المطران سويف من كرم المهر: الكنيسة وُلدت من الصليب وهي شاهدة للمحبّة والحقّ والحياة

احتفل رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، يوم الاثنين 14 أيلول 2026، بالقدّاس الإلهي بمناسبة عيد ارتفاع الصليب المقدّس في بلدة كرم المهر، بمشاركة النائب الأسقفي والكهنة، وحضور رئيس البلدية والمخاتير وحشد من أبناء البلدة والمؤمنين.
واستهلّ المطران سويف عظته مهنّئًا أبناء الرعية بالعيد، معربًا عن فرحه بالاحتفال بعيد الصليب من أعلى بلدات الأبرشيّة، على تلّة كرم المهر، وداعيًا إلى الصلاة من أجل الأبرشيّة والكنيسة في لبنان والعالم، كي تثبت بصليب المسيح الذي يشكّل أساس الحياة المسيحيّة ومصدر الخلاص.
وأوضح أنّ الصليب، الذي كان قديمًا رمزًا للذلّ والعار والهوان وعقوبةً للمجرمين، تحوّل بيسوع المسيح، حمل الله الوديع والمنزّه عن كل عيب، إلى علامة للخلاص ونعمة للحياة الأبديّة. فعندما ارتفع المسيح على الصليب، حمل خطيئة الإنسان وحوّل أداة الموت إلى ينبوع للحياة والقيامة.
وأشار إلى أنّه لا يمكن وجود الكنيسة من دون الصليب، لأنّها وُلدت من جنبه المطعون، حين جرى منه الدم والماء. وأكد أنّ هذه الولادة لم تكن فقط من أجل المعمّدين والمؤمنين بالمسيح، بل كانت ولادةً جديدة للبشريّة والكون بأسره، وانتقالًا من الموت الأبدي إلى الحياة مع الله التي لا نهاية لها.
وبيّن المطران سويف أنّ الماء الخارج من جنب المسيح يرمز إلى سرّ المعموديّة، فيما يرمز الدم إلى سرّ الإفخارستيّا. فالمعموديّة ليست حدثًا ينتهي لحظة قبول السرّ، بل هي مسيرة نموّ وعلاقة والتزام دائم بمشروع الله، تتجدّد في حياة المؤمن من خلال المشاركة في ذبيحة المسيح وتناول جسده ودمه، حيث يجدّد الإنسان عهد المحبّة مع الربّ ويولد من جديد بنعمة الإفخارستيّا، أي ذبيحة الصليب المتجدّدة في قلب العالم.
وتوقّف عند هوية الكنيسة التي وُلدت من الصليب، مؤكدًا أنّها، أولًا، «أمّ» تجمع جميع أبنائها وتقبلهم وتعتني بهم من دون تمييز، وتحمل إليهم الحنان والرحمة والرأفة والمحبّة، وتضمّهم إلى قلبها لتجدّد فيهم الحياة باسم الربّ وبشفاعة مريم العذراء، أمّ الحياة.
وأضاف أنّ الكنيسة هي أيضًا «معلّمة»، إذ لا تكتفي باحتضان أبنائها، بل تعمل على توجيههم وتربيتهم وتثبيتهم في الإيمان. والتعليم، بحسب المطران سويف، ليس مجرّد نقل للمعلومات، بل هو قدوة ومثال وحياة وشهادة أمام الأجيال الجديدة. وقد تحتاج الكنيسة أحيانًا إلى اتخاذ مواقف حازمة لتصويب المسار، إلّا أنّها تبقى أمًّا قبل أن تكون معلّمة، فتجمع دائمًا بين الأمومة والتعليم.
وأشاد المطران سويف بشبيبة كرم المهر، مثنيًا على حضورهم الفاعل ومشاركتهم في تنظيم القدّاس والصلوات والترانيم والخدمة، ومؤكدًا أنّ هذا الالتزام الشبابي يبعث الفرح والرجاء في قلب الكنيسة.
وتابع أنّ الكنيسة التي وُلدت من صليب المسيح أصبحت شاهدةً في العالم لثلاث قيم أساسيّة: المحبّة والحقّ والحياة. فالكنيسة التي لا تحبّ لا تستطيع أن تكون كنيسة حقيقيّة، لأنّ هويتها لا تقتصر على الأساقفة والكهنة، بل تشمل جميع المعمّدين الذين يشكّلون معًا كنيسة يسوع المسيح.
وشدّد على أنّ المسيحي لا يستطيع أن يعيش إيمانه من دون المحبّة الشاملة وغير المحدودة وغير المشروطة والمجانيّة، على مثال محبّة المسيح. واستشهد بصورة حبّة الحنطة الواردة في الإنجيل: «إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت، تبقى وحدها، وإن ماتت أتت بثمر كثير»، معتبرًا أنّ هذه الصورة تعبّر عن الكنيسة التي تبذل ذاتها وتحبّ لكي تمنح الحياة للآخرين.
أما شهادة الكنيسة للحقّ، فتظهر في مواجهتها الظلم والظلام والانحرافات الموجودة في العالم، وفي عملها على تصويب الأمور وإعادة الإنسان إلى المسار الصحيح، لكي تصل الجماعة المؤمنة إلى لقاء يسوع المسيح، الذي هو العدل والعدالة وملك السلام.
كما أنّ الكنيسة شاهدة للحياة، وكل تدبير تتخذه لا يكون هدفًا بحدّ ذاته، بل وسيلةً لتجديد الحياة في قلب الجماعة. وشبّه المطران سويف دور الكنيسة بدور الأب والأم في العائلة، اللذين يتخذان التدابير اللازمة لحماية البيت ومنعه من الوصول إلى الانقسام والموت.
ودعا المؤمنين إلى شكر الله على نعمة الصليب الذي يثبّت الإيمان، مؤكدًا أنّ المسيحيين لا يمكنهم الركوع أو السجود إلّا لصليب يسوع المسيح، وأنّهم مدعوون إلى الموت معه عن الخطيئة لكي يحيوا معه أبطالًا وشهودًا وشهداء ومعترفين باسمه، ضمن شركة الكنيسة ووحدتها، لا بحسب الأهواء والمصالح الفرديّة.
وفي ختام عظته، دعا المطران سويف إلى الصلاة من أجل البابا لاوُن الرابع عشر بمناسبة عيد ميلاده، طالبًا من الربّ أن يرافقه ويثبّته في قيادة الكنيسة، بصفته ضامنًا للمحبّة والإيمان والوحدة. كما طلب الصلاة من أجل البطريرك والأساقفة، لكي يكون الهدف الأول والأخير لكل ما يقومون به بناء المحبّة والحياة في قلب الجماعة والكنيسة، بعيدًا من المصالح الشخصيّة والمواقف البشريّة.
وختم معربًا عن فرحه بمشاركة المؤمنين هذا القدّاس، إلى جانب المونسنيور ماريو والخوري إلياس والخوري بطرس والكهنة والجماعة المصلّية، داعيًا الجميع إلى الانحناء أمام الصليب وطلب المغفرة من الربّ يسوع المصلوب، نبع الغفران، وتجديد المحبّة في القلوب.