المطران سويف من مسجد الحسام في شكّا: كفى لبنان موتًا وخيارات موت… نريد لبنان الحياة والسلام

شارك راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف في افتتاح المعرض السنوي الثاني للمنتجات اليدوية، الذي أقامته لجنة مسجد الحسام في قاعة الرحمة التابعة للمسجد في بلدة شكّا، بحضور عدد من المرجعيات الروحية والرسمية والفاعليات الاجتماعية.
وافتُتح المعرض بمباركة مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور محمد طارق إمام، والمطران سويف، والمفتي السابق الشيخ مالك الشعار، الذين قطعوا شريط الافتتاح وجالوا بين أقسام المعرض، مطّلعين على الأعمال التراثية والحرفية والمنتجات المحلية اليدوية.
وكانت للمطران سويف كلمة وجدانية ووطنية وروحية، استهلّها بتحية الإسلام قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ثم وجّه تحية محبة وتقدير إلى المفتي إمام والمفتي الشعار، واصفًا إياهما بالأخوين والصديقين العزيزين، كما حيّا أصحاب الفضيلة والآباء الكهنة وممثلي المرجعيات الروحية والرسمية والقيّمين على تنظيم المعرض.
وأعرب سويف عن تقديره لكل من تعب وساهم في إعداد هذا اللقاء، معتبرًا أن المعرض، وإن كان يضم أعمالًا يدوية نابعة من القلب، يتخطّى البُعد الحرفي ليشكّل واحةً حقيقية للقاء والمحبة والأخوّة.
وقال: «هذه الواحة هي من أجمل الواحات التي التقيت بها خلال سنوات خدمتي الست في طرابلس والشمال. وهذا المكان عزيز على قلوب أبناء المنطقة جميعًا، كما أنه عزيز جدًا على قلبي، فأنا ابن شكّا».
ورأى أن اللقاء في مسجد الحسام يحمل دلالة وطنية عميقة، إذ يدعو اللبنانيين إلى تجديد العهد أمام الله والعمل من أجل شفاء الذاكرة الجماعية من جراح المآسي والحروب والصراعات والانقسامات.
وأضاف: «نجدّد العهد أمام الله بأن تُشفى الذاكرة من جراح المأساة والحروب والصراعات، وأن نكون عائلة لبنانية واحدة تتطلع إلى مستقبل زاهر»، مشددًا على أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا بالمصالحة واللقاء والعيش معًا، بعيدًا من كل ما يفرّق أبناء الوطن الواحد.
وتوقف المطران سويف عند المعنى الروحي لتحية «السلام عليكم»، موضحًا أن السلام ليس مجرد كلمة تُقال أو شعار يُرفع، بل عطية إلهية ومسؤولية إنسانية في آن واحد.
وقال: «بدأت كلمتي بالسلام عليكم، لأنني لا أستطيع، كمؤمن بالرب، إلا أن أنعم بسلامه. فالسلام نعمة وعطية من الله، وليس من الإنسان»، مستذكرًا قول السيد المسيح في الإنجيل: «طوبى لصانعي السلام».
وأكد أن الانتماء الديني الحقيقي لا يدفع الإنسان إلى الانغلاق أو الصراع، بل يجعله أكثر استعدادًا لتلقّي عطية السلام من الله وتحويلها إلى ممارسة يومية في المجتمع.
وتابع: «إن انتماءنا الديني العميق والكياني يجعلنا نتلقى عطية السلام من الله، مصدر السلام وملكه. وإذا أراد الإنسان حقًا أن يعيش بسلام، فعليه أن يفتح قلبه أمام ملك الملوك ورب الأرباب، وأن يكون من صانعي السلام في الليل والنهار، في ذهابه وإيابه».
وشدّد على أن العلاقة الصادقة مع الله تتجلّى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، قائلًا: «لا يمكن للإنسان أن يحيا مع الله إلا إذا كان علامة سلام ومحبة وغفران في المجتمع الإنساني».
كما تحدّث سويف عن رحمة الله، مؤكدًا أنها القوة التي تمنح الإنسان الحياة الحقيقية وتجعله قادرًا على الإحساس بالآخرين ومحبتهم والتضامن معهم.
وقال: «من دون رحمة الله نصبح كأننا هياكل عظمية؛ أشخاصًا يتحركون ولكن من دون حياة حقيقية. وبفضل رحمته ننمو ونشعر ونحب ونتضامن مع بعضنا البعض وننتبه إلى احتياجات بعضنا».
ودعا إلى عدم المرور بلا مبالاة أمام آلام الآخرين، ولا سيما الإنسان المجروح والمتروك على قارعة الطريق، الذي ينتظر يدًا تمتدّ إليه وكأس ماء ينعش قلبه، مضيفًا: «نحن مدعوون إلى أن نُظهر رحمة الله في حياتنا اليومية، وأن نحوّل إيماننا إلى محبة وتضامن وخدمة».
وتناول سويف معنى بركة الله، موضحًا أن البركة الكبرى التي يمنحها الله للإنسان هي نعمة الحياة والمحبة، لأن الله مصدر الحياة ونبع الحب.
وقال: «عندما نقول إن الإنسان نال بركة الله، فهذا يعني أنه نال نعمة الحب ونعمة الحياة. ومن هنا، فإن هذه الواحة التي نلتقي فيها في مسجد الحسام، في شكّا، وفي هذه المنطقة الجميلة من الكورة والشمال، هي من بركات الله علينا».
واعتبر أن هذه الواحة تجدّد المحبة في القلوب وتدعو الجميع إلى الشهادة لثقافة الحياة، قبل أن يطلق موقفًا وطنيًا دعا فيه إلى وقف مسار الموت والخيارات المدمّرة التي أثقلت لبنان.
وقال: «كفى لبنان موتًا، وكفى لبنان خيارات موت. نحن نريد لبنان الحياة، لبنان الذي يتطلع إلى الأمام، لا لبنان الذي يبقى أسير الحروب والجراح والانقسامات».
ولفت إلى أن حضور الشباب والصبايا ومشاركتهم في المعرض يشكّلان علامة رجاء، معتبرًا أن الأعمال التي أنجزوها بقلوبهم وأيديهم تؤكد استحقاقهم لحياة كريمة ومتجددة في وطنهم.
وأضاف: «هؤلاء الشباب والصبايا الذين يزيّنون هذه الواحة الجميلة، وما أنتجوه من قلوبهم وأيديهم، يثبت أنهم يستحقون أن يحيوا حياة متجددة في وطننا الحبيب لبنان».
وختم المطران سويف كلمته بتوجيه الشكر إلى جميع القيّمين على اللقاء، قائلًا: «شكرًا لهذا اللقاء المسائي، شكرًا لواحة الرحمة والسلام وبركات الله علينا، وكل مساء وأنتم بخير».