بِعُنوَان
“لِنَكُنْ صَانِعِي سَلَامٍ”
«طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ»
(متى 5/ 9)
أَحِـبـَّائـِي أَبْـنـَاءَ رَعـَايـَانَـا وَبَـنَـاتِـهَا،
مَعَ بِدَايَةِ سَنَةٍ طَقْسِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، نَقِفُ مِنْ جَدِيدٍ أَمَامَ الرَّبِّ، وَنَفْتَحُ مَعَهُ صَفْحَةً جَدِيدَةً مِنْ حَيَاتِنا. فَالسَّنَةُ الطَّقْسِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعَاقُبِ أَعْيَادٍ، وَمُنَاسَبَاتٍ، وَصَلَوَاتٍ، بَلْ هِيَ مَسِيرَةٌ يُرَافِقُنَا فِيهَا المَسِيحُ، سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، لِكَيْ يُجَدِّدَ قُلُوبَنَا، وَيُقَوِّيَ إِيمَانَنَا، وَيَقُودَنَا مِنَ الخَوْفِ إِلَى الرَّجَاءِ، وَمِنَ التَّشَتُّتِ إِلَى الشَّرِكَة. فَكُلُّ سَنَةٍ طَقْسِيَّةٍ هِيَ فُرْصَةٌ لِكَيْ نَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ، لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ لَنَا: «هَاءَنَذَا أَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ جديدًا» (رؤ 21/ 5).
وَنَحْنُ، فِي لُبْنَانَ، نَحْتَاجُ اليَوْمَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى إِلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ: «جَدِيد». نَحْتَاجُ إِلَى رَجَاءٍ جَدِيدٍ، وَإِلَى ثِقَةٍ جَدِيدَةٍ، وَإِلَى عَلَاقَاتٍ جَدِيدَةٍ، وَإِلَى نَظْرَةٍ جَدِيدَةٍ إِلَى بَعْضِنَا الْبَعْض. لَقَدْ أَنْهَكَتْنَا الأَزَمَاتُ، وَأَثْقَلَتْ كَاهِلَ عَائِلَاتِنَا، وَجَرَحَتْ ذَاكِرَتَنَا، وَأَقْلَقَتْ مُسْتَقْبَلَ أَبْنَائِنَا، وَبَنَاتِنَا، وَشَبَابِنَا، وشَابَّاتِنَا. لَكِنَّنَا لَا نُرِيدُ أَنْ نَدْخُلَ سَنَةً جَدِيدَةً وَنَحْنُ نَحْمِلُ فَقَطْ أَثْقَالَ المَاضِي، بَلْ نُرِيدُ أَنْ نَدْخُلَهَا مَعَ المَسِيحِ، حَامِلِينَ رَجَاءً جَدِيدًا. وَمِنْ هُنَا، اخْتَرْتُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَتُنَا فِي بِدَايَةِ هَذِهِ السَّنَةِ: لِنَكُنْ صَانِعِي سَلَام.
1. السَّلَامُ الَّذِي يَمْنَحُهُ المَسِيح
قَالَ الرَّبُّ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: «السَّلَامَ أَسْتَوْدِعُكُمْ، سَلَامِي أُعطِيكُم. لَا كَمَا يُعْطِيهِ العَالَمُ أُعْطِيكُمْ أنا» (يو 14/ 27). إِنَّ السَّلَامَ الَّذِي يَمْنَحُهُ المَسِيحُ يَخْتَلِفُ جَذْرِيًّا عَنِ السَّلَامِ الَّذِي يَصْنَعُهُ العَالَم. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابِ الحَرْبِ، وَلَا تَوَقُّفِ العُنْفِ، وَلَا نَتِيجَةِ اتِّفَاقٍ، أَوْ هُدْنَةٍ، أَوْ تَوَازُنٍ فِي القِوَى. إِنَّهُ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: إِنَّهُ سَلَامٌ يَبْدَأُ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ، حِينَ يَكْتَشِفُ حُضُورَ اللهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَضَعُ ثِقَتَهُ فِيهِ، حَتَّى وَسْطَ اضْطِرَابِ الحَيَاةِ ومَخَاوِفِها. وَهُوَ أَيْضًا سَلَامُ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَصَالَحُ مَعَ ذَاتِهِ، وَمَعَ اللهِ، وَمَعَ الآخَرينَ. بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَلَامُ المَسِيحِ هُوَ المَسِيحُ نَفْسُه. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَطِيَّةٍ يَمْنَحُهَا الرَّبُّ لَنَا، بَلْ هُوَ حُضُورُهُ فِي حَيَاتِنَا، وَعَلَاقَتُنَا بِه. لِذَلِكَ، قَالَ قَدَاسَةُ البَابَا لَاوُنُ الرَّابِعَ عَشَرَ خِلَالَ زِيَارَتِهِ إِلَى وَطَنِنَا فِي مَزَارِ سَيِّدَةِ لُبْنَانَ فِي حَرِيصَا: «إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْنِيَ السَّلَامَ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالسَّمَاءِ، لِأَنَّ السَّلَامَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنَ الله».
