البابا: من خلال الصلاة من أجل راحة نفوسهم، نحن نرافق أحبّاءنا في مسيرتهم نحو الشركة الكاملة مع الربّ

“إذ يحرِّكنا هذا الإيمان المفعم بالرجاء، لنواصل مسيرتنا الأرضية، منتظرين اليوم الذي يمسح فيه الربّ كلّ دمعة، وللموت لن يبقى وجود بعد الآن، ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لأن العالم القديم قد زال” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع في عظته مترئسًا القداس الإلهي بمناسبة تذكار جميع الموتى المؤمنين
بمناسبة تذكار جميع الموتى المؤمنين ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر الاثنين القداس الإلهي في مقبرة الفيرانو في روما وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، اجتمعنا للاحتفال بالإفخارستيا في هذا المكان الذي يجمع الصلاة والذكرى، والمحبّة والرجاء. ونقدّمها لراحة نفوس المؤمنين الراقدين، ولا سيّما الذين يرقدون هنا، والذين يحمل كلّ واحد منّا ذكراهم في قلبه.
تابع الأب الأقدس يقول إنّ تذكار الموتى المؤمنين، الذي نحييه في اليوم التالي لعيد جميع القدّيسين، يوجّه صلاتنا اليوم. لنتوجّه إلى الآب السماوي، لكي تغمر حياة القداسة والغبطة، التي ينعم بها كثيرون من أبنائه وبناته، بنفوس الذين يرقدون رقاد السلام. إنّ كلمة الله التي أُعلنت، تنير إيماننا وتعزّز ثقتنا بيدي الله. وهاتان اليدان، كما يذكّرنا سفر الحكمة، قادرتان على أن تحفظا نفوس الأبرار حفظًا فعّالًا: “فلا يمسها العذاب”. هذا هو وعد الخلاص الذي يصبح، ولا سيّما في هذا اليوم، جوهر التضرّع الذي نرفعه إلى ربّ الحياة من أجل جميع المؤمنين الموتى.
أضاف الحبر الأعظم يقول لتَحفظهم يداه الأبويتان الأمينتان إلى الأبد، لكي ينعموا بالكامل بتلك العلاقة المتبادلة والحيوية التي يعد بها الربّ شعبه في سفر الرؤيا: “وهم سيكونون شعوبه وهو سيكون الله معهم”. إنّ صلاتنا هي ابتهال من أجل أن تتحقّق هذه الشركة الأبدية في الحياة، التي وعد بها الراعي الصالح خرافه، التي لن تهلك إلى الأبد، ولن ينتزعها أحد من يده.
تابع الأب الأقدس يقول أيها الأحباء، لقد أصغينا إلى إنجيل التطويبات. وهي أشبه بصورة ذاتية ليسوع، يقدّمها هو نفسه لتلاميذه، معلنًا: “طوبى لكم!”. إنّ التطويبات هي طريق الحياة الكاملة والمكتملة، منذ الآن وإلى الأبد. وعندما نسمع إعلانها في الليتورجيا، نعلم أنّ الربّ القائم من بين الأموات هو الذي يكلّمنا. وهذا الإعلان الخلاصي، الذي تتضمّنه التطويبات، يتردّد بقوة روحية خاصة في المقبرة، التي تشكّل أشبه بعتبة بين هذه الحياة والحياة الآتية، بين الوجود الأرضي والحياة الأخرى التي تنتظرنا. إنّ يسوع القائم من بين الأموات يقول لنا: طوبى للذين يعيشون وفق هذا الطريق، لأنّ لهم ملكوت السماوات.
أضاف الحبر الأعظم يقول ومن بين التطويبات الثماني الواردة في إنجيل متّى، هناك واحدة تلامس قلوبنا اليوم بصورة خاصة: “طوبى للمحزونين، فإنهم يعزون”. في هذه اللحظة، نريد أن نصلّي من أجل الذين فقدوا حديثًا شخصًا عزيزًا عليهم، ولا سيّما الذين انتزعَت منهم أحبّاءَهم أعمالُ العنف العبثية التي تخلّفها الحروب. لتلمُس دموع كثير من الأمهات، وكثير من الأطفال، وكثير من المسنّين، ضمائر الذين يملكون القدرة على إسكات الأسلحة! وفي الذكرى المئوية الثامنة لوفاة القديس فرنسيس الأسيزي، تحضر إلى أذهاننا تلقائيًا تلك “الطوبى” التي أضافها إلى نشيد المخلوقات، عندما أدرك أنّ نهايته باتت قريبة، فقال: “تباركتَ يا ربّي، من أجل أخينا الموت الجسدي، الذي لا يستطيع أيّ إنسان حيّ أن يهرب منه: الويل للذين يموتون في الخطايا المميتة؛ طوبى للذين يجدهم الموت في مشيئتك القدّوسة، لأنّ الموت الثاني لن ينال منهم”.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إنّ الإيمان بالمسيح يقول لنا إنّ رابطنا بالمؤمنين الراقدين لم ينقطع، بل تبدّل. فمن خلال الصلاة من أجل راحة نفوسهم، نحن نرافق أحبّاءنا في مسيرتهم نحو الشركة الكاملة مع الربّ، تلك الشركة التي نتذوّق حقيقتها هنا، في سرّ الافخارستيا. وإذ يحرِّكنا هذا الإيمان المفعم بالرجاء، لنواصل مسيرتنا الأرضية، منتظرين اليوم الذي يمسح فيه الربّ كلّ دمعة، “وللموت لن يبقى وجود بعد الآن، ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لأن العالم القديم قد زال”.