المطران سويف : حذّر من خطر رفض الآخر في مرحلة يقف فيها الجميع عند مفترق طرق

في أجواء من الصلاة والتقدير لمسيرةٍ جمعت التربية والإيمان والعطاء، ترأس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة، المطران يوسف سويف، قدّاسًا إلهيًّا في مزار مار أنطونيوس البادواني في كفرزينا، يوم الثلاثاء 29 أيلول 2026، بمناسبة تكريم الأستاذ غابي جبرايل، تقديرًا لمسيرته التربويّة والإنسانيّة ومبادرته إلى تشييد دار الراحة «روح الحياة» قرب المزار، لتكون بيتًا يحتضن المتقدّمين في السنّ ويوفّر لهم الرعاية والطمأنينة.
شارك في المناسبة الوزير يوسف فنيانوس، والوزير يوسف سعادة ممثّلًا رئيس تيّار المردة الأستاذ سليمان فرنجية، والسيّد تادي نادر ممثّلًا النائب طوني فرنجية، والأستاذ أنطوان بو عبدالله ممثّلًا النائب ميشال معوّض، والأستاذ روبير مكاري ممثّلًا النائب السابق جواد بولس، إلى جانب النوّاب الأسقفيّين والكهنة، ورئيس بلديّة كفرزينا، ورؤساء بلديّات ومخاتير وفاعليّات اجتماعيّة وتربويّة ورعويّة، وعائلة الأستاذ غابي جبرايل المحتفى به.
وفي عظته، توجّه المطران سويف إلى جبرايل بكلمات شكر باسم الكنيسة، مثنيًا على مسيرةٍ أصغى خلالها إلى صوت الله وسعى إلى تتميم مشيئته، ولا سيّما في المجال التربوي. وأكّد أنّ التربية الحقيقيّة تهدف إلى نموّ الإنسان في مختلف أبعاد حياته، فلا تكتفي بالعلم والمعرفة وتراكم المعلومات، بل تساعده على النموّ في الإيمان وروح الله، ليصبح ما يكتسبه من معرفة في خدمة الإنسان والخير.
واستعاد سويف بدايات مبادرة دار الراحة، التي طرحها جبرايل على صديقه منذ أيّام الدراسة، المثلّث الرحمة المطران جورج بو جوده، انطلاقًا من رغبته في تقديم مشروع يخدم كفرزينا والمنطقة وكلّ إنسان يحتاج إلى الراحة والرعاية مع تقدّمه في السنّ. وأشار إلى أنّ هذا المكان شُيّد بفضل ما قدّمه جبرايل من ماله وعلاقاته ومعارفه ومحبّته، معربًا عن الأمل في استكمال ما تبقّى من احتياجاته قريبًا، تمهيدًا لفتح أبوابه واستقبال المستفيدين.
وشدّد على أنّ الدار تحمل معنى البيت بما فيه من دفء وعائلة وانتماء، لتمنح من يدخلها راحةً داخليّة وجسديّة، وتشعره بالأمان والاحتضان. فالغاية منها أن يجد الإنسان مكانًا يعيش فيه بكرامة، محاطًا بالمحبّة والاهتمام.
وانطلاقًا من الإنجيل الذي تضمّن توبيخ يسوع لكورزين وبيت صيدا، دعا المطران سويف إلى الإصغاء لحضور الله والاستجابة لنعمته بتوبةٍ صادقة ومتجدّدة. وأوضح أنّ الوجود المسيحي في لبنان والشرق هو نعمة من الربّ ودعوة إلى الشهادة لمحبّته، بالكلمة والموقف وشهادة الحياة وخدمة الناس، مشدّدًا على ضرورة العودة اليوميّة إلى المسيح والانطلاق منه في كلّ عمل وعلاقة.
واعتبر أنّ دار الراحة المكرّسة على اسم القدّيس أنطونيوس البادواني تجسّد هذا الإيمان في قلب المجتمع، إذ ينبغي أن يخرج الإيمان من الداخل ليصبح علامات محبّة ورحمة وتضامن، خصوصًا في الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان. وأكّد أنّ قيمة المبادرة لا تُقاس بحجمها، بل بصدق المحبّة التي تحملها واستجابتها لحاجات الإنسان.