وَمِنْ هُنَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى السَّلَامُ مُجَرَّدَ أُمْنِيَةٍ أَوْ حُلُمٍ بَعِيدٍ نَنْتَظِرُ أَنْ يَصْنَعَهُ الآخَرُون. إِنَّهُ دَعْوَةٌ، وَمَسِيرَةٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَعَمَلٌ يَوْمِيٌّ، وَهْوَ يَحْتَاجُ إِلَى أُنَاسٍ يَخْتَارُونَهُ، وَيَحْمِلُونَهُ، وَيَشْهَدُونَ لَهُ، وَيَبْنُونَ جُسُورَهُ حَيْثُ الخُصُومَةُ، وَالانْقِسَامُ، وَالْخَوف. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الرَّبِّ يَسُوعَ فِي التَّطْوِيبَاتِ: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يدعون» (متى 5/ 9). لَمْ يَقُلِ الرَّبُّ: طُوبَى لِلَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ السَّلَامِ، وَلَا لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ، بَلْ قَالَ: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَام». فَالسَّلَامُ، فِي مَنْطِقِ الإِنْجِيلِ، هُوَ مُبَادَرَةٌ، وَشَجَاعَةٌ، ورِسَالَة. صَانِعُ السَّلَامِ هُوَ مَنْ يَبْدَأُ بِالمُصَالَحَةِ، وَيَخْتَارُ الحِوَارَ بَدَلَ القَطِيعَةِ، وَالغُفْرَانَ بَدَلَ الانْتِقَامِ، وَاللِّقَاءَ بَدَلَ العُزْلَةِ، وَبِنَاءَ الجُسُورِ بَدَلَ إِقَامَةِ الحَوَاجِز. وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَيْنَا اليَوْمَ لَيْسَ: هَلْ نُحِبُّ السَّلَام؟ أَوْ هَلْ نُصَلِّي مِنْ أَجْلِ السَّلَام؟ بَلْ سُؤَالُ الإِنْجِيلِ الأَكْثَرُ إِلْحَاحًا هُوَ: هَلْ نَحْنُ، فِي حَيَاتِنَا، وَعَائِلَاتِنَا، وَكَنِيسَتِنَا، وَمُجْتَمَعِنَا، صَانِعُو السَّلَام؟
2. السَّلَامُ يَبْدَأُ مِنَ القَلْب
لَا سَلَامَ فِي مُجْتَمَعِنَا مَا دَامَتْ قُلُوبُنَا تَعُجُّ بِالغَضَبِ، وَالرَّفْضِ، والضَّغِينَة. يَقُولُ يَسُوعُ: «مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشّريرة» (مر 7/ 21). فَطَرِيقُ السَّلَامِ، إِذًا، تَبْدَأُ مِنَ الأَعْمَاقِ، مِنَ القَلْبِ لَا مِنَ الخَارِج. كَمْ مَرَّةٍ نَرْفَعُ صَوْتَنَا مُطَالِبِينَ بِالسَّلَامِ لِلُبْنَانَ، بَيْنَمَا لَا نَجْرُؤُ عَلَى مُصَالَحَةِ أَخِينَا الَّذِي يَعِيشُ بِقُرْبِنَا، وَلَا نُصَلِّي لِأَجْلِ الوَحْدَةِ، بَلْ نُبْقِي فِي دَاخِلِ عَائِلَتِنَا نَارًا خَامِدَةً مِنَ الخِصَام. وَكَمْ مَرَّةٍ نَسْتَنْكِرُ الانْقِسَامَ بِأَقْوَالِنَا، وَلِسَانِنَا، فَقَطْ، بَيْنَمَا نُقْصِي، وَنَبْتَعِدُ عَنْ كُلِّ مَنْ يُخَالِفُنَا الرَّأي.
