البطريرك الراعي يترأس قداساً تاريخياً في أثينا: «العريس آتٍ لموقف حق وخير ومحبة» وتأكيد على الرجاء بنهوض لبنان

احتفل غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الالهي لموارنة اليونان وأصدقائهم في كنيسة مار يوحنا المعمدان، وشارك في هذا القداس ممثلو المؤسسات المارونية، الذين أتوا إلى اليونان بمناسبة الزيارة البطريركية، كالرابطة المارونية والمؤسسة المارونية للإنتشار ورابطة قنوبين للرسالة والتراث وسواها، بالإضافة إلى مؤمنين من عدد من الرعايا المارونية في لبنان وبعض بلدان الإنتشار.
وشارك في إحياء القداس رئيس أساقفة أثينا للاتين المطران ثيودوروس كونتيديس، ومطران اللاتين المتقاعد نيكوديموس فوسكولوس، ومطران الأرمن الأرثوذكس سهاغ يميشيان، والأب نوفك كوسو عن الكنيسة الكلدانية. وحضر القداس القائم بأعمال السفارة البابوية، وسفير لبنان وقنصله، وسفراء فلسطين وقبرص وسوريا، والنائب نعمت افرام، إلى جانب وفود وممثلي المؤسسات المارونية والاجتماعية والإعلامية، ولفيف من الكهنة والرهبان والراهبات، وحشد من أبناء الجاليتين اللبنانية والعربية.
في مستهل الذبيحة الإلهية، ألقى سيادة المطران يوسف سويف كلمة ترحيب جاء فيها:
سعادةَ القائمِ بأعمالِ السفارةِ البابويةِ،
أخي سيادةَ المطران ثيوذوروس،
أشكركم جزيلَ الشكر، ليس فقط على حضوركم اليوم، بل لأن قلوبكم مفتوحةٌ وأبوابَ الكنائسِ مفتوحةٌ دومًا، ليس فقط للجاليةِ المارونية، بل لجميعِ اللبنانيين ولكلِ إنسان. شكرًا جزيلًا.
أخي صاحبَ السيادة، أصحابَ السيادة، آبائي الأفاضل،
سيادةَ مطرانِ قبرص، إنني أشكرك، سيّدنا سليم، على حضورك وعلى التعاونِ القائمِ بيننا؛ بصفتي زائرًا للموارنةِ في اليونان، مع مطرانيةِ قبرصَ المارونية، بإرسالِ أبونا جوزيف طرطَق ليخدمَ لأولِ مرةٍ، حيثُ باتَ لدينا كاهنٌ مقيمٌ في قلبِ الرعيّة. ألفُ شكرٍ لهذا التعاونِ وتلكَ الجهود.
أحيي جميعَ الإخوةِ الرهبان والراهبات، وأحيي أبونا جوزيف على نحوٍ خاص، وأبونا ماريو، ولجنةَ الرعية، والجوقةَ أيضًا، وكلَّ الأشخاصِ الذين أعدّوا هذا الاحتفال.
وعلى نحوٍ خاصٍّ، أودُّ أن أحييَ سفيرَ لبنان؛ شكرًا على هذا التعاونِ بيننا، لخلقِ هذا المناخِ اللبنانيِّ اليونانيِّ المشرقِ الرائعِ في هذا الأحدِ المبارك.
ولا يسعني أن أنسى جهودَ سعادةِ القنصلِ كذلك، ومشاركتَه في أدقِّ التفاصيل.
صاحبَ السعادة، النائبَ العزيز، شكرًا لحضورك مع أصحابِ السعادةِ السفراء، وكلِّ المقامات، وجميعِ القيّمين والمسؤولين عن المؤسساتِ الكنسية، والاجتماعية، والإعلامية، والرعوية، الآتين من لبنانَ إلى أرضِ اليونان.
يا أبناءَ الرعيّةِ الأحبّاءَ في اليونان، أيها الإخوةُ والأخواتُ في الرب.
سيّدنا البطريرك، بكلِّ بساطة، ولكن بكلِّ عُمقٍ أيضًا، وهذا واقع، تُعدُّ هذه الزيارةُ الرعويةُ زيارةً تاريخية، لأولِ بطريركٍ مارونيٍّ يزورُ اليونانَ في زيارةٍ رعوية؛ إنه لَحدثٌ يُسجَّل في تاريخِ لبنانَ وتاريخِ اليونان.
إنها زيارةُ الأبِ الذي يتفقّدُ أبناءَه.
