المطران سويف من عرجس: «ها أنا ذا أرسلني» عنوان السنة الروحية للأبرشية ودعوة للشهادة وبناء السلام

بمناسبة عيد القديسَين الشهيدَين العظيمَين سركيس وباخوس، استقبلت رعية عرجس ذخائر القديس شربل، يوم الجمعة 9 تشرين الأول 2026، في مسيرة انطلقت من ساحة البلدة وصولًا إلى كنيسة مار سركيس وباخوس، حيث ترأس رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف الاحتفال بالذبيحة الإلهية.
وشارك في القداس النائب الأسقفي العام المونسنيور أنطوان مخايل، والنائب الأسقفي الخاص المونسنيور جوزيف غبش، وكاهن الرعية الخوري سركيس عبدالله، ولفيف من الكهنة، بحضور رئيس بلدية عرجس السيد زعنّي خير والمختار وفعاليات البلدة وأبناء الرعية.
وفي عظته، شكر المطران سويف كاهن الرعية واللجنة وأبناء عرجس على دعوتهم، رافعًا الصلاة على نية أبناء الرعية المقيمين والمنتشرين. وأشاد بمحبة المغتربين لبلدتهم وارتباطهم بجذورهم، معتبرًا أنهم يحملون تاريخ الرعية وثقافتها وروحانية الآباء والأجداد إلى بلدان الانتشار.
وخصّ الخوري سركيس عبدالله بالصلاة لمناسبة مرور عشر سنوات على سيامته الكهنوتية، مثنيًا على عفويته وروح الخدمة التي تميّزه، واستعداده الدائم لتلبية حاجات الآخرين بمحبة ومن دون حسابات. وأشار إلى أن هذه الروح رافقته حتى قبل الكهنوت، مجسّدًا باستعداده للخدمة جواب الإنسان على دعوة الرب: «ها أنا ذا أرسلني».
ومن عرجس، أعلن المطران سويف للمرة الأولى عنوان السنة الروحية للأبرشية: «ها أنا ذا أرسلني»، داعيًا المؤمنين والمؤمنات إلى تجديد استعدادهم أمام يسوع، والاستجابة لدعوته بروح الإيمان والشهادة والخدمة.
وتوقّف عند المعنى الروحي لاجتماع عيد القديسَين سركيس وباخوس مع استقبال ذخائر القديس شربل، موضحًا أن الشهادة والاستشهاد يشكّلان محور هذه المناسبة. وأكّد أن الحياة المسيحية تقوم على الشهادة اليومية ليسوع المسيح، لمحبته وإنجيله وفكره وموته على الصليب وقيامته من بين الأموات.
واعتبر أن الأمانة لهذه الشهادة فعل بطولة، لأنها تتطلّب صلاة وتواضعًا ورغبة متجدّدة في الاتحاد بالمسيح. وهي لا تتحقّق بالقوة الشخصية وحدها، بل بمعونة الروح القدس الذي يسند المؤمن ويمنحه القدرة على الاعتراف بالمسيح والشهادة له، مستشهدًا بكلام الرب: «فلستم أنتم المتكلّمين بل الروح القدس هو الذي يتكلّم فيكم».
وأشار إلى أن القديس شربل عاش هذه الشهادة من خلال دعوته الرهبانية، أولًا في قلب الجماعة، ثم في الحياة النسكية القائمة على الصلاة والعبادة والعمل والسعي الدائم إلى الاتحاد بالله. وشدّد على أن عمل الروح القدس يلتقي بإرادة الإنسان واستعداده للإصغاء والتفاعل، فحين يفتح المؤمن قلبه وفكره وحياته للروح، يتحوّل ضعفه إلى قوة للشهادة.
أما القديسان سركيس وباخوس، فقد عاشا الشهادة حتى الاستشهاد، وبذلا حياتهما في سبيل اسم يسوع والاعتراف به وعدم إنكاره. وربط المطران سويف بين الشهادة والاستشهاد من خلال سرّ البذل والموت الذي يثمر حياة، مستحضرًا صورة حبّة الحنطة التي، إن ماتت في الأرض، أعطت ثمارًا كثيرة.
ودعا المؤمنين إلى تجديد إيمانهم وإدراك أن الحياة ليست مجرّد نزهة عابرة، بل دعوة مقدّسة تحمل رسالة وهدفًا. وأوضح أن الشهادة تبدأ في البيوت والرعايا، وتمتدّ إلى الوطن والشرق والعالم، حيث لا يزال القهر والظلم والحروب يجرحون الإنسان والطفولة.
وانطلاقًا من محبة كاهن الرعية لأبنائها، وجّه نداءً إلى أبناء الأبرشية ولبنان وسكّان هذا الشرق، داعيًا إياهم إلى الاعتزاز بدعوتهم ليكونوا ملح الأرض ونور العالم. ولفت إلى أن الظلمة التي تحتاج إلى نور المسيح قد تكون في العالم المحيط بنا، كما قد تكون في داخل الإنسان نفسه.
وشدّد على أن الاحتفال بأعياد القديسين، إلى جانب فرح اللقاء واجتماع أبناء الرعية، هو مناسبة لتنقية القلوب والمسامحة والغفران وبناء البيوت على السلام والأخوّة والمحبة. فالبيوت ليست حجارة فحسب، ولبنان يحتاج إلى هذا البناء الإنساني والروحي، وإلى إرادات طيّبة تتماسك وتتّحد من أجل تجدّده.
وختم المطران سويف بالصلاة من أجل الرعية والوطن والمنطقة، في ظلّ المخاوف من الحروب، مؤكّدًا أن الصلاة قادرة على تغيير المسارات ووقف الحروب، وأن القلوب المؤمنة، حين تتّحد بنقاء أمام الرب، تنتصر بيسوع المسيح، ملك السلام.