كَمْ مَرَّةٍ نُطَالِبُ القَادَةَ ،وَالمُجْتَمَعَ، بِالسَّلَامِ، فِي حِينِ نَتْرُكُ لِكَلِمَاتِنَا، وَأَحْكَامِنَا، أَنْ تَزْرَعَ العَدَاوَةَ حَوْلَنَا دُونَ أَنْ نَدِرِي.
السَّلَامُ يُولَدُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَسْمَحُ فِيهَا لِلْمَسِيحِ أَنْ يُعِيدَ تَشْكِيلَ قَلْبِي: حِينَ أَتَعَلَّمُ أَنْ أُصْغِيَ قَبْلَ أَنْ أُصْدِرَ حُكْمِي، وَأَنْ أَتَفَهَّمَ قَبْلَ أَنْ أُدِينَ، وَأَنْ أُسَامِحَ قَبْلَ أَنْ أَنْتَقِمَ، وَأَنْ أَعْتَرِفَ بِخَطَئِي وَأَعْتَذِرَ، وَأَنْ أَمُدَّ يَدِي أَوَّلًا، حِينَ يَكُونُ الآخَرُ بِانْتِظَارِ خُطْوَةٍ مِنِّي.
3. المُصالَحَةُ لَيْسَتْ ضَعْفًا، بَلْ قُوَّةُ الإِنْجِيل
نَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ يَحْمِلُ جِرَاحًا كَثِيرَةً، جِرَاحًا شَخْصِيَّةً تَسْكُنُ أَعْمَاقَنَا، وَجِرَاحًا عَائِلِيَّةً تَتَوَارَثُهَا البُيُوتُ، وَجِرَاحًا اجْتِمَاعِيَّةً، وَوَطَنِيَّةً، تُثْقِلُ مَسِيرَتَنَا المُشتَرَكَة. وَمَا أَسْرَعَ مَا تَتَحَوَّلُ هَذِهِ الجِرَاحُ، إِنْ تُرِكَتْ بِلَا عِنَايَةٍ، إِلَى خُصُومَاتٍ، وَالخُصُومَاتُ إِلَى قَطِيعَةٍ، وَالقَطِيعَةُ إِلَى كَرَاهِيَةٍ تُورَثُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، وَكَأَنَّ الأَلَمَ صَارَ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِنا! لَكِنَّ الإِنْجِيلَ يَفْتَحُ أَمَامَنَا طَرِيقًا آخَرَ، طَرِيقًا لَا يُمْلِيهِ مَنْطِقُ الجِرَاحِ، بَلْ مَنْطِقُ النِّعْمَة. يَقُولُ القِدِّيسُ بُولُسُ: «سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ، إِنْ أَمْكَنَ، عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكُمْ» (روم 12/ 18)، وَيُؤَكِّدُ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ فَهُوَ خَلْقٌ جديد» (2قور 5/ 17). فَالمُصَالَحَةُ الَّتِي يَدْعُونَا إِلَيْهَا الإِنْجِيلُ لَيْسَتْ إِنْكَارًا لِلْجِرَاحِ، وَلَا تَجَاهُلًا لِلْحَقِيقَةِ، وَلَا قَوْلًا بِأَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ مُهِمًّا. المُصَالَحَةُ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: هِيَ أَنْ نَرْفُضَ السَّمَاحَ لِلْمَاضِي بِأَنْ يَتَحَكَّمَ بِمُسْتَقْبَلِنَا، وَأَنْ نُفْسِحَ المَجَالَ أَمَامَ المَسِيحِ لِيُنَقِّيَ ذَاكِرَتَنَا، وَيَشْفِيَ فِينَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا نَحْنُ عَلَى شِفَائِهِ وَحْدَنَا.
فَلْنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الطَّقْسِيَّةِ زَمَنَ نِعْمَةٍ، وَمُصَالَحَةٍ: مُصَالَحَةٍ فِي عَائِلَاتِنَا، بَيْنَ الأَزْوَاجِ، وبَيْنَ الإِخْوَةِ، وبَيْنَ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّةِ الوَاحِدَةِ، وَبَيْنَ كُلِّ مَنِ ابْتَعَدَ أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ، بِسَبَبِ خِلَافٍ قَدِيمٍ، أَوْ سُوءِ فَهْمٍ، لَمْ يُشْفَ بَعْد. وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ بِهِ هَذِهِ السَّنَةُ هُوَ أَنْ يَجْرُؤَ أَحَدُنَا عَلَى أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ: «سَامِحْنِي»، أَوْ «أَنَا أُسَامِحُكَ»، أَوْ بِبَسَاطَةٍ، وَنِعْمَةٍ: «لِنَبْدَأْ مِنْ جَدِيد».
4. مِنَ الجِرَاحِ إِلَى الرَّجَاء
أَحِبَّائِي، وَطَنُنَا مُتْعَبٌ، وَكَثِيرُونَ يَحْمِلُونَ فِي قُلُوبِهِمْ خَوْفًا عَلَى المُسْتَقْبَلِ، أَوْ قَلَقًا عَلَى أَوْلَادِهِمْ، أَوْ وَجَعًا بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، أَوْ ضِيقًا بِسَبَبِ الأَوْضَاعِ الاقْتِصَادِيَّةِ، والاجْتِمَاعِيَّة. لَكِنَّ إِيمَانَنَا لَا يَسْمَحُ لَنَا بِأَنْ يُصْبِحَ التَّعَبُ قَدَرًا نِهَائِيًّا. يَقُولُ الرَّبُّ فِي سِفْرِ آشَعْيَا: «لَا تَتَذَكَّرُوا الأَوَائِلَ، وَلَا تَتَأَمَّلُوا الْقَدَائِم. هَاءَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا وَلَقَدْ نَبَتَ الآنَ، أَفَلَا تَعْرِفُونَه؟ أَجْعَلُ فِي البَرِّيَّةِ طَرِيقًا، وَفِي القَفْرِ أنهارًا» (43/ 18-19). هَذِهِ الكَلِمَةُ لَا تَدْعُونَا إِلَى نِسْيَانِ المَاضِي، بَلْ إِلَى أَلَّا نَسْمَحَ لِلْمَاضِي بِأَنْ يَقْتُلَ المُسْتَقْبَلَ فِينَا. نَحْنُ أَبْنَاءُ القِيَامَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْتَسْلِمَ لِلْيَأْس.
نَحْنُ، جَمِيعًا، مَدْعُوُّونَ اليَوْمَ إِلَى أَنْ نَكُونَ عَلَامَةَ رَجَاءٍ بِوُقُوفِنَا إِلَى جَانِبِ عَائِلَاتِنَا المُتْعَبَةِ، وَشَبَابِنَا القَلِقِ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ، وَكِبَارِنَا الَّذِينَ يَشْعُرُونَ بِالوَحْدَةِ، وَمَرْضَانَا، وَفُقَرَائِنَا، وَكُلِّ إِنْسَانٍ فَقَدَ القُدْرَةَ عَلَى الرَّجَاء. فَحَيْثُ يُوجَدُ المَسِيحِيُّ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ نُورِ المَسِيح. لَيْسَتْ رَعَايَانَا أَمَاكِنَ نَحْتَفِلُ فِيهَا بِالقُدَّاسِ، وَنَمْنَحُ الأَسْرَارَ فَقَطْ، إِنَّمَا هِيَ بَيْتٌ يَجْمَعُ أَبْنَاءَ الله. لِذَلِكَ، نُرِيدُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ رَعِيَّةٍ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مَدْرَسَةً لِلْمُصَالَحَةِ، وَبَيْتًا لِلرَّحْمَةِ، وَمَسَاحَةً لِلِّقَاءِ فَنُحَقِّقَ بِالفِعْلِ مَا يَقُولُهُ القِدِّيسُ بُولُسُ عَنِ المَسِيحِ: «إِنَّهُ هُوَ سَلَامُنَا، هُوَ جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَفِي جَسَدِهِ نَقَضَ الجِدَارَ الفَاصِلَ بَيْنَهُمَا، أَيِ العداوة» (أف 2/ 14).