فالحضورُ المارونيُّ في اليونانِ يعودُ إلى خمسينياتِ القرنِ الماضي، غيرَ أننا نعلمُ تمامًا، مع مجرياتِ الأحداثِ في لبنان، والتي نريدُ أن نصلّيَ اليومَ لتكونَ لها نهاية، إذ كفى هذا الوطنَ تألّمًا؛ ونحن نرى كيف تستقبلُ هذه الأرضُ الطيبةُ الشعبَ اللبنانيَّ بكثيرٍ من المحبة، وهو ما يدلُّ على صداقةٍ عميقة، وتلاقٍ فكريٍّ وثقافيٍّ وروحيٍّ وطيدٍ بين الشعبين والدولتين.
كنيسةُ لبنانَ وكنيسةُ اليونان: قواسمُ مشتركةٌ بين الأرثوذكسيةِ المشرقيةِ والكاثوليكيةِ المشرقية، في الليتورجيا المقدسة، وفي تراثِ الآباءِ القديسين، وفي الروحانية، لا سيّما الروحانيةَ السريانية؛ فنحنُ نعلمُ تمامًا أن مكانةَ القديسِ أفرام في الطقسِ البيزنطيِّ والتقليدِ الأرثوذكسيّ مكانةٌ محوريةٌ وأساسية.
هذا التلاقي بين الكنيستين يواجهُ اليومَ تحدياتِ الإيمانِ في هذه الأيامِ المعاصرة.
وهو تلاقٍ بدأ يشقُّ طريقه، أولًا بالصداقةِ الإنسانية، فنحن شعبان نتشابهُ كثيرًا في شتى الأمور، وبالهمومِ الرعويةِ والثقافيةِ المشتركة.
سيدنا، برعايتكم وبالأمس، انطلق تعاونٌ رمزيٌّ وتاريخيٌّ بين ميتيورا وقنوبين. وبعد ظهرِ هذا اليوم، بمشيئةِ الله، سينطلقُ تعاونٌ سياحيٌّ وثقافيٌّ وفكريّ في إطارِ الحجِّ المقدس، بين كورنثوس، أرضِ مار بولس، وقنوبين مجددًا.
إن ما عشناه يا أحبائي مع صاحبِ الغبطةِ فورَ تشريفِه لليونان، كان التوجّهَ المباشرَ إلى الجبلِ المقدس، جبلِ آثوس؛ ولم تكن زيارةً اعتياديةً أو سياحية، بل حجًّا مقدسًا خاشعًا وروحيًا في أُخوّةِ المسيح، على قمةِ هذا الجبلِ الذي يختبرُ ويعيشُ منذ ألفِ عام، ودون انقطاع، الحياةَ الرهبانية: من صلواتٍ، وبخورٍ، وليتورجيا، وزهدٍ، وإماتةٍ للذاتِ لملاقاةِ المسيحِ القائمِ من بين الأموات، والمنتصرِ على الحقدِ والموتِ والظلم.
إن حضور المسيحِ الممجَّد، كما تجلّى في قنوبين وكما هو اليومَ في الجبلِ اللبنانيِّ المقدس، يتجددُ الآن بنعمةِ الربِّ وبشفاعةِ العذراءِ مريم، سلطانةِ السلامِ وسيدةِ لبنان.
صاحبَ الغبطة، هذه الزيارةُ هي في حقيقتها زيارةٌ أخوية، لرئيسِ الكنيسةِ المارونيةِ الذي يلتقي برئيسِ الكنيسةِ الأرثوذكسيةِ اليونانية بالمحبةِ والأخوّةِ في يسوعَ المسيح، وفي تقاسمِ همومِ الروحِ والوطن، وفي الصلاةِ المشتركةِ لبعضهما البعض.
واليومَ في هذا الأحدِ المبارك، وحولَ المائدةِ المقدسة، حولَ الإفخارستيا، نعم يا صاحبَ الغبطة، لقد جاءت هذه الزيارةُ حقًا لتشجيعِ هذا القطيعِ الصغير.
هذا القطيعُ الصغير… لقد سُررتُ بالأمسِ بكلمةٍ ذكرها سعادةُ السفير؛ إذ قال: نحنُ نعلمُ أن سيدنا البطريرك يزورُ البلدانَ الكبرى والرعايا والأبرشياتِ حيثُ الكثافة، غيرَ أن الأمرَ المميَّزَ الذي يسمُ غبطةَ البطريركِ الراعي، هو قدومُه إلى رعيةٍ صغيرةٍ جدًا بالمقارنةِ مع الأبرشياتِ الكبرى.
سيدنا، إن هذا لَيدلُّ على روحانيةٍ، ومحبةٍ، وأبوّة.
