المطران سويف من زغرتغرين: لنبنِ الكنيسة الإنسان ونحطّم أصنام الأنانية والانقسام في قلوبنا

ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، الثلاثاء 6 تشرين الأوّل 2026، قدّاسًا احتفاليًا بمناسبة عيد القديسين سركيس وباخوس، في كنيستهما في زغرتغرين – الضنية، بمشاركة كاهن الرعية الأب سمعان سمعان، وبحضور القيّم الأبرشي العام الأب كامل كامل، والأب سيمون جبرايل، والأب مخايل، ابن كرم المهر الذي يخدم في أستراليا، وأبناء الرعية.
وفي مستهلّ عظته، هنّأ المطران سويف كاهن الرعية والكهنة والمؤمنين بالعيد، مستذكرًا ارتباط الأب سمعان بالمكان الذي وُلد فيه، ومعلنًا تعيين الخوري سيمون جبرايل كاهنًا معاونًا له في خدمة رعية زغرتغرين.
ورفع الشكر إلى الله على نعمه وعطاياه، وعلى الرعايا التي تتجدّد بالإيمان، مستعيدًا ذكرى تكريس الكنيسة بعد ترميمها عام 2001، حين أرسله المثلّث الرحمة المطران يوحنا فؤاد الحاج لهذه المهمّة، وكان يومها نائبًا عامًا في الأبرشية. كما ذكر بالصلاة جميع الذين خدموا الأبرشية ورحلوا.
وشدّد سويف على أنّ الكنيسة لا تُختصر بتاريخ أو جغرافيا، بل تنطلق من إرث الآباء والأجداد والأماكن العريقة لتجدّد شهادتها للمسيح في الحاضر. وأوضح أنّ الجماعة المؤمنة مدعوّة، على مثال القديسين والشهداء، إلى الشهادة ليسوع الذي افتدى الإنسان بدمه، وبذل حياته من أجله، وأحياه بقيامته، فاتحًا أمامه طريق الحياة الجديدة والأبدية.
وتوقّف عند شهادة القديسين سركيس وباخوس، اللذين تركا الوثنية وعبادة الأصنام بعدما تعرّفا إلى المسيح، فأصبح وجهه المقدّس وحبّه الخلاصي محور حياتهما، ولم يعودا يطلبان شيئًا يفوق الانتماء إليه. وأشار إلى أنّ اتّباع المسيح والشهادة للحق والمحبة والسلام قد يعرّضان المؤمن للاضطهاد، كما يحدث مع مسيحيين في العالم اليوم.
وانطلاقًا من شهادة القديسين، دعا المؤمنين إلى مراجعة ذواتهم، معتبرًا أنّ الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج، إذ قد يصبح الإنسان عدوًا لنفسه عندما يسمح للأنانية والحقد والانقسام بأن تتحكّم بأفكاره ومواقفه.
وأوضح أنّ الوثنية لم تنتهِ، بل قد تتّخذ أشكالًا تتسلّل إلى الفكر والبيت والمجتمع والكنيسة والوطن، حين يجعل الإنسان من نفسه إلهًا، أو يتشبّث بما يتناقض مع الإيمان والمحبة والغفران والسلام. واعتبر أنّ الأنانية والحقد على الآخر، والانقسامات داخل العائلات والرعايا، ورفض مدّ اليد للمصالحة، تشكّل أصنامًا تستدعي مواجهة صادقة.
ودعا، في عيد الشهيدين، إلى طلب نعمة الشجاعة لتحطيم هذه الأصنام في العقول والقلوب والإرادات والمواقف، مؤكدًا أنّ التغيير يبدأ من الداخل، حتى يرتفع القلب نحو الله وتمتدّ اليد إلى الأخ الإنسان، فتكون الجماعة كنيسة المسيح الحيّة.
وفي حديثه عن جمال الكنيسة وترميمها وتاريخها وما تختزنه من ذكريات لأبناء زغرتغرين، شدّد سويف على ضرورة أن يرافق بناء الكنيسة الحجر بناء الكنيسة الإنسان؛ كنيسة الغفران والفرح والعائلة والوطن والسلام، المتحرّرة من الخلافات التي تنخرها من الداخل. وأكّد أنّ هذه هي الكنيسة التي يفرح بها الرب، وتشهد بجمال حياتها ووحدتها للمسيح، عريسها، الذي بذل القديسان سركيس وباخوس حياتهما من أجله.
كما تناول معنى الوجود المسيحي في لبنان والشرق الأوسط، مؤكدًا أنّه يحمل رسالة تتجاوز مجرّد العيش، ليكون حضورًا فاعلًا وعلامة محبة وغفران ووحدة وسلام في شرق تمزّقه الصراعات.
وفي لفتة أبوية، شكر المطران سويف الطفلة أنطونيا، القادمة من أستراليا مع أهلها إلى زغرتغرين، على تلاوتها القراءة الأولى من سفر الرؤيا، ودعا الحاضرين إلى التصفيق لها. ومن خلالها، وجّه تحيّة محبة إلى جميع الأطفال اللبنانيين في لبنان وأستراليا وسائر بلدان الانتشار.
ورأى في حضور أنطونيا وعودة الأطفال مع أهلهم إلى قراهم وأرضهم ووطنهم علامة محبة ورجاء بمستقبل لبنان، داعيًا إلى النظر بثقة إلى الأجيال الجديدة التي، وإن وُلدت خارج الوطن وأحبّت البلدان التي نشأت فيها، تبقى مرتبطة بأرض الآباء والأجداد. وقال: «ما لازم نخاف على وطننا. تطلّعوا بهالأجيال الجديدة!»، مشدّدًا على أنّ لبنان الحبيب يبقى حاضرًا في قلوب أبنائه، اليوم وغدًا وإلى الأبد.
ووجّه كذلك تحيّة إلى أبناء الرعية في أستراليا وسائر بلدان الانتشار، مثمّنًا محبتهم وتضامنهم وارتباطهم الصادق بقراهم وأهلهم، ومنوّهًا بالدور الأساسي لدعمهم في مساندة المقيمين ومساعدتهم على مواجهة الظروف الصعبة.
وختم المطران سويف بالصلاة من أجل أن يعود العيد على الجميع بالفرح والخير والبركة، وخصوصًا بالوحدة وتجديد الإيمان بيسوع المسيح، الذي له وحده السجود والعبادة، وبمحبّته يُكرَّم الشهداء والقديسون.