وفي تأمّله بمعنى الأمانة لله و«إكليل الحياة»، أشار إلى أنّ المحبّة هي المعيار الذي يكشف صدق الحياة الإيمانيّة، وأنّ الصلاة والخبرة الروحيّة تجد ثمرتها في ما يبنيه الإنسان من محبّة خلال حياته. وهذه المحبّة واسعة، ترفض التعصّب والانغلاق والكبرياء والأنانيّة، وتدعو إلى احترام كلّ إنسان في ملء كرامته.
وفي هذا السياق، شدّد سويف على ضرورة الحفاظ على لبنان بوصفه نعمةً ومساحة لقاء بين المسيحيّين والمسلمين، داعيًا إلى العيش معًا كعائلة الله الواحدة. وحذّر من خطر رفض الآخر في مرحلة يقف فيها الجميع عند مفترق طرق، مؤكّدًا أنّ الرسالة المسيحيّة تستدعي الانفتاح والتواصل واحترام الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. ودعا إلى أن تكون البيوت أماكن راحة، والقلوب مساحات سلام، والقرى والمجتمعات بيئات فرح واحترام متبادل.
وخلال الاحتفال التكريمي، أعلن المطران سويف تعيين الخوري يوحنا مارون حنّا مديرًا لدار الراحة «روح الحياة»، موضحًا أنّ مرسوم التعيين كان قد صدر، وأنّ المناسبة شكّلت المكان والزمان الملائمين لإعلانه أمام الجميع.
وتوقّف عند اسم «روح الحياة»، الذي اختارته العائلة انطلاقًا من المسيرة الروحيّة والإنسانيّة لوالدها، ورغبتها في منح المشروع هويّة تعبّر عن رسالته. وأبدى فرحه بهذا الاسم الذي يستحضر المعنى الإنجيلي المرتبط بالروح والحياة، ويعكس، بحسب تعبيره، روح الأستاذ غابي وروحانيّته ومسيرته.
كما استعاد محطّات من حياة جبرايل، من اختباره الروحي في الدير إلى حياته الزوجيّة والعائليّة ومسيرته التربويّة، وصولًا إلى هذا المشروع الذي يكمّل رسالته في خدمة الإنسان. ولفت إلى أنّ التربية تشمل نموّ الإنسان المتكامل في الروح والجسد والفكر والإحساس والعاطفة والمخيّلة والجمال، شاكرًا لجبرايل ما قدّمه من فكره وقلبه وماله.
وأكّد أنّ التكريم الحقيقي سيكتمل مع فتح أبواب الدار وخدمة كلّ رجل وامرأة يدخلان إليها، داعيًا إلى تضافر الجهود لاستكمال المشروع. وتحدّث عن أهميّة الصلاة المشتركة والاتّكال على عناية الربّ ورحمته، معتبرًا أنّ الإنسان مدعوّ إلى أن يكون خادمًا أمينًا يساهم بما يستطيع من محبّة وخير وسلام.
ورأى سويف أنّ استمرار المبادرات الخيّرة وسط الانهيار والألم يعبّر عن محبّة الله للبنان وعن روح التضامن بين أبنائه، مقيمين ومنتشرين. وأكّد أنّ رعاية الآباء والأمّهات الذين تعبوا وضحّوا من أجل أبنائهم هي فعل وفاء واحترام، واصفًا الدار بأنّها واحة إنسانيّة وروحيّة في طبيعة كفرزينا الجميلة.
ووجّه تحيّة إلى أهالي كفرزينا وأبناء المنطقة، داعيًا إلى مواكبة المشروع والمساهمة في نموّه بحسب الحاجات، ولو بعطاء بسيط على مثال «فلس الأرملة». وشدّد على التزام الشفافيّة المطلقة في إدارة الموارد، من خلال توثيق الإيرادات والنفقات وإصدار بيانات شهريّة توضّح مصادر الأموال وأوجه صرفها، بما يعزّز الثقة والشراكة والمسؤوليّة المشتركة.
وفي ختام المناسبة، قدّم المطران سويف إلى الأستاذ غابي جبرايل، باسم غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الميداليّة البطريركيّة عربون تقدير ومحبّة، شاكرًا له ولعائلته كلّ ما بذلوه، ومصلّيًا من أجل تمتّعه بالقوّة والصحّة لمتابعة رسالته.
وقد شكّل اللقاء شهادةً على أنّ المبادرات المنطلقة من الإيمان والمحبّة تستطيع، في قلب الأزمات، أن تفتح أبواب الرجاء، وأن تمنح الإنسان بيتًا للراحة ومكانًا يحفظ كرامته ويحتضن سنوات عمره بعناية ووفاء.