الكاردينال بيتسابالا: الأزمة الإنسانية في غزة مستمرة ونخشى تراجع الوجود المسيحي

أكد الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، أن الأزمة الإنسانية في قطاع غزة لا تزال قائمة رغم تراجع حدة العمليات العسكرية، محذرًا في الوقت نفسه من التداعيات الخطيرة لاعتداءات المستوطنين على القرى المسيحية في الضفة الغربية، وما تسببه من اهتزاز ثقة السكان بمستقبلهم، في ظل المخاوف المتزايدة من استمرار تراجع الحضور المسيحي في الأرض المقدسة.
وقال الكاردينال بيتسابالا، في مقابلة مع صحيفة National Catholic Register الأميركية، نُشرت الأربعاء 21 تشرين الأول 2026، إن الأوضاع في غزة لم تتغير كثيرًا، ولا سيما على الصعيد الإنساني، موضحًا أن الحرب لم تنتهِ بصورة كاملة، وأن أعمال العنف وسقوط الضحايا لا تزال مستمرة رغم الهدنة القائمة.
وأضاف: “لقد خمدت نيران الحرب، لكنها لم تنطفئ تمامًا. فما زالت هناك حوادث عنف وحرب وموت. وهناك هدنة، لكنها لا تُحترم دائمًا”، مشددًا على أن “المشكلة الحقيقية لا تزال إنسانية”، في وقت لم تبدأ فيه بعد عملية إعادة الإعمار، ولا يزال السكان يعيشون في ظروف شديدة الهشاشة ويعتمدون على المساعدات. وأشار إلى أنه يواصل زيارة قطاع غزة كلما سنحت له الفرصة، مؤكدًا صعوبة التنبؤ بموعد انتهاء الأزمة، نظرًا إلى الترابط المباشر وغير المباشر بين مختلف الأوضاع والتطورات في المنطقة.
غياب الإرادة السياسية لا الوسطاء
وفي ما يتعلق بالدور الذي يمكن أن يؤديه الكرسي الرسولي في غزة، أوضح بيتسابالا أنه لا توجد في الوقت الراهن مساحة لوساطة فاتيكانية جديدة، في ظل وجود أطراف تتولى بالفعل جهود الوساطة. وقال: “ما ينقص ليس القدرة على الوساطة، بل الإرادة السياسية لدى الجميع للتوصل إلى حل”. وأكد أن دور الكرسي الرسولي، والكنيسة عمومًا، يتمثل بصورة أساسية في تعزيز الحوار، وتقديم الدعم، وبناء شبكات التواصل والتضامن، بما يسهم في مرافقة المتضررين والتخفيف من معاناتهم.
اعتداءات الطيبة تهز ثقة المسيحيين بمستقبلهم
وتطرق بطريرك القدس للاتين إلى الأوضاع في الضفة الغربية، معربًا عن قلقه العميق إزاء اعتداءات المستوطنين على القرى المسيحية، ولا سيما الاعتداء الذي شهدته بلدة الطيبة شرقي رام الله في 17 تشرين الأول الحالي.
ووصف هذه الاعتداءات بأنها “مقلقة للغاية”، ليس فقط بسبب وقوعها، بل أيضًا بسبب آثارها النفسية والمعنوية على السكان الذين يعانون أصلًا من الإرهاق والهشاشة. وقال: “إن الثقة بالمستقبل تتزعزع بشدة”، في إشارة إلى ما تتركه هذه الاعتداءات من مخاوف لدى العائلات المسيحية بشأن أمنها واستقرارها واستمرار وجودها في أرضها.
وحذّر الكاردينال بيتسابالا من خطر استمرار تناقص أعداد المسيحيين في الأرض المقدسة، موضحًا أن الحديث عن هجرة جماعية يكتسب خطورة خاصة في ظل أعدادهم المحدودة أصلًا. وأضاف: “إن الهجرة الجماعية أمر بالغ الصعوبة، لأن المسيحيين قليلون جدًا. والهجرة الجماعية ستعني اختفاء المسيحيين”، مؤكدًا أن خطر تراجع أعدادهم يبقى قائمًا ولا يمكن إنكاره.
الكنيسة مدعوة إلى مرافقة المتألمين
وأوضح أن التحديات التي تواجهها البطريركية تختلف من منطقة إلى أخرى، رغم ترابطها، مشيرًا إلى أن غزة تمثل الوضع الأكثر تعقيدًا، فيما تثير الأوضاع في الضفة الغربية قلقًا متزايدًا، إلى جانب المشكلات المرتبطة بالجريمة في الجليل، والتحديات المختلفة في الأردن وقبرص.
وفي وصفه لأحوال المؤمنين، قال إنهم يعيشون حالة من التعب والإرهاق الشديدين، لكنه يلمس في الوقت نفسه التزامًا كبيرًا وروحًا تطوعية ورغبة في مواصلة العمل والخدمة. وأكد أن الناس يحتاجون، قبل كل شيء، إلى من يرافقهم ويساندهم ويمنحهم القوة وسط معاناتهم، مشددًا على أن رسالة الكنيسة في هذه الظروف تتمثل في البقاء قريبة من المتألمين، وتعزيز التضامن والرجاء، ومساندة الجماعات التي تواجه مستقبلًا يكتنفه القلق وعدم اليقين.