طُوبَى لِلرَّعِيَّةِ الَّتِي تُصْبِحُ مَكَانًا يَلْتَقِي فِيهِ المُخْتَلِفُونَ، وَيَشْعُرُ فِيهِ الفَقِيرُ وَالغَنِيُّ، الكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، بِأَنَّ لَهُمْ جَمِيعًا مَكَانًا فِي قَلْبِ الكَنِيسَةِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الجِرَاحُ إِلَى عَلَامَاتِ رَجَاء.
5. السَّلَامُ فِي لُبْنَانَ يَبْدَأُ مِنَّا، وَالتَّرْبِيَةُ عَلَيْهِ تَبْنِي المُسْتَقْبَل
كُلُّنَا نَتُوقُ إِلَى السَّلَامِ، لَكِنَّ السَّلَامَ عَلَى الصَّعِيدِ الوَطَنِيِّ لَا يُبْنَى فَقَطْ فِي القُصُورِ، وَالمُؤَسَّسَاتِ، بَلْ يَبْدَأُ في كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، فِي بُيُوتِنَا، وَقُرَانَا، وَرَعَايَانَا، وَمَدَارِسِنَا، وَأَمَاكِنِ العَمَل. فَالسَّلَامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُبَادَرَاتٍ نَقُومُ بِهَا اليَوْمَ، بَلْ هُوَ أَيْضًا ثَقَافَةٌ نَتَعَلَّمُهَا، وَلُغَةٌ نَتَدَرَّبُ عَلَيْهَا، وَطَرِيقَةٌ فِي النَّظَرِ إِلَى الآخَرِ، وَفِي مُعَالَجَةِ الاخْتِلَاف. لِذَلِكَ، فَإِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا لَا تَقْتَصِرُ عَلَى أَنْ نَكُونَ صَانِعِي سَلَامٍ فِي حَاضِرِنَا، بَلْ أَنْ نُرَبِّيَ أَيْضًا أَبْنَاءَنَا، وَبَنَاتِنَا، عَلَى السَّلَامِ، لِكَيْ يُصْبِحَ مَا نَزْرَعُهُ اليَوْمَ ثَقَافَةً فِي حَيَاتِهِمْ غَدًا. فَلْنُعَلِّمْ أَوْلَادَنَا أَنَّ الاخْتِلَافَ لَيْسَ عَدَاوَةً بَلْ غِنًى، وَأَنَّ الحِوَارَ لَيْسَ ضَعْفًا بَلْ شَجَاعَةٌ، وَأَنَّ الانْتِمَاءَ إِلَى جَمَاعَتِنَا لَا يَعْنِي احْتِقَارَ الآخَرِينَ، أَوْ إِقْصَاءَهُمْ، بَلْ قَبُولَهُمْ، وتَفَهُّمَهُم. وَلْنَرْفُضْ لُغَةَ التَّخْوِينِ، وَالإِلْغَاءِ، وَالتَّحْرِيضِ، خُصُوصًا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، فَالكَلِمَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ جِسْرًا يَجْمَعُ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سِلَاحًا يَجْرَحُ، ويَقْتُل. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الإِنْجِيلُ: «فَلْيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ سَرِيعًا إِلَى السَّمَاعِ، بَطِيئًا إِلَى الكَلَامِ، بَطِيئًا إِلَى الغضب» (يع 1/ 19). مَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى هَذِهِ الوَصِيَّة!
