بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك: لسنا مدعوين فقط إلى الاحتفال بالمعمودية والتثبيت والإفخارستيا، بل إلى أن نحيا كل يوم النعمة التي نلناها من خلال هذه الأسرار
افتتح غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك، مساء السبت، السنة الرعوية الجديدة للإيبارشيّة البطريركية بالقاهرة، التي تتمحور هذا العام حول موضوع “أسرار التنشئة المسيحية”، وذلك خلال القداس الإلهي الذي ترأسه في كاتدرائية القديس أنطونيوس الكبير بالفجالة، بمشاركة نيافة الأنبا باخوم، النائب البطريركي لشؤون الإيبارشيّة البطريركية، وعدد من الآباء الكهنة والرهبان والراهبات، وأبناء مختلف الكنائس، وممثلي الأنشطة والجماعات الرسولية. وتأتي السنة الرعوية الجديدة امتدادًا لمسيرة العام الماضي، الذي حمل عنوان “الروح القدس وتجديد الكنيسة”، فيما تدعو الكنيسة، من خلال موضوع هذا العام، إلى العودة إلى ينابيع الحياة المسيحية، واكتشاف غنى أسرار المعمودية والتثبيت والإفخارستيا، لا بوصفها محطات طقسية منفصلة، بل عطية إلهية ترافق المؤمن طوال مسيرته، وتجدد هويته ورسالته وانتماءه إلى المسيح.
وفي عظته خلال القداس، شدد البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق على أن الموضوع الرعوي لا ينبغي أن يتحول إلى برنامج إضافي يضاف إلى أنشطة الكنيسة، بل أن يكون فرصة للعودة إلى الأساس، والتوقف أمام السؤال الأعمق: “إلى أين يدعونا الرب؟”. وأكد أن مسيرة هذه السنة تهدف إلى أن يكتشف كل معمّد من جديد هويته كابن لله، وأن يعيش عطية الروح القدس في الشهادة والرسالة، وأن يجد في الإفخارستيا مركز حياته ومصدر تجددها. قال بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك نبدأ معًا سنة رعوية جديدة. في العام الماضي كان الروح القدس وتجديد الكنيسة، ففي كل سنة، تختار الكنيسة موضوعًا يرافقنا، ويوجّه تفكيرنا وأنشطتنا. لكن الموضوع الرعوي لا يريد أن يكون مجرد برنامج إضافي، ولا شيئًا نضيفه إلى المبادرات الكثيرة التي نعيشها بالفعل في رعايانا. إن الموضوع الرعوي يكون له معنى عندما يساعدنا على العودة إلى الأساس، وأن نتوقف قليلًا لكي نفهم أين نحن، والأهم: إلى أين يدعونا الرب.
تابع البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول في هذه السنة، نريد أن نعود إلى بداية حياتنا المسيحية. لذلك اخترنا موضوع: “أسرار التنشئة المسيحية”: المعمودية، والتثبيت، والإفخارستيا. للوهلة الأولى، قد يبدو أن هذا الموضوع يخصّ الأطفال والشباب الذين يستعدون للأسرار، أو يخصّ المعلّمين في التعليم المسيحي. لكنه في الحقيقة يخصّنا جميعًا. لأننا جميعًا تعمّدنا، وجميعنا نلنا الروح القدس، وجميعنا مدعوون إلى أن نحيا من الإفخارستيا، جسد ودم المسيح. لذلك فالسؤال ليس فقط: ماذا نعرف عن الأسرار؟ بل: ماذا أصبحت النعمة التي نلناها من خلال هذه الأسرار في حياتنا؟ وهنا بالذات تأتي كلمة الإنجيل التي سمعناها هذا المساء لتساعدنا.
أضاف بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول يذهب نيقوديموس إلى يسوع ليلًا. إنه رجل متدين، يعرف الكتب المقدسة، ومعلّم للشعب. يعترف بأن في يسوع شيئًا يأتي من الله. ومع ذلك، في لقائه مع يسوع، يكتشف أن معرفة الله لا تعني بعدُ أن نحيا بالكامل من حياة الله. يقول له يسوع: “إن كان أحد لا يولد من فوق، لا يقدر أن يرى ملكوت الله”. لا يفهم نيقوديموس. يفكر في ولادة جسدية، في شيء لا يمكن أن يحدث بحسب الإمكانات البشرية. لكن يسوع يتحدث عن ولادة أخرى: ليست عودة إلى الوراء، بل أن نسمح لله أن يلدنا من جديد بالروح. وربما تكون هذه الكلمة مهمة لنا أيضًا في بداية سنة رعوية جديدة. لأنه يمكن أن يحدث في حياتنا المسيحية أننا نستمر في القيام بأشياء كثيرة، ونشارك في الاحتفالات، وننظم الأنشطة، ونعيش التقاليد التي نحبها، ولكن دون أن نسأل أنفسنا بعدُ: من أين يأتي كل هذا؟ المسيحية ليست مجرد مجموعة من الممارسات التي تلقيناها من عائلتنا أو من جماعتنا. إنها حياة جديدة أعطاها لنا الله. قبل أن نفعل أي شيء من أجل الله، الله هو الذي فعل شيئًا من أجلنا.