فزيارتك لهذا القطيعِ الصغير، التي هي نابعةٌ بلا شكٍّ من محبتك له، تُقابَلُ اليومَ بتعبيرِ هذا القطيعِ الصغيرِ لكَ عن وافرِ الامتنان، وجزيلِ الشكر، وعظيمِ المحبة، سائلين لكَ طولَ العمرِ ودوامَ الصحة لمتابعةِ مسيرةِ هذه الكنيسةِ نحو برِّ الأمان.
نعم، أيها الأحباء، نريدُ أن نشكرَ الربَّ في هذا الأحدِ المبارك على هذه الزيارةِ الرعوية. واليومَ، نريدُ أن نُهيئَ أنفسَنا لندخلَ في عمقِ الذبيحة، ذبيحةِ المحبة، الذبيحةِ الإفخارستية.
نصلي اليومَ من أجلِ لبنان، ومن أجلِ هذا الشرق، لكي يبقى شرقًا للتلاقي، والحوار، وصنعِ السلام؛ ولكي يظلَّ الحضورُ المسيحيُّ في هذه المنطقةِ علامةً حقيقيةً للمحبة، والمغفرة، وتطهيرِ الذاكرة.
نصلي معك اليومَ يا سيدنا البطريرك من أجلِ اليونان، كي تبقى بلدَ الثقافة، والنور، والشهادةِ للمسيحِ القائم، له المجدُ من الآنَ وإلى أبدِ الآبدين. آمين.
وبعد الإنجيل المقدس، ألقى غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عظة جاء فيها:
هوذا العريسُ آتٍ، فاخرجوا للقائه.
يَسعدني اليومَ، قبل أن أبدأ بالتأمّل في إنجيل هذا اليوم، أن أُحيّيكم جميعًا.
أُحيّي أصحابَ السيادةِ المطارنة، وسعادةَ سفير لبنان، والسفراءَ الكرام، وسعادةَ النائب في البرلمان اللبناني، والإخوةَ والأخواتِ جميعًا.
يَسعدني أن أقومَ بهذه الزيارة الراعوية بدعوةٍ من سيادة أخي المطران يوسف سويف، الزائرِ الرسوليّ لموارنة اليونان، لأقوم بهذه الزيارة الراعوية الجميلة وألتقيَ بكم جميعًا.
أردتُ أن أحملَ إليكم تحيةَ لبنان، لبنانَ المِعطاء؛ بل إنكم أنتم تحملونه بصلواتكم، وبأعمالكم النبيلة، وبخدماتكم وإسهامكم في بناءِ هذه الدولة من خلال نشاطاتكم وأعمالكم المختلفة، وهذا فخرٌ لنا في لبنان وفي العالم العربي.
أودّ أن أشكرَ سيادةَ رئيس أساقفة أثينا للّاتين الحاضرَ معنا، لأشكره على وضعه هذه الكنيسةَ بتصرّف جاليتنا المارونية والعربية أيضًا.
نحن نفتخر بكم وبما أنتم عليه، وبما تقومون به؛ وكلُّ ما تُحقّقونه في حياتكم هو مبعثُ فخرٍ لنا جميعًا في لبنان.
أودّ أن أُقدّم هذا القداس على نيّتكم، وعلى نيّة الرعيّة، وعلى نيّة أعمالكم. أذكركم واحدًا واحدًا أمام الرب، على ما أنتم عليه وما تقومون به؛ وأذكر مرضاكم، وأذكر موتاكم.
طبعًا، لا يمكنني أن أنسى وطننا لبنان في معاناته الراهنة التي تعرفونها جميعًا، لكننا سنذكره في صلواتنا، لأن لدينا رجاءً كبيرًا بأن لبنان سيتمكّن من النهوض من هذا التعثّر الذي يمرّ به. وإننا نرفع أمرنا ورجاءنا إلى الرب في قداسنا اليوم.
طالما أنتم حاضرون، وطالما هناك في لبنان مَن يُصلّون من كل قلوبهم، عائلات وشباب، فإن لدينا رجاءً وطيدًا بأن لبنان سينجو من هذه الأزمة التي يتخبّط فيها.
وطبعًا، نريد أن نذكر في صلواتنا المسؤولين في لبنان: رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والحكومة، والبرلمان اللبناني؛ لكي يُداووا جراح لبنان بالسبل الفضلى ويخرجوا بالوطن من أزمته الراهنة. نحن نعلم أن أزمات لبنان تتأتى من الخارج ومن الداخل، لكننا نتّكل بصلاتنا على العمل من أجل خلاص لبنان من هذه المحنة التي مررتم بمثلها هنا في اليونان، واستطعتم الخروج منها بتكاتفكم ومسؤوليتكم.
