البطريرك إبراهيم إسحق: القيامة *زلزال روحي* يجدد كياننا ويعيدنا إلى جذورنا في الله

“مصرنا الغالية تحتاج لعملنا المخلص بضمير حي.. والقيامة تدعونا لبناء مستقبل مشرق” هذا ما قاله بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك في عظته مترئسًا القداس الإلهي عشيّة عيد الفصح
بمناسبة عيد القيامة المجيدة ترأس صاحب الغبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك، ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، القداس الإلهي في كاتدرائية السيدة العذراء سيدة مصر، بمدينة نصر، وللمناسبة وجّه البطريرك إبراهيم إسحق، رسالة إلى المطارنة والأساقفة، والأبناء الروحييـن القمامصة والقسوس، والرهبان والراهبات والشمامسة والخدام، وإلى كلّ فرد من أبناء الكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة المباركة في مصر وبلاد المهجر. قال فيها لتفض قلوبكم وعائلاتكم، في هذا العيد المجيد، بنور القيامة، ولتحلّ عليكم نعمة سماويّة وفرح حقيقيّ ورجاء لا يخيب.
تابع بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول “قال لها يسوع: يا امرأة لماذا تبكين؟ ومن تطلبين؟ فظنت مريم أنه البستاني… “إخريستوس أنيستي.. أليثوس أنيستي! بهذا الهتاف الملائكي المبهج الذي شقَّ صمتَ القبور، وبدد ظلام الموت، أُحييكم جميعاً أيها الأحباء، وأعانقكم بقبلة السلام والمحبة في هذه الليلة المقدسة المفعمة بالنور والرجاء. أيها الأحباء، إن قيامة السيد المسيح ليست مجرد ذكرى تاريخية نحتفل بها كعادة سنوية، ولا هي طقس نؤديه ونمضي. القيامة هي “زلزال روحي” يرجّ كياننا، ليجدد حياتنا، فنصير خليقة جديدة. عيد القيامة يذكّرنا بأن الله الآب الرحيم لا يتخلى عن شعبه ولا عن العالم الذي خلقه بحبه. وحتى في قلب الصعوبات والظلام تبقى القيامة وعدًا إلهيًا بأن الحياة أقوى من الموت، والنور أقوى من الظلمة.
أضاف البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول في عالمنا اليوم، ومع كل ما نراه من تقدم مذهل، لا يزال الكثيرون يشعرون بفراغ عميق. هناك إنسان معاصر تائه، يشعر وكأن شجرة حياته قد اقتلعت من جذورها؛ يشعر أن شيئًا أساسيًا ينقصه. نرى هذا في عائلات تتفكك روابطها، وفي شباب يبحثون عن الأمل، وفي مجتمعات يغزوها القلق على المستقبل. هنا، يشرق سرّ القيامة. جاء المسيح ليعيد الإنسان إلى جذوره الحقيقية في الله. وكما علمنا قديس كنيستنا المصرية، أثناسيوس الرسولي: “صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا” أي مشاركًا في حياته الإلهية. ولأنّ إنسان اليوم فقد جذوره، صار يبكي مثل المجدلية على القبر … لقد ظنت مريم المجدلية أن يسوع هو البستاني، وربما لم تكن مخطئة تمامًا، لأن يسوع هو بالحقيقة بستاني الخليقة الجديدة الذي جاء يمسح دموعنا ويعيد غرس جذورنا في أرض الحياة. هكذا يؤكد بولس الرسول بقوله “من كان في المسيح فهو خليقة جديدة”.
