البابا يستقبل اللجنة الدولية للراهبات الدومينيكانيات التأمُّليات

“إن خدمتكنّ للكنيسة ثمينة: فواصلنها بثقة، في الشركة والتمييز، متحداتٍ من دون أن تصبحنّ متشابهات، وأمينات للتقليد ومنفتحات على الحداثة، ومتأملات لأنكنّ قادرات على أن تحملنّ العالم أمام الله” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى أعضاء اللجنة الدولية للراهبات الدومينيكانيات التأمُّليات
استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح يوم الأربعاء في القصر الرسولي بالفاتيكان اللجنة الدولية للراهبات الدومينيكانيات التأمُّليات وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة رحّب بها بضيفاته وقال يسعدني جدًا أن ألتقي بكنّ، بعد وقت قصير من الاعتراف بالفضائل البطولية لخادمة الله الأخت ماريا بيترا جوردانو، من رهبنة الوعّاظ، التي جعلت من الإيمان والدعوة ركيزتين ثابتتين في حياتها المكرّسة. ويمكن للإيمان والدعوة أن يوجّها أيضًا لقاءنا هذا، لكي نؤكد مجددًا أن الدعوة التأملية، في الروح الدومينيكاني وفي الكنيسة جمعاء، لا تقع على هامش الرسالة، بل هي قلبها النابض.
تابع الأب الأقدس يقول في الواقع، يتضح من كتابات جوردانو السكسوني، الخليفة المباشر للقديس دومينيك، كيف أن الراهبات، منذ البدايات الأولى، في الجماعات النسائية الأولى، وهنّ يكرّسن أنفسهن بصورة أساسية للصلاة التأملية والدراسة، كنّ يرافقن، بالتوبة، كرازة الإخوة، ويشاركنهم الموهبة الروحية نفسها. إن مبدأ القديس توما الأكويني، القائل إن الإنسان ينقل إلى الآخرين ثمرة تأمله، يستعيد حدس القديس دومينيك، الذي كان يرى أن كل كلمة في إعلان البشارة، لكي تكون صادقة، ينبغي أن تنبع من الصمت، والإصغاء، والصلاة، ومن علاقة عميقة بالله. فالتأمل هو «”نَفَس” علاقتنا بالله»، وهو وقفة صامتة نقبل فيها الكلمة ونسمح لها بأن تغيّرنا، وهي التي تتيح لنا أن نعرف، بصورة أكبر، الأشياء والأشخاص فيه، لكي نهب الآخرين بعد ذلك ما عشناه وفهمناه.
أضاف الحبر الأعظم يقول وهنا، بصورة خاصة، ثمة تذكير موجّه إليكنّ، يا رئيسات الاتحادات. فحضوركنّ في زيارات الأديرة وفي تنشيط الاتحاد، إلى جانب ما تقتضيه المسؤوليات الإدارية الضرورية، يجعلكنّ قبل كل شيء حارسات لهذه القيم. لقد علّمكنّ القديس دومينيك، الذي يُقال إنه كان يفضّل أن يتحدث مع الله أو أن يتحدث عن الله، أن تنمين في هذا الأسلوب. ولذلك، من الجيد أن تكون الزيارات أيضًا، وبشكل خاص، أوقاتًا للقاء المشترك مع الرب، في الصلاة، والإصغاء المتبادل، والتصحيح الأخوي، والمصالحة.
تابع الأب الأقدس يقول وفي هذا الصدد، يذكّركنّ قانونكنَّ بضرورة احترام قيمة أساسية في الحياة الديرية احترامًا دقيقًا: الصمت. فإذا ما نُمِّيَ هذا الصمت بأمانة، كان ثمينًا لكن، ليس فقط لحفظ مجمل الالتزام الرهباني وتعزيز السكينة في الدير، بل أيضًا للنظر إلى داخل ذواتكنّ، ولتكنّ منتبهات إلى الأخوات في الجماعة وإلى الآخرين في الخارج. إن ممارسة الصمت هي فعلٌ إرادي يشمل الإنسان بأسره، ويساعد على عيش علاقات راسخة، لأنها تكون مستنيرة بكلمة الله. إنه يخلق مساحات من الحرية والحقيقة، نحافظ فيها على الانتباه، ونصبح حساسات لصوت من “لا يُحسب له حساب”، وننضج في الحكمة والسخاء. وهذا الأمر مهم بصورة خاصة في عالم تطبعه السرعة، حيث ينبغي أن يكون كل شيء مرئيًا فورًا، وحيث يُراد ملء كل فراغ بسرعة. ففي الصمت تجد الأسئلة التي يطرحها كل إنسان على نفسه مجالًا للإصغاء، مع أنه ليس من السهل دائمًا أن يجد الإنسان وحده جوابًا عنها. ولذلك، من الضروري أن تقدّم جماعاتكنّ واحات من السلام الحقيقي والعميق، حيث يهدأ القلق الفوضوي المرتبط بالأمور الخارجية، وحيث يمكن للإنسان أن يصغي إلى صوت الله.
أضاف الحبر الأعظم يقول ثم إن خبرتكنّ كرئيسات اتحادات تقودكنّ إلى مواجهة أوضاع صعبة أيضًا: جماعات تشيخ، ووفيات تفوق عدد الدعوات الجديدة، وتراجع القدرة على العمل، وما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية، وإدارة ممتلكات كبيرة ومكلفة، وتحديات مثل التنشئة المشتركة، والتعددية الثقافية، وتنظيم هيكليّة الشركة. وهنا يتسلّل إغراء “روح البقاء”، التي تدفع إلى الانعزال وتقليص الالتزامات، في وهم أن القوى القليلة المتبقية يمكنها أن تكون كافية، لكي لا تعتمدنَ على الآخرين أو تُضطررن إلى إغلاق الأديرة. وأمام ذلك، أدعوكنّ لكي لا تطرحنَّ كثيرًا سؤال كيفية الحفاظ على الهيكليات التي تفرغ من أهلها. بل أصغين بالأحرى إلى ما يطلبه الروح اليوم من الحياة التأملية الدومينيكانية، وكنّ واعيات بأن هناك، قبل الأعمال التي ينبغي إدارتها، دعوةً ينبغي الاستجابة لها، ونارًا تشتعل ولا يجوز السماح لها بأن تنطفئ، كما كانت تقول القديسة كاترينا السيانية.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول أخواتي العزيزات، رغم مشاكل المرحلة الراهنة، لا تفقدنّ أبدًا الشجاعة. إن خدمتكنّ للكنيسة ثمينة: فواصلنها بثقة، في الشركة والتمييز، متحداتٍ من دون أن تصبحنّ متشابهات، وأمينات للتقليد ومنفتحات على الحداثة، ومتأملات لأنكنّ قادرات على أن تحملنّ العالم أمام الله. لتعلّمكنّ العذراء مريم، التي ندعوها في المسبحة الوردية المقدسة، أن ترين كل يوم عمل الرب غير المنظور، وبعون نعمته، أن تسكبنَ أيضًا على جراح البشرية في زماننا زيت التعزية وخمر الرجاء. أشكركنّ على العطيّة التي تمثّلنها، ومن صميم القلب أمنحكنّ فيض البركة الرسولية.