في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأحد ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦، احتفل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بالقداس الإلهي بمناسبة أحد تقديس البيعة، وهو بدء السنة الطقسية الكنسية السريانية، وذلك على مذبح كنيسة مار يوسف، المنصور – بغداد، العراق.
عاون غبطتَه صاحبُ السيادة مار أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد وأمين سرّ السينودس المقدس، والخوراسقف حبيب مراد النائب القضائي ومدير العلاقات العامّة والإعلام في البطريركية، بحضور ومشاركة الخوراسقف بيوس قاشا، كاهن رعية مار يوسف، والمونسنيور نبيل ياكو القيّم الأبرشي لأبرشية بغداد، والأب كريم كلش أمين سرّ البطريركية. وخدم القداس شمامسة الرعية وأعضاء الجوق، بمشاركة جموع غفيرة من المؤمنين من أبناء الرعية وبناتها، والذين حضروا بلهفة بنوية لنيل بركة غبطته في هذا القداس الإلهي.
وفي موعظته بعد الإنجيل المقدس، استهلّ غبطة البطريرك كلامه بتقديم “شكرنا العميق لسيادة أخينا مار أفرام يوسف عبّا على تنظيمه هذه الزيارة التاريخية التي جئنا نشارككم فيها، أوّلًا بالترحُّم وطلب شفاعة شهدائنا الذين انتقلوا إلى دنيا الخلود قبل 16 سنة. شكراً سيدنا”، شاكراً أيضاً الآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة وفعاليات الرعية ومؤمنيها.
وأشار غبطته إلى أنّ “اليوم هو أول تشرين الثاني، عيد جميع القديسين، والمتزامن هذا العام مع أحد تقديس البيعة. تقديس البيعة، عيد تبدأ معه سنتنا الطقسية السريانية، ويذكِّرنا بأنّ الكنيسة التي أسّسها الرب يسوع هي مقدسة. كبناء يكرَّس لله تعالى، كما سمعنا من سفر الخروج، ماذا طلب الله تعالى من موسى لكي يحضِّر ويعدّ خيمة العهد. وكذلك من الرسالة إلى العبرانيين، حيث يذكِّرنا كاتب الرسالة أنّ الرب يسوع هو الحبر الذي يخدم الكنيسة، الذي لم يقدّم فقط الذبيحة لله تعالى أبيه السماوي، ولكنّه هو الذبيحة. فيسوع المسيح هو مقدِّم الذبيحة والذبيحة في آنٍ معاً، لأنّه افتدانا على الصليب”.
ولفت غبطته إلى أنّنا “في الإنجيل المقدس، سمعنا اعتراف شمعون بطرس، بار يونا، بأنّ هذا المعلّم الذي دعاهم لاتّباعه هو المسيح ابن الله الحيّ. إذن، استمعنا في هذه الرتبة، رتبة القداس الإلهي، أنّ كنيسة المسيح هي مقدسة. والكنيسة، خاصّةً في كنائسنا الشرقية، تصف الكنيسة جماعة المؤمنين بأنّها عروس المسيح. الختن هو المسيح، والكنيسة الجماعة التي تتبع وتؤمن بالمسيح هي عروس المسيح”.
ونوّه غبطته بأنّ “الكنيسة هي مقدسة، وهنا كنيسة مار يوسف مقدسة، وأسّسها، كما تعلمون، رعاة صالحون تعوّدوا أن يكونوا موجودين هنا في منطقة الكرخ في بغداد، بتأسيسهم كنيسة مار يوسف. والخوراسقف بيوس يتابع هذا التكريس لكي يجعل من هذه الكنيسة بيت صلاة، بيت قداسة، ويجعل منكم قديسين بنعمة الرب يسوع. باركك الرب أبونا بيوس، وأدامك بالصحّة والعافية لخدمة أولادنا في هذه الرعية المباركة”.
وأكّد غبطته على أنّ “الكنيسة مقدسة بالرب يسوع الذي أسّسها، وبالمؤمنين الذين يجدِّدون كلّ يوم إيمانهم بالرب يسوع. نحتاج إلى هؤلاء المؤمنين، ليس فقط بالكلام، ولكن بحياة مقدسة، حياة صالحة، حياة تشهد أنّ الرب يسوع هو فادينا، وتشهد لإنجيل الرب يسوع الذي هو إنجيل المحبّة، إنجيل السلام، إنجيل التسامح، حتّى نكون حقيقةً شهوداً له. وشهداؤنا، فعل ܣܗܶܕ شَهِدَ بلغتنا السريانية، كما بالعربية، لا يعني فقط أن نعلن إيماننا بالرب يسوع ونشهد له، بل نشهد له حتّى بسفك الدم بالإستشهاد”.
واعتبر غبطته أنّنا “كلّما نزور كنائسنا هنا في العراق ولبنان وسوريا، يملأ قلبنا نوع من الحزن والغصّة، لأنّ شعبنا الذي كان متجذّراً في أرض الآباء والأجداد، للأسف ينقص عدده. ينقصنا عنصر الشباب، وأنتم تعلمون ما هي الظروف التي تحيط بنا في هذه الأيّام. ليست فقط كنيستنا، بل كلّ المسيحيين يشكون من هذا النقص. لذلك عندما نرى شبّاناً وشابّاتٍ في الكنائس، قلبنا يمتلئ فرحاً وعزاء. مهما كانت الظروف التي تمرّ في حياتنا، صعوبات، معاناة، نتذكّر آباءنا وأجدادنا الذين حافظوا على الإيمان، وتحمّلوا الكثير حتّى يبقوا شاهدين لكنيسة المسيح المقدسة، هنا، أكان في العراق، في لبنان، في سوريا، وفي باقي البلدان في الشرق الأوسط”.