تابع البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول لقد بحث عنا. ودعانا. وجعلنا نولد من جديد. في المعمودية، أدخلنا في موت المسيح وقيامته، وأعطانا هوية جديدة: نحن أبناء الله. وهذا هو ما يذكّرنا به القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية: نحن لم ننل روح العبودية، بل “روح التبنّي الذي به نصرخ: يا أبا، أيها الآب”. وربما يكون هذا هو أعظم شيء نسيناه: ليس فقط أننا مسيحيون، بل نحن أبناء الله. هذه الهوية لا تخص فقط الوقت الذي ندخل فيه إلى الكنيسة. إنها تخص حياتنا كلها. تخص طريقة عملنا، وطريقة حياتنا في الأسرة، وطريقة مواجهتنا للصعوبات، وطريقة نظرنا إلى الآخرين، وطريقة تعاملنا مع ضعفنا وإخفاقاتنا. لأننا عندما نكون معمّدين، فهذا يعني أننا نحمل انتماءنا إلى المسيح داخل حياتنا الحقيقية.
أضاف بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول أحيانًا نعرّض أنفسنا لخطر أن نعيش نوعًا من الانقسام: من ناحية حياتنا المسيحية، ومن ناحية أخرى حياتنا اليومية. يوم الأحد نعيش الإيمان، وخلال الأسبوع نعيش العمل؛ في الكنيسة نصلّي، وخارج الكنيسة ننشغل بهمومنا؛ في الأوقات الجميلة نتذكر الله، أما في الأوقات الصعبة فنتصرف وكأننا وحدنا. المعمودية لا تخص فقط اليوم الذي تعمّدنا فيه. بل هي واقع يستمر في مرافقة حياتنا كلها. لهذا يتحدث يسوع مع نيقوديموس عن ولادة جديدة: من الماء والروح. الماء يشير إلى الحياة والتطهير ووعد الله؛ والروح يشير إلى الخليقة الجديدة، وإلى عمل الله الذي يجعل ممكنًا ما لا يستطيع الإنسان أن يحققه بقوته وحدها. يسوع لا يتحدث عن مجرد طقس. إنه يتحدث عن تغيير الإنسان. الله يريد أن يجعل حياتنا جديدة. وهذا يقودنا إلى قلب الموضوع الذي سيرافق مسيرتنا خلال هذه السنة. عندما نتحدث عن أسرار التنشئة المسيحية، فإننا لا نتحدث فقط عن ثلاثة احتفالات منفصلة. بل نتحدث عن مسيرة واحدة كبيرة، ويدخلنا الله من خلالها تدريجيًا في حياة المسيح.
تابع البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول في المعمودية ننال الحياة الجديدة. وفي سر التثبيت ننال الروح القدس الذي يثبتنا ويجعلنا مسؤولين وقادرين على الشهادة للمسيح. وفي الإفخارستيا نتغذى باستمرار من حياة الرب نفسه، ونصبح أكثر فأكثر شركاء في جسده. لذلك، فإن التنشئة المسيحية أو التربية المسيحية، لا تنتهي ببساطة عندما نكون قد نلنا هذه الأسرار. بل، تبدأ حياة مسيحية واعية وحقيقية. وهنا سؤال مهم: ماذا حدث لنا بعد معموديتنا؟ مرت سنوات. عشنا فيها أوقاتًا جميلة وأوقاتًا مؤلمة. عرفنا أفراحًا وخيبات أمل، ومرضًا وموتًا، ومسؤوليات وتغييرات. لكن خلال كل هذه المسيرة، هل أصبحت العطية التي نلناها في المعمودية أكثر حياة في داخلنا؟ هل أصبحت مصدرًا للرجاء؟ هل ساعدتنا على أن نغفر؟ هل علمتنا أن نبدأ من جديد؟ هل أعطتنا اليقين بأنه حتى عندما يبدو أن كل شيء ينهار، لسنا وحدنا، لأن لنا أبًا؟
أضاف بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول هذا هو التحدي الذي نريد أن نقبله خلال هذه السنة: ليس فقط أن نتحدث عن الأسرار، بل أن نكتشف من جديد الحياة التي أعطانا الله إياها من خلال الأسرار. وهذا الاكتشاف لا يمكن أن يكون فردياََ فقط. فالإيمان لا يولد ولا ينمو في الفراغ. بل يولد عادة داخل الأسرة وداخل الجماعة. نفكر خصوصًا في الأطفال. فالطفل لا يتعلم فقط من خلال ما نشرحه له. إنه يتعلم من خلال ما يراه. يتعلم من طريقة عيش الأب والأم، ومن طريقة صلاتهما، ومن طريقة مواجهتهما للصعوبات، وطلبهما للمغفرة، ومغفرة كل واحد منهما للآخر، واهتمامهما بعضهما ببعض. لذلك، لا يمكن أن نترك التربية المسيحية فقط للخدام والكاهنة. فالأسرة لها مسؤولية لا يمكن لأحد أن يحل محلها. ونحن نعرف أيضًا أن كثيرًا من العائلات اليوم تمر بصعوبات، وجراح، وانقسامات، وضعف. ولكن لهذا السبب بالذات، الكنيسة مدعوة إلى أن تكون حقًا أمًا: كنيسة لا تكتفي بالتعليم، بل ترافق؛ ولا تكتفي بالطلب، بل تسند؛ ولا تكتفي بالحكم على الجراح، بل تساعد على شفائها وعلى البدء من جديد.
