الكرسي الرسولي في الأمم المتحدة: رؤية شاملة لكرامة المرأة وحماية حقوق الطفل

شهدت أعمال الدورة الحادية وثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلقاء مداخلة بارزة للمطران كريستوف قسيس، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى المنظمة، تناولت رؤية كاثوليكية متكاملة لتعزيز كرامة المرأة وصون حقوق الأطفال والنهوض بالأسرة.
شهدت اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في إطار أعمال الدورة الحادية وثمانين، مداخلة هامة ألقاها المطران كريستوف قسيس، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى منظمة الأمم المتحدة، وذلك خلال جلسة مناقشة البند المتعلق بـ “تقدم المرأة”. وسلطت الكلمة الضوء على الرؤية الكاثوليكية حول المساواة والكرامة الإنسانية، مع التأكيد على أهمية تحويل هذه المبادئ النظرية إلى خطوات عمل وواقع ملموس في التشريعات والسياسات الدولية.
واستهل المراقب الدائم للكرسي الرسولي كلمته بالتأكيد على أنه لا يكفي الاكتفاء بالإقرار النظري بتساوي الرجل والمرأة في الكرامة والحقوق، بل يجب أن يترجم ذلك في قرارات عملية وقوانين واضحة تكفل للجميع الوصول إلى فرص العمل، والتعليم، والمشاركة في المسؤوليات الاجتماعية والسياسية. وأوضح المطران قسيس أن التساوي في الكرامة لا يعني “التطابق”، إذ إن المساواة الحقيقية تقتضي الاعتراف بالخصائص الفريدة التي يتميز بها كل جنس، وبناء تعاون متكامل ومثمر بين الرجل والمرأة على جميع المستويات بدلاً من التنافس أو إلغاء الاختلافات.
وشددت بعثة الكرسي الرسولي على ضرورة إتاحة فرص متكافئة للمرأة في مختلف مجالات الحياة دون أن تُجبر على الاختيار بين حياتها الأسرية وطموحاتها المهنية. وأعرب عن أسفه للمعوقات التي لا تزال تواجه المرأة في التوفيق بين الأمومة والعمل، داعياً إلى تبني سياسات أسرية حقيقية تحمي الأمومة وتصونها وتدعم رغبة الأسر في النمو والازدهار، بعيداً عن السياسات التناقضية التي تهمش دور الأم في المجتمع.
كما أفردت المداخلة مساحة واسعة للحديث عن ظاهرة العنف ضد المرأة والتحديات الحديثة التي تمس كرامتها، مشيرة إلى أن النساء والفتيات يمثلن الغالبية العظمى من ضحايا الاتجار بالبشر والاستغلال. وجدد الكرسي الرسولي رفضه القاطع للممارسات المستحدثة مثل “تأجير الأرحام”، رافضاً تحويل عملية الحمل إلى خدمة تجارية أو سلع قابلة للتداول، لما ينطوي عليه ذلك من تجريد للطفل من إنسانيته واستغلال لجسد المرأة وتشويه للرسالة الأصلية للأسرة. واختتم المطران مداخلته بالإعراب عن أمل الكرسي الرسولي في أن يشكل الاعتراف بالكرامة المتساوية والحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة المبدأ التوجيهي لجميع التعهدات والالتزامات الدولية ضمن أعمال هذه الدورة، ليكون الأساس المتين لبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية يتسع لمساهمات الجميع.
وهذا ومن جهة أخرى، وفي إطار مناقشة البند ٦٦ المتعلق بـ “تعزيز وحماية حقوق الأطفال”، ألقى المطران كريستوف قسيس بياناً أشار فيه إلى أن الكرسي الرسولي يرحب بالنقاش المقام حول تعزيز وحماية حقوق الأطفال. فباعتبارهم الأعضاء الأصغر سناً في أسرتنا البشرية، يستحق الأطفال مستوى خاصاً من الرعاية والحماية، إذ إن حقوق الأطفال يجب أن تُحمى قانونياً ضمن الأنظمة القضائية، كما أن الطفل – بسبب عدم نضجه البدني والعقلي – يحتاج إلى ضمانات ورعاية خاصتين، بما في ذلك الحماية القانونية المناسبة قبل الولادة وبعدها.
وأكد المطران أن الأسرة هي الأساس والحصن الأكثر أهمية لحقوق الأطفال؛ فهي مجتمع الطفل الأول والمسؤولة عن رفاهه، فالأمهات والآباء هم المعلمون والحماة والمدافعون الأوائل عن أطفالهم، حيث يساعدونهم على إدراك كرامتهم الممنوحة لهم من الله. وتعتمد حقيقة مستقبل كل أمة على هذه الأجيال الجديدة التي ستتلقى من والديها التراث المتعدد للقيم والواجبات والتطلعات الخاصة بأمتهم وبالأسرة البشرية جمعاء.
وأشار البيان إلى أن العديد من الأطفال يعيشون في ظروف غير ملائمة لتنميتهم البشرية المتكاملة، مثل نقص الرعاية الصحية، أو نقص الإمدادات الغذائية الكافية، وقلة أو انعدام إمكانية الحصول على الحد الأدنى من التنشئة الأكاديمية، أو عدم توفر المأوى الملائم. والمؤسف أن الأسر نفسها قد تتسبب أحياناً في معاناة الأطفال من خلال العنف والممارسات الضارة مثل زواج الأطفال. كما أن الأطفال أكثر عرضة للعيش في فقر مقارنة بالبالغين، مما يضعهم عرضة لخطر إساءة المعاملة والاستغلال، كالأتجار بالأطفال والعمل القسري. كما يواجه الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع أخطاراً جسيمة. وعندما تفشل جهود صنع السلام، غالباً ما يكون الأطفال هم من يدفعون الثمن الأكبر، لذا من الضروري معالجة الأسباب الجذرية لهذه المشكلات، والتدخل عند الضرورة لضمان نشأة الأطفال في بيئة أسرية تسودها أجواء السعادة والمحبة والتفاهم.
وأوضح المطران أن الحق الأول للطفل هو “أن يولد في أسرة حقيقية”، وهو حق لم يحترم دائماً ويخضع اليوم لانتهاكات جديدة بسبب التطورات في التكنولوجيا الجينية التي يُعامل فيها الأطفال كأشياء يُتخلص منها أو تُقتنى حسب الرغبة. ومن بين هذه الممارسات الإجهاض، الذي يقطع طعماً لحياة نامية ويرفض استقبال هبة الحياة. وبالمثل، فإن ممارسات الإنجاب المساعد مثل “تأجير الأرحام” تنتهك كرامة الطفل الذي يُختزل إلى مجرد “منتج”.