وذكّر غبطته المؤمنين “أنّ أجدادكم كانوا من الرسل، في القرون الأولى للمسيحية، ذهبوا إلى الهند والصين، وبشّروا هناك، ولا يزال السريان، إن كانوا يسمُّون الشرقيين أو الغربيين، موجودين في الهند، بكنائس مزدهرة. يا ليتنا كنّا مثلهم. كنّا قبل شهرين في زيارة إلى الهند، وبخاصّة ولاية كيرالا، جنوب غرب الهند، حيث ذهب السريان وبشّروا بالملايين، فهناك مسيحيون يصلّون بطقوسنا السريانية، إن كان ما نسمّيه السرياني الغربي مثل كنيستنا، وإن كان السرياني الشرقي مثل الكنيسة الكلدانية الشقيقة. فهؤلاء بشّروا الهند قبل أن يذهب اللاتين ورهبان اللاتين ويبشّروهم في القرن السادس عشر، نحن السريان موجودون في الهند من القرون الأولى. يا ليتكم تقومون بزيارات إلى كنائسنا في الهند، وتلتقون مع إخوتنا وأخواتنا الذين هم حقيقةً كنيسة سريانية مزدهرة، ولديهم مئات، لا بل آلاف الكهنة والرهبان والراهبات”.
وحثّ غبطته المؤمنين على “أن نبقى أمناء لدعوتنا، دعوة الرب لهم. ونتمنّى أن يكون أبناؤنا وبناتنا، ولا سيّما الشبيبة، أسخياء بعطائهم ذواتهم للرب يسوع حتّى يخدموا الكنيسة، ويكونوا حقيقةً رسلاً ومبشّرين. نعم، إنّ كنيستنا في بلاد الإغتراب تحتاج إلينا، إن كان في أوروبا، في أميركا، في كندا، في أستراليا، تحتاج إلينا، لكنّها تحتاج إلى رسل يذهبون حقيقةً لينقلوا الإيمان، ويبقوا صلة وصل بينا نحن هنا في الشرق وبين الغرب”.
وختم غبطته موعظته ضارعاً “إلى الرب يسوع، بشفاعة مار يوسف، شفيع هذه الكنيسة، حامي الكنيسة، وهو حامي العائلة المقدسة، أن يباركنا جميعاً، ويجعلنا دائماً شهوداً أمناء له ولكنيسته المقدسة”.
وكان الخوراسقف بيوس قاشا، كاهن الرعية، قد ألقى كلمة رحّب فيها بغبطة أبينا البطريرك، فقال: “إنّني، باسم أبناء رعية مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور – بغداد، وباسمي شخصياً، نرحّب بغبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، وبراعي الأبرشية مار أفرام ويوسف عبّا، وبالوفد المرافق لغبطته: الخوراسقف حبيب مراد والأب كريم كلش، وبالمونسنيور نبيل ياكو. أرحّب بكم جميعاً، وأتمنّى لكم إقامة جميلة ومريحة في رحاب مطرانية السريان الكاثوليك في الكرادة – بغداد”.
وتابع: “بعد أن أقمنا الذبيحة الإلهية البارحة، راحةً عن نفوس شهداء كاتدرائية سيّدة النجاة، ها هو كوكب غبطته يسهر بنوره علينا، ويضيء في هذه الرعية قدّاسه من أجل موتاكم، من أجلنا جميعاً، إذ افتقدنا ليسأل عنّا. ندعو له، باسمكم جميعاً، بالصحّة والخير والبركة، فلنرحّب به بيننا ونصفّق له”.
وختم قائلاً: “نتمنّى من الرب أن يحفظ غبطته دوماً لنا، علامةً تقودنا إلى المسيح الحيّ، فقد أحبّنا وسكن بيننا ليعلّمنا أنّ طريق السماء طريق يؤدّي إلى الملكوت. فهو يبارك كلّ واحد وواحدة منّا جميعاً. ليجعل الرب أيّامه طويلة، إنّه مستحقّ هذه النعمة أن يكون بيننا، ويرافقنا في مسيرة الحياة والبركة من الرب يسوع له، ولمطراننا الجليل، ولوفده الكريم، ولكم جميعاً رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، فهو على نياتكم جميعاً يقيم هذه الذبيحة الإلهية. أدامه الرب”.
وبعد نهاية القداس، انتقل غبطة البطريرك بموكب حبري مهيب إلى قاعة الكنيسة، حيث استقبل المؤمنين الذين نالوا بركته الأبوية، في جوّ من الفرح الروحي الغامر بلقاء الأب بأبنائه وبناته الروحيين.
البطريرك يونان يحتفل بقداس أحد تقديس البيعة في كنيسة مار يوسف، المنصور – بغداد، العراق: *الكنيسة مقدسة بالرب يسوع الذي أسّسها، وبالمؤمنين الذين يجدِّدون كلّ يوم إيمانهم بالرب يسوع*