تابع البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول إنَّ نعمة المعمودية تستمر في العمل حتى داخل ضعفنا. لذلك، خلال هذه السنة، نريد أن نسمح لكل عملنا الرعوي بأن يتوقف أمام أسرار التنشئة المسيحية ويتساءل من خلالها. وليس فقط في إعداد الأطفال والشباب، بل أيضًا في مرافقة الكبار، والعائلات، والشباب، وجماعاتنا المسيحية. نريد أن نكتشف المعمودية من جديد، لا كذكرى من الماضي، بل كمصدر نستمر في الارتواء منه. ونريد أن نكتشف سر التثبيت من جديد، لا كأنه مجرد نهاية لمسيرة التعليم المسيحي، بل كعطية من الروح القدس تجعلنا قادرين على أن نعيش الإنجيل ونشهد له. ونريد أن نكتشف الإفخارستيا من جديد، لا كعادة نعيشها كل يوم أحد، بل كمكان يستمر فيه المسيح في أن يعطي ذاته لنا، وأن يغيّرنا ويجعلنا نحيا من حياته. هذا هو ما يطلبه منا إنجيل اليوم.
أضاف بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول لم يفهم نيقوديموس كل شئ، وليس لديه بعد كل الإجابات. لكنه امتلك الشجاعة لكي يبدأ المسيرة. ومسيرته لم تنتهِ في تلك الليلة. سنراه يدافع عن يسوع، وفي النهاية يقترب من جسده الذي أُنزل عن الصليب. ذلك الرجل الذي جاء في الليل، يخرج شيئًا فشيئًا من الليل. ربما يكون إيماننا نحن أيضًا هكذا. ولسنا دائمًا متسقين في حياتنا. وأحيانًا نمر بأوقات يبدو فيها إيماننا ضعيفًا أو بعيدًا. لكن الله لا يتوقف عن العمل فينا. والروح يستمر في أن يهبّ. والنعمة التي نلناها في المعمودية تستمر في أن تكون ينبوعًا لنا. لذلك، في بداية هذه السنة الرعوية الجديدة، لا نطلب من الرب فقط أن يكون لدينا المزيد من الأنشطة، من اللقاءات، والبرامج. بل نطلب منه شيئًا أعمق: أن يجعلنا نولد من جديد، لكي ندرك العطية التي نلناها. ليكتشف كل معمّد في قلبه: “أنا ابن الله”. وليفهم كل من نال سر التثبيت أن الروح القدس الذي ناله ليس عطية له وحده، بل قوة للشهادة والرسالة. وليجد كل مسيحي من جديد في الإفخارستيا مركز حياته، وليدرك أن المسيح لا يأتي فقط لكي نقبله، بل يطلب منا أن نحيا من حياته نفسها. ولتكن عائلاتنا ورعايانا أكثر فأكثر أماكن يستطيع فيها الإيمان أن يولد، وينمو، ويُكتشف من جديد، ويبدأ من جديد.
وختم البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات الأحباء، ربما لا يكون السؤال الأهم الذي نبدأ به هذه السنة الجديدة هو: “ماذا سنفعل؟” بل: “ماذا يريد الله أن يفعل فينا وبنا؟”. لذلك، فإن مسيرتنا في هذه السنة ستكون دعوة للعودة إلى الينبوع. لكي نتذكر ما فعله الله من أجلنا. ولكي نكتشف من جديد هويتنا كأبناء. ولكي نسمح للروح أن يقودنا. ولكي نحيا سر الإفخارستيا. لأننا لسنا مدعوين فقط إلى الاحتفال بأسرار التنشئة المسيحية. بل نحن مدعوون كل يوم إلى أن نصبح أكثر فأكثر ما نلناه من خلالها: أبناء في الابن، ورجالًا ونساء يقودهم الروح القدس، وشعبًا مجتمعًا حول الإفخارستيا. امنحنا يا رب، في هذه السنة الرعوية الجديدة، نعمة أن نسمع مرة أخرى الكلمة التي قلتها لنيقوديموس: “يجب أن تولد من فوق”. املأنا ايها الروح القدس، لكي تبقى هذه الولادة الجديدة، حياتنا الحقيقية والملموسة كل يوم. آمين.
الأنبا إبراهيم إسحق يفتتح السنة الرعوية الجديدة: *أسرار التنشئة المسيحية* طريق لاكتشاف هويتنا كأبناء لله