دعوني أتأمّل معكم سريعًا حول مضمون إنجيل اليوم:
إنه يدور حول نقطة أساسية تقول: هوذا العريسُ آتٍ، فاخرجوا للقائه.
العريسُ هو يسوع المسيح، الذي يأتي في حياتنا اليومية، وينتظر منا السهرَ على إدراك مجيئه في حياة كلٍّ منّا، لكي نحدّد موقفًا ما.
والعذارى العشرُ يُمثّلن البشر، يُمثّلننا نحن.
العذارى الحكيمات: هنّ الأشخاص الذين يُفكّرون في الحياة، في معنى الحياة ومعنى الموت، وفي مصير الإنسان، وما هو الخير والشر؛ أي أولئك الذين يُفكّرون فيما هو أبعد من مجرّد تدبير شؤون الحياة اليومية.
العذارى الجاهلات: هم الأشخاص الذين يعيشون ليومهم فقط دون تفكير في المستقبل: ما هو مصيري؟ ما معنى حياتي؟ ما معنى الموت وماذا بعد الموت؟ أولئك لا يُفكّرون إلا في شؤونهم الدنيوية ومنقطعون عن العالم الآخر؛ لذلك يُسمّيهم الإنجيل بالعذارى الجاهلات.
المصابيحُ هي: العقل، والإرادة، والقلب، وهي الصفات التي تُميّز الإنسان.
وزيتُ المصابيح هو: الإيمان، والرجاء، والمحبة. الإيمان موضعه العقل، وهو موجّهٌ نحو الحقيقة؛ فالعقل يبحث عن الحقيقة. زيتُ الإرادة هو فعلُ الخير. زيتُ القلب هو المحبة.
المسيح يأتي في صميم حياتنا اليومية: العريسُ آتٍ. يأتي كلّ يوم لطلب موقفٍ مني ومنك ومنه: موقف حقّ، وموقف فعل خيرٍ مهما كان، وموقف محبة. هذه هي المصابيح التي نستقبل بها العريس الآتي، يسوع المسيح.
نحن نصلّي اليوم لنكون من فئة العذارى الحكيمات؛ من أولئك الذين يتأمّلون في وجودهم ومعنى حياتهم، وفي معنى الحقيقة والخير والمحبة. فالمسيح يأتي كلّ يوم وفي كلّ لحظة، يطلب منّا موقف حقيقةٍ لننطق به، وموقف خيرٍ لنصنعه، وموقف محبةٍ لنعيشه.
عندئذٍ نكون مستعدّين لمجيء العريس الثاني، الذي هو موت الإنسان عند انقضاء حياته على الأرض؛ فتكون خاتمتها ملأى بالحقيقة، والخير، والحب. لتكن هذه هي النيّة التي نحملها في قداسنا اليوم. آمين.
وفي ختام القداس، ألقى رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في اليونان المطران ثيودوروس كونتيديس كلمة جاء فيها:
أودّ أن أوجّه بضع كلمات باللغة اليونانية إلى صاحب الغبطة، وأن أقول لكم يا صاحب الغبطة إن الكنيسة الكاثوليكية المحلية ترحب بكم بفرح، وتصلي معكم بفرح.
إن حضوركم هو بركة وتشجيع ليس فقط للجالية المارونية، بل يتعداها ليشمل كنيستنا المحلية جمعاء.
نرجو منكم يا صاحب الغبطة ألا تتوقفوا عن الصلاة من أجل كنيستنا المحلية هنا، كما أننا لن نتوقف عن الصلاة من أجل كنيسة الشهادة، الكنيسة المارونية في لبنان.
نشكركم مرة أخرى على حضوركم، وليبارك الله حضوركم، ومرافقيكم، وكامل الكنيسة التي تمثلونها.
وعقب انتهاء القداس الإلهي، التقى البطريرك الراعي الموارنة وسائر أبناء الجالية على مائدة محبة، ثم أقامت الرعية مأدبة غداء تكريمية على شرف غبطته بمشاركة مطران اللاتين ثيودوروس كونتيديس، ومطران الأرمن الأرثوذكس سهاغ يميشيان، ومطران الأرثوذكس في المكسيك إغناطيوس سمعان، وسكرتير السفارة البابوية فرانسيس شانييكات، والأرشمندريت أثيناغوراس سويدرنوس، وسفير الأردن، والأب ميخائيل بصاله عن كنيسة الأرمن الكاثوليكية، إلى جانب السادة السفراء والنواب والوفود وممثلي المؤسسات المارونية وأبناء الرعية والجالية.