تابع بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول في فجر القيامة، يقدّم لنا إنجيل القديس يوحنا مشهدًا يلامس قلوبنا جميعًا. مريم المجدلية تقف عند القبر تبكي. قلبها مكسور، في نظرها انتهى كل شيء، فالمعلم الذي نظر إليها يومًا بعين الرحمة قد غاب. وهناك يقترب منها يسوع القائم من الموت، لا ليدين حزنها، بل ليسألها بحنان الراعي: “يا امرأة، لماذا تبكين؟ مَن تطلبين؟”. هذا السؤال دعوة لترسيخ إيماننا وفهم ما يبكي أرواحنا في صمت. إن يسوع لا يستخف بأحزاننا، ولكنه يدعونا اليوم أن نرفع نظرنا من “قبورنا الفارغة” لكي نلتقي به. وها هو يسوع القائم اليوم، يعبر بين صفوفنا، ويدخل عبر الشاشات إلى بيوتنا، ويوجه ذات السؤال لكل واحد وواحدة منّا: وأنت أيها الإنسان… لماذا تبكي اليوم في أعماق قلبك؟ هل تبكي سرًا بسبب ضيق الحال أو تعثّر مشاريعك وأحلامك؟ هل تبكي بسبب مرض ألمّ بك، أو لغياب السلام في بيتك؟ هل تبكي بسبب خطيئة أثقلت ضميرك وعزلتك عن الله؟ هل تبكي بسبب الفراغ الذي لا تملؤه أموال ولا مناصب؟
أضاف البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يقول كانت مريم تبحث عن “جثة” بين الأموات، فالتقت بـ “القيامة والحياة” شخصيًا. ولم تكتشف حقيقة القيامة إلا عندما ناداها يسوع باسمها: “يا مريم!”. يا لعظمة هذا الإله! وسط زحام العالم وكل تياراته ومغرياته، الله لا يتعامل معك كرقم، بل يعرفك باسمك. يناديك باسمك، لا بصوتٍ عالٍ من الخارج بل في عمق قلبك بصوت داخلي هادئ وحنون. إن الله ينادي كل أب، وكل أم، وكل شاب اليوم بصوت حنون في قلبه. فمتى سمعت صوته يناديك باسمك، ستتحول دموعك إلى سلام. وكما يصرخ القديس أوغسطينوس معبرًا عن هذا الشوق: “خلقتنا يا الله لك، وستظل قلوبنا قلقة مضطربة حتى تستريح فيك”. فلنطلب من الرب القائم أن يجدد قلوبنا، ويعيدنا إلى جذور حياتنا في الله، ويمنح عائلاتنا وشبابنا وكنيستنا ووطننا نعمة الرجاء الذي لا يخيب.
تابع بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك يقول أيها الأحباء؛ إن المجتمعات متى فقدت جذورها تفقد قدرتها على بناء المستقبل. لذا، فإن القيامة تدعونا للعودة إلى الجذور، وحين تتجدد الجذور الروحية والأخلاقية، تنفتح أمام الشعوب آفاق جديدة مليئة بالحياة والرجاء. فإلى شبابنا أقول: لا تستسلموا لليأس والإحباط. أنتم قوة الكنيسة وعصب الوطن. المسيح قام ليمنحكم شجاعة التغيير والنجاح تغيير الذات أولًا والمساهمة بالعمل لأجل تغيير المجتمع. إلى عائلاتنا أقول: اجعلوا من بيوتكم كنائس صغيرة، مدارس للمحبة، فالعائلة هي الحصن الأول الذي تتكسر عليه كل أمواج الانقسام. وإلى وطننا أقول: إن مصرنا الغالية تحتاج اليوم إلى تكاتفنا جميعًا، لنبني ونعمّر بالعمل المخلص والضمير الحي، متسلحين بالرجاء. فيا أيها الخائفون تشجعوا ولا تخافوا. ويا أيها الباكون امسحوا دموعكم.
وختم البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق عظته بالقول نعم، نحن متأكدون.. ورجاؤنا لا يخيب: المسيح قام حقاً! المسيح حي! فلنقم نحن أيضًا معه، ولتقم عائلاتنا في نور قيامته المجيدة. في هذه الليلة المباركة التي تتشابك فيها أيدينا وترتفع بالدعاء قلوبنا، متحدين مع قداسة البابا لاون الرابع عشر وبطاركة الشرق وكل المؤمنين. نصلي لكي يمنح الله سلامه للعالم كله، وخاصة المناطق الموجوعة والتي تعاني الحروب والدمار. من أجل مصرنا الغالية، لكي تظلّ متماسكة تعيش قيمها الروحية ويعمل كلّ في مكانه من أجل رفعتها. ومن أجل كل القائمين على خدمتها، الرئيس عبد الفتاح السيسي وكل المشاركين له في المسئولية ليهبهم الله الحكمة والقوة لبناء مستقبل مشرق لوطننا. من أجل العائلة، لتظلّ حجر الزاوية للمجتمع البشري. من أجل الكنيسة ومؤمنيها وخدامها، لتظل الشاهدة الأمينة لقيامة المسيح. هيّا بنا ننطلق اليوم لنلتقي بالحي القائم الذي يبحث عنّا ليرسلنا. أصبحت مريم المجدلية “رسولة للرسل”، ونحن اليوم مدعوون لنحمل فرح القيامة إلى بيوتنا، إلى شوارعنا، إلى أعمالنا، وإلى كل متألم وحزين. قولوا للجميع بأفعالكم ومحبتكم وتسامحكم: “لقد رأينا الرب!”. كل عام ومصرنا وشعبها، وكنيستنا المجيدة، وعائلاتكم بألف خير وسلام. المسيح قام .. حقاً قام!