المطران سويف في عيد مار آسيا من تولا: شفاء المجتمع يبدأ من شفاء القلوب والعلاقات

ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، يوم السبت 26 أيلول 2026، القدّاس الإلهي بمناسبة عيد مار آسيا، في كنيسة مار آسيا في بلدة تولا، عاونه كاهن الرعيّة الخوري جوزيف أنطون ولفيف من الكهنة، بمشاركة أبناء الرعيّة والمؤمنين.
وفي عظته، هنّأ المطران سويف أبناء تولا في لبنان وبلدان الانتشار بعيد شفيع رعيتهم، معربًا عن فرحه بالاحتفال في هذه الرعيّة المباركة والمحبّة للربّ. كما شكر الأب جوزيف أنطون على الأيام التحضيريّة والتساعيّة التي سبقت العيد، وعلى دعوة كهنة الرعايا المجاورة للمشاركة في تهيئة الأجواء الروحيّة.
وأكد أن جمال الكنيسة يكمن في الشركة والمشاركة والمحبة واللقاء، قائلًا إنّه لا يمكن لأحد أن يعتبر نفسه كنيسة وينغلق على ذاته، لأن الكنيسة تعيش في قلب العائلة والرعيّة، وفي التعاون بين الرعايا وعلى امتداد الأبرشيّة والكنيسة الجامعة. وأضاف أن الكنيسة، رغم تعدّدها وتنوّعها، تبقى «واحدة، جامعة، مقدّسة ورسوليّة».
وتوقف سويف عند مشاركة عائلات الرعيّة في تقديم الورود خلال العيد، معتبرًا أن كل وردة تحمل معها صلاةً وبخورًا ونيّةً وشوقًا إلى الله، مشددًا على أن أجمل تقدمة ينتظرها الربّ هي قلب الإنسان، استنادًا إلى دعوته: «يا بنيّ أعطني قلبك».
كما بارك تكريس الأيقونة الجديدة لمار آسيا، المستوحاة من الأيقونة التاريخيّة الموجودة في الرعيّة، داعيًا إلى إعادة إحياء حضور الأيقونات في الكنائس والبيوت والاحتفالات الطقسيّة، لما تمثّله من عمق في التراث السرياني الماروني. وأوضح أن الأيقونة لا تُرسَم فحسب، بل «تُكتب»، لأنها بمثابة كتاب مقدّس ينقل كلمة الله إلى المؤمنين بالألوان والصور والرموز.
ودعا المطران سويف المؤمنين إلى الصلاة على نيّة زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر الراعويّة إلى فرنسا، من 25 إلى 28 أيلول، لكي تحمل ثمارًا روحيّة لفرنسا وأوروبا بأسرها، وتشكّل واحةً روحيّة وثقافيّة وإنسانيّة تسهم في تجديد الإيمان، ولا سيما في قلوب الشبيبة.
وشدّد على أن البابا والقدّيس والأسقف والكاهن ليسوا هم الهدف، بل إن رسالتهم تقود إلى يسوع المسيح المرفوع على الصليب، الذي افتدى الإنسان بموته ووهبه الحياة بقيامته. وقال إن كل إنسان مدعو، انطلاقًا من موقعه وخدمته والمواهب التي منحه إياها الله، إلى حمل الصليب وقيادة الآخرين نحو اللقاء بالمسيح.
وفي حديثه عن حياة مار آسيا، أوضح سويف أن قداسته بدأت من لقائه الداخلي واتحاده اليومي بيسوع، ومن شوقه الدائم إلى حضوره. ومن هذا الاتحاد نال نعمة الشفاء، مؤكدًا أن الربّ وحده هو الذي يشفي، فيما يصبح القدّيس، من خلال صلاته وروحانيّته وقداسته، أداةً لشفاء النفوس والأجساد.
وأشار إلى أن شفاء جراح الآخرين يبدأ عندما يفتح الإنسان قلبه أمام الله ويقول له: «يا ربّ، المس قلبي وجراحي فأُشفى». فعندما ينال الإنسان نعمة الشفاء، يصبح قادرًا على المساهمة في شفاء الآخرين المجروحين في أجسادهم ونفوسهم وعلاقاتهم وبيوتهم وعائلاتهم.
وتناول ثمار الشفاء، وفي مقدّمها الإيمان الثابت والخدمة والرحمة والمحبة، مستشهدًا بشفاء حماة بطرس التي قامت بعد شفائها وخدمت الحاضرين. وأكد أن الصلاة التي لا تتحوّل إلى رحمة ومحبة وقرب من الإنسان تبقى مجرّد ترداد للكلام، فيما يقود الشفاء الحقيقي إلى لقاء الآخر وخدمته.
وتوجّه المطران سويف بنداء صريح إلى أبناء القرى والرعايا والمجتمع اللبناني، محذرًا من تفاقم الانقسامات والخلافات ومن سهولة اللجوء إلى السلاح بسبب نزاعات عائليّة أو خلافات على الأراضي، حتى بين الأقارب وأبناء العائلة الواحدة.
وقال: «بدّنا نروق، بدّنا ناخد نَفَس، وبدّنا نرجع نفكّر إنّو أساس حياتنا هو يسوع المسيح، ومحبّة المسيح وغفرانه»، داعيًا إلى معالجة الأزمات بالحوار واللجوء إلى الطرق السلميّة الكثيرة المتاحة، من أجل بناء مجتمع سليم وآمن للأجيال المقبلة.
وأضاف أن المجتمع يحتاج إلى الشفاء من قساوة القلب واللامبالاة، مستلهمًا من حياة مار آسيا دعوته إلى محبة الأهل أولًا، ثم القريب والصديق، وصولًا إلى محبة الأعداء، لأن المحبة هي واحدة من أبرز ثمار الشفاء الذي يمنحه الله للإنسان.
وختم المطران سويف عظته بالتأكيد أن كنيسة يسوع المسيح هي الكنيسة الحاضرة إلى جانب كل إنسان متألّم ومجروح، لتقول له: «أنت لست وحدك، نحن إلى جانبك». ودعا المؤمنين إلى الاقتداء بمار آسيا من خلال اللقاء اليومي بالربّ، لكي يُثمر هذا اللقاء محبةً في الحياة الإنسانيّة وخدمةً لكل متألّم، ففي وجهه نلتقي وجه يسوع المتألّم والقائم من بين الأموات.