هَذِهِ التَّرْبِيَةُ السَّامِيَةُ عَلَى السَّلَامِ تَبْدَأُ فِي البَيْتِ، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ فِي أَيِّ كِتَابٍ أَوْ مَدْرَسَة. فَالطِّفْلُ يَتَعَلَّمُ السَّلَامَ عِنْدَمَا يَرَى وَالِدَيْهِ يَتَحَاوَرَانِ بَدَلَ أَنْ يَتَخَاصَمَا، وَيَعْتَذِرَانِ عِنْدَمَا يُخْطِئَانِ، وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ دُونِ أَنْ يَجْرَحَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَيَغْفِرَانِ بَدَلَ أَنْ يُحَوِّلَا الخِلَافَ إِلَى قَطِيعَة. وَنَتَعَلَّمُ السَّلَامَ، أَيْضًا، فِي الرَّعِيَّةِ، عِنْدَمَا نَجِدُ جَمَاعَةً كَنَسِيَّةً تَعْرِفُ كَيْفَ تَجْمَعُ المُخْتَلِفِينَ، وَتُصْغِي إِلَى الجَمِيعِ، وَتُعَالِجُ الخِلَافَ بِالحِوَارِ، وَلَا تَسْمَحُ بِأَنْ تَتَحَوَّلَ الاخْتِلَافَاتُ إِلَى انْقِسَامَاتٍ، وعَدَاوَات. وَنَتَعَلَّمُهُ أَيْضًا فِي مَدَارِسِنَا، وَمُؤَسَّسَاتِنَا التَّرْبَوِيَّة. فَلَا يَكْفِي أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا العُلُومَ، وَاللُّغَاتِ، وَالمَعَارِفَ، مَهْمَا كَانَتْ أَهَمِّيَّتُهَا، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَيْضًا فَنَّ العَيْشِ مَعًا، فَيَحْتَرِمُوا مَنْ يَخْتَلِفُ عَنْهُمْ، وَيُصْغُوا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمُوا، وَيَرْفُضُوا التَّنَمُّرَ، وَالإِقْصَاءَ، وَالعُنْفَ، وَيَعْرِفُوا كَيْفَ يَخْتَلِفُونَ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَحَوَّلَ اخْتِلَافُهُمْ إِلَى عَدَاوَة. وَلَعَلَّ المَدْرَسَةَ المَسِيحِيَّةَ تَكُونُ أَكْثَرَ أَمَانَةً لِرِسَالَتِهَا عِنْدَمَا لَا تَكْتَفِي بِالكَلَامِ عَنِ السَّلَامِ، بَلْ تُصْبِحُ هِيَ نَفْسُهَا مُخْتَبَرًا لِلسَّلَامِ، يَتَعَلَّمُ فِيهَا أَبْنَاؤُنَا المُصَالَحَةَ، وَالحِوَارَ، وَالتَّعَاوُنَ، وَخِدْمَةَ الآخَرِ، وَاحْتِرَامَ كَرَامَةِ كُلِّ إنْسَان.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَغْفَلَ عَنِ العَالَمِ الرَّقْمِيِّ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ أَبْنَاؤُنَا، وشَبَابُنا. فَلْنُعَلِّمْهُمْ أَنَّ مَا يَكْتُبُونَهُ عَلَى شَاشَاتِهِمْ هُوَ أَيْضًا مَسْؤُولِيَّةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، وَمَسِيحِيَّةٌ، لِأَنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي تُكْتَبُ خَلْفَ شَاشَةٍ قَدْ تَجْرَحُ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ تُقَالُ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَقَدْ تَنْشُرُ الكَرَاهِيَةَ بَيْنَ مِئَاتِ الأَشْخَاصِ فِي لَحَظَات. لِذَلِكَ، يَحْتَاجُ أَبْنَاؤُنَا إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمُوا أَخْلَاقِيَّةَ التَّوَاصُلِ: مَتَى يَتَكَلَّمُونَ، وَكَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، وَمَتَى يَصْمُتُونَ، وَكَيْفَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالإِشَاعَةِ، وَبَيْنَ التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّأْيِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الآخَر.
إِنَّ التَّرْبِيَةَ عَلَى السَّلَامِ لَيْسَتْ مَادَّةً إِضَافِيَّةً نُدْخِلُهَا إِلَى بَرَامِجِنَا، بَلْ هِيَ ثَقَافَةٌ نُرِيدُ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى كُلِّ مَا نَفْعَلُهُ، وَأَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي كَيَانِنَا. فَإِذَا تَعَلَّمَ الطِّفْلُ أَنْ يُصَالِحَ، وَالشَّابُّ أَنْ يُحَاوِرَ، وَالعَائِلَةُ أَنْ تَغْفِرَ، وَالرَّعِيَّةُ أَنْ تَجْمَعَ، وَالمَدْرَسَةُ أَنْ تَحْتَضِنَ الاخْتِلَافَ، نَكُونُ قَدْ بَدَأْنَا بِالفِعْلِ بِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَكْثَرَ سَلَامًا. فَالسَّلَامُ الَّذِي نُرِيدُ أَنْ نَرَاهُ غَدًا فِي لُبْنَانَ، عَلَيْنَا أَنْ نَعِيشَهُ اليَوْمَ، وَأَنْ نَزْرَعَ بُذُورَهُ فِي قُلُوبِ أَطْفَالِنَا، وشَبَابِنَا.
