استقبل البابا المشاركين في مؤتمر تنظمه الأكاديمية الحبرية للحياة، بالتعاون مع معهد “مستقبل الحياة”، تحت عنوان: “مستقبل الذكاء الاصطناعي. حوار بين الفاتيكان وعالم العلم بشأن تطوير وتطبيق التكنولوجيات الذكية”. ووجه لضيوفه خطاباً حذر فيه من المخاطر الأخلاقية والإنسانية المرتبطة بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، داعياً إلى وضع ضوابط دولية ومؤسسات فاعلة تضمن توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة الإنسان والصالح العام، وتَحول دون استخدامها في اتخاذ قرارات تمس الحياة البشرية والحرية والكرامة الإنسانية.
في مستهل كلمته رحب البابا بالمشاركين، معرباً عن تقديره لحضورهم ومساهماتهم، ومشيراً إلى أن اختلاف خلفياتهم وتنوع وجهات نظرهم يجمعهما شعور مشترك بالقلق إزاء المسار الذي يتخذه تطور الذكاء الاصطناعي. ولفت إلى أن العالم يدرك الاتجاه الذي ينبغي سلوكه في التعامل مع هذه التكنولوجيا، لكن الخطوات العملية المطلوبة لا تزال دون المستوى المأمول.
هذا ثم أكد لاون الرابع عشر أن مواجهة التحديات الكبرى في عصرنا تتطلب مقاربة متعددة الاختصاصات، تجمع العلوم والتكنولوجيا والفلسفة والأخلاق وغيرها من المجالات، ما يسمح بفهم أعمق لتعقيدات هذه المرحلة. ولفت في هذا السياق إلى مواقف البابا فرنسيس، الذي وصف الذكاء الاصطناعي بأنه أداة مثيرة للإعجاب لكنها في الوقت نفسه تثير الخوف.
بعدها قدم البابا بريفوست خمس نقاط أساسية ينبغي أن تشكل إطاراً للتعامل مع مستقبل الذكاء الاصطناعي. وأكد أولاً أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس أمراً محسوماً سلفاً، بل يتوقف على الخيارات التي يتخذها البشر، باعتبار أن هذه التكنولوجيا هي من صنع الإنسان، ومن مسؤوليته توجيه تطبيقاتها وتعديلها، أو رفضها عندما تقتضي الضرورة ذلك. وشدد على أن السؤال الأهم لا ينبغي أن يقتصر على ما تستطيع الآلات فعله، بل يجب أن يتناول الغاية التي ينبغي أن تخدمها. فالتكنولوجيا الأكثر قوة ليست بالضرورة الأفضل، إذا كانت عواقب استخدامها غير واضحة أو يصعب التحكم فيها.
أما النقطة الثانية، فتتمثل في ضرورة التمييز بين الآلات والبشر، فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا متطوراً، لا يمتلك جسداً أو مشاعر، ولا يختبر الفرح والألم، ولا يفهم الحب والصداقة والمسؤولية من خلال التجربة الإنسانية. وحذر البابا من الدعوات إلى منح أنظمة الذكاء الاصطناعي حقوقاً أو شخصية قانونية، لأن ذلك قد يؤدي إلى التخفيف من قيمة المسؤولية البشرية، ويترك المتضررين من أخطاء هذه الأنظمة في مواجهة جهة مجهولة لا يمكن مساءلتها.
في معرض حديثه عن النقطة الثالثة، أكد البابا أن ثمة قرارات لا يجوز تفويضها للآلات، لاسيما تلك المتعلقة بحياة الإنسان وحريته واستخدام القوة، محذراً من مغبة اختزال الأشخاص إلى مجرد بيانات أو أرقام في قواعد المعلومات العسكرية أو أنظمة مراقبة الحدود ومشدداً على ضرورة بقاء الرقابة البشرية الفعلية والمسؤولة. كما دعا إلى نزع الطابع القاتل عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحث الدول المشاركة في اجتماع جنيف المقرر الشهر المقبل على اتخاذ خطوات ملموسة لحظر الأسلحة ذاتية التشغيل.
بعدها تناول لاون الرابع عشر، في النقطة الرابعة، ضرورة توجيه التكنولوجيا الذكية نحو خدمة الخير العام، وضمان استفادة جميع المجتمعات من ثمار الابتكار، سواء في مجالات الرعاية الصحية أو المعرفة أو الأدوات والفرص المتاحة. وأكد أن التقدم التكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تحتكره فئة محدودة، بل يجب أن يعزز التضامن والمشاركة، وأن تصل فوائده بصورة عادلة خصوصاً إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
أما النقطة الخامسة، فتتعلق بضرورة الانتقال من المبادئ الأخلاقية إلى التطبيق العملي. وأوضح لاون الرابع عشر في هذا الإطار أن العالم لديه العديد من المبادئ التي يمكن أن توجه تطوير الذكاء الاصطناعي، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها، لاسيما مؤسسات دولية فاعلة تحمي المصلحة الإنسانية المشتركة. ودعا الحبر الأعظم إلى اعتماد معايير موحدة، وإنشاء آليات رقابة مستقلة، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، ما يتيح مراجعة القرارات المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه والاعتراض عليها عند الضرورة، وضمان تعويض المتضررين من أي أضرار تنتج عنها.
في ختام كلمته شدد البابا لاون الرابع عشر على أهمية مواصلة الحوار والتعاون بين مختلف الاختصاصات والدول، بروح من المسؤولية المشتركة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير التكنولوجيا، بل في ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته، وأن يكون التقدم العلمي وسيلة لتحقيق الخير العام، لا مصدراً جديداً للتمييز أو التهديد.
البابا يستقبل المشاركين في مؤتمر دولي تنظمه الأكاديمية البابوية للحياة حول الذكاء الاصطناعي






