يعرفها المؤمنون ويلجأون إلى شفاعتها.
خمسة وعشرون سنة مضت على ذلك اليوم الذي رفعت فيه الكنيسة رفقا إلى مصاف القديسين. واليوبيل ليس مجرد ذكرى زمنية نعدّ فيها السنوات، بل محطة نعود فيها إلى معنى الحياة التي نحتفل بها. فبعد خمسة وعشرين عامًا، ما زالت رفقا حاضرة: حاضرة في صلوات الناس، وفي بيوت كثيرة، وفي وجع المرضى، وفي رجاء المتألمين، وفي قلب كل إنسان وجد في حياتها ما يقوله لله عندما لم تعد الكلمات تكفي. رفقا لم تترك لنا مؤلفات كبيرة، ولم تبحث عن شهرة، ولم تقف على منابر العالم. كانت حياتها نفسها هي الكلمة. صمتها تكلّم، وألمها شهد، وثباتها علّم، وحياتها كلها قالت إن الله يكفي عندما يصبح هو «المطلوب الواحد». فهنيئًا لحملايا بقديستها، وهنيئًا لأبنائها وعائلاتها بهذا اليوبيل، وهنيئًا للكنيسة ولبنان بالقديسة رفقا، ابنة هذه الأرض والشاهدة للرجاء فيها.
4. لقد عرفت رفقا الإصغاء والعمل معًا. في مرحلة من حياتها، خدمت من خلال التعليم والتربية. كانت من المريمات، وعملت في المدارس، فعلّمت الأطفال ونقلت إليهم ما كانت هي نفسها تتعلمه من الرب. لم تحتفظ بالكلمة لنفسها، بل سمعتها، ثم جعلتها تربيةً ورسالة.
عندما حُلّت جمعية المريمات وجرى توحيدها مع جمعية قلب يسوع، لتصبحا جمعية القلبين الأقدسين، وجدت رفقا نفسها أمام مرحلة جديدة لم تكن قد اختارت تفاصيلها. وصلها الأمر بأن تترك المريمات وتلتحق بالجمعية الجديدة، فاضطربت. لكنها لم تتخذ قرارها تحت تأثير الاضطراب، ولم تجعل الحيرة أعلى من صوت الله. فذهبت إلى الصلاة وسماع إرادة الله في كنيسة مار جرجس في بلدة معاد، حيث كانت تعلّم كلمة الله. وفيما كانت غارقة في الصلاة، ظهر لها القديس أنطونيوس الكبير ومار سمعان العامودي ومار جرجس. وسمعت صوتًا يقول لها: “ستترهبين في الرهبانية البلدية” المعروفة اليوم بالرهبانية اللبنانية. فانتقلت إلى مرحلة جديدة، ودخلت الحياة الرهبانية، في دير مار سمعان في أيطو.
تغيّر المكان، وتغيرت الجماعة، وتغير شكل الرسالة، لكن لم يتغير المطلوب الواحد، في الرهبنة بالتكرّس، وفي المرض بالصبر. وعندما لم يعد الجسد قادرًا على الخدمة كما في السابق، بدأت أعمق خدمة في حياتها: أن تجعل من ألمها صلاة.
وهنا تصبح رفقا تفسيرًا حيًا للإنجيل. فقد جلست عند قدمي الرب لا في لحظات الراحة فقط، بل عندما أصبح الألم نفسه مكان جلوسها. وحين اشتد المرض وفقدت بصرها وتفاقمت آلامها، لم تجعل من الألم جدارًا بينها وبين الله، بل جعلته مكان لقاء. لم يكن سرّ قداستها أنها تألمت؛ فكثيرون يتألمون. لكن سرّها أنها عرفت كيف تحب وهي تتألم، وكيف تثق وهي لا ترى، وكيف تبقى مع الله عندما لم يبقَ لها أي شيء آخر تستند إليه.
عندما علّمت، كان الله هو المطلوب. وعندما ترهّبت، كان الله هو المطلوب، وعندما فقدت بصرها، بقي الله هو المطلوب. وعندما لم يعد لها من قوة الجسد إلا القليل، بقي لها ما لا يستطيع المرض أن ينتزعه منها: النصيب الأفضل.
هذا هو الدرس لنا: وسط كثرة الأخبار والاهتمامات والقلق والعمل والمطالب والأصوات، تعيد رفقا ترتيب حياتنا. لا تقول لنا أن نهرب من واجباتنا، بل أن نعرف من أين نبدأها؛ ولا أن نترك العالم، بل ألا نسمح للعالم بأن يأخذ من داخلنا مكان الله. فالإنسان الذي يعرف «المطلوب الواحد» يستطيع أن يحمل أمورًا كثيرة من دون أن يتشتت، لأن له مركزًا يعود إليه، وصخرة يقف عليها، ووجهة يعرفها.
5. في الشأن الوطني، تعيدنا كلمة الرب اليوم، في مناسبة اليوبيل الخامس والعشرين لإعلان قداسة رفقا، إلى جوهر الأولويات: “المطلوب واحد”. في وطن تتعدد فيه الأزمات والملفات، يبقى المطلوب أولًا أن يُحمى الإنسان ويُصان الوطن.
تصبح كلمة الإنجيل أكثر إلحاحًا، لأنها تدعونا إلى ترتيب الأولويات. لقد أرهق لبنان نفسه طويلًا بكثرة الحسابات والأولويات المتناقضة. ليس المطلوب أن ينتصر فريق على فريق، بل أن ينتصر لبنان على أزماته، وأن يكون دولة تستطيع أن تقرر وتحمي وتفاوض وتنصف.
من القديسة رفقا التي عرفت الألم وحملته برجاء وثبات، نتعلم أن الصبر لا يعني الاستسلام للواقع، بل الثبات في الإيمان والعمل من أجل واقع أفضل. لقد تألمت رفقا ولم تُهزم، وانتظرت ولم تيأس، وثبتت من دون أن تفقد رجاءها.
هكذا نريد لبنان: صابرًا لا مستسلمًا، متألّمًا لكن غير مهزوم. نريده وطنًا يُحمى، ودولةً تقرّر، وأرضًا تُصان، وتفاوضًا يُنتج، وسلامًا يُبنى، وعدالةً تحفظ الإنسان. وإذا أصبح لبنان هو الأولوية التي تجمعنا، أمكننا أن نجد حلولًا لاختلافاتنا. أما إذا بقي كل واحد يبحث عن نصيبه وحده، فقد نخسر جميعًا النصيب الذي لا يجوز أن يُنزع منّا: وهو الوطن.
6. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، بشفاعة القديسة رفقا، علّمنا أن نختار «المطلوب الواحد»، وأن نبقى أمناء لك في الفرح والألم. بارك حملايا ولبنان، واحفظ شعبنا في السلام والرجاء.
يا قديسة رفقا، صلّي لأجلنا ولأجل لبنان، آمين.
البطريرك الراعي : المطلوب واحد أن يُحمى الإنسان ويُصان الوطن