أَحِـبــَّـائــِي،
لَا أُرِيدُ أَنْ تَبْقَى هَذِهِ الرِّسَالَةُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ جَمِيلَةٍ، فِي بِدَايَةِ السَّنَةِ الطَّقْسِيَّةِ، بَلْ أَدْعُوكُمْ أَنْ نُحَوِّلَهَا إِلَى قَرَارٍ رَعَوِيٍّ، وحَيَاتِيٍّ. لِذَلِكَ، أَدْعُو كُلَّ رَعِيَّةٍ، وَكُلَّ عَائِلَةٍ، وَكُلَّ مُؤْمِنٍ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ، في خِلَالَ هَذِهِ السَّنَةِ، خُطْوَةَ سَلَامٍ وَاحِدَةً عَلَى الأَقَلِّ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَصَالَحَ مَعَ ذَاتِهِ، وَمَعَ اللهِ:
صَالِحُوا شَخْصًا ابْتَعَدْتُمْ عَنْهُ.
اُطْلُبُوا الصَّفْحَ مِمَّنْ أَخْطَأْتُمْ إِلَيْهِ.
سَامِحُوا شَخْصًا مَا زَالَ يَعِيشُ فِي ذَاكِرَتِكُمْ كَعَدُوّ.
زُورُوا شَخْصًا وحيدًا.
اقْتَرِبُوا مِنْ عَائِلَةٍ مُتْعَبَة.
سَاعِدُوا فَقِيرًا مِنْ دُونِ أَنْ تَنْتَظِرُوا الشُّكْرَ مِنْ أَحَد.
أَوْقِفُوا كَلِمَةً جَارِحَة.
لَا تَنْشُرُوا خَبَرًا يَزْرَعُ الكَرَاهِيَّة.
اِفْتَحُوا حِوَارًا بَدَلَ قَطِيعَة.
وَصَلُّوا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ فِي لُبْنَانَ، وَمِنْ أَجْلِ السَّلَامِ فِي العَالَم.
وَلْتَكُنْ فِي كُلِّ رَعِيَّةٍ مُبَادَرَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الأَقَلِّ خِلَالَ هَذِهِ السَّنَةِ تَحْمِلُ اسْمَ المُصَالَحَةِ، أَوِ السَّلَام. وَلْنَضَعْ سَنَتَنَا الطَّقْسِيَّةَ الجَدِيدَةَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ كُلَّ مَغْفِرَةٍ هِيَ انْتِصَارٌ، وَكُلَّ مُصَالَحَةٍ هِيَ قِيَامَةٌ صَغِيرَةٌ، وَكُلَّ كَلِمَةِ سَلَامٍ هِيَ بِذْرَةٌ فِي أَرْضِ لُبْنَان. وَلْنَطْلُبْ بِشَفَاعَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، أُمِّ السَّلَامِ، أَنْ تَحْرُسَ عَائِلَاتِنَا، وَرَعَايَانَا، وَكَنِيسَتَنَا، وَوَطَنَنَا، وَأَنْ تُعَلِّمَنَا أَنْ نَكُونَ، فِي هَذَا الزَّمَنِ الصَّعْبِ، حُضُورًا لِلْمَسِيحِ، وَصَانِعِي سَلَامٍ، وَحَامِلِي رَجَاء.
مَعَ مَحَبَّتِي وصلاتِي.
رسالة راعي أبرشيّة أنطلياس المارونيّة ســـيـادة المـطـران أنـطـوان بو نـجـم إِلى الكَهَنة وَالْمُؤمِنَات وَالْمُؤمِنِين بِمُنَاسَبَة بِدَاية السّنة الطّقسِيَّة 2026-2027






