البابا لاوُن الرابع عشر يحتفل بالقداس الإلهي مختتمًا زيارته الرسوليّة إلى فرنسا

في عظته مترئسًا القداس الإلهي في كاتدرائية القديس إسطفانوس في مِتز الأب الأقدس يؤكد أن مستقبل أوروبا يكمن في “انسجام الاختلافات” ويدعو لقطع سلسلة الضغينة وسلوك درب المغفرة والمصالحة
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر يوم الاثنين القداس الإلهي في كاتدرائية القديس إسطفانوس في مِتز مختتمًا زيارته الرسوليّة إلى فرنسا وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها يسرّني جدًا أن أترأس هذه الذبيحة الإلهية، التي نكل فيها إلى الرب مسيرة جماعة أبرشية متز، ومسيرة أوروبا بأسرها. في هذه الأرض التاريخية على نهر موزيل، التي لم تتوقف يومًا عن كونها ملتقى للشعوب، والتي كانت حدودًا مؤلمة في أوروبا، يتردد اليوم وعد الله بقوة مميّزة.
تابع الأب الأقدس يقول في القراءة الأولى، يتحدث النبي أشعيا عن مجيء ملكوت الله بمصطلحات الحق والعدل والسلام. ويستعين بثلاث صور: الصحراء، والحديقة، والبيت. في الصحراء، مكان التقشف والصمت، يُقام الحق، أي الشريعة التي تساعد الإنسان على السير في طريق الخير. وهذه الصورة الصارمة تذكّرنا بأهمية الجوهر والبساطة، اللذين يتيحان لنا أن نعطي الأشياء قيمتها الصحيحة، وأن نتربّى في الوقت عينه على التخلّي والتضحية.
أضاف الحبر الأعظم يقول أما الصورة الثانية فهي الحديقة، حيث يسود العدل. فإذا كانت الصحراء مكان الجوهر والبساطة، فالحديقة هي مكان الجمال. هناك ماء، وتنفتح البذور، وتنبت البراعم، وتتفتح الأزهار، كلّ منها بنعمتها الخاصة. وهذا هو ثمَر الحياة المستقيمة، التي تتيح للإنسان أن يحقق ذاته تحقيقًا كاملًا، إذ يلتزم بحرية بمخططات الرب.
تابع الأب الأقدس يقول والصورة الثالثة هي البيت، مكان السلام. ولنلاحظ أنه إذا كانت الصحراء والحديقة سياقين تسود فيهما مبادرة الله، الذي يجعل النبات ينبت وينمو، فإن بناء البيت يتطلب، في المقابل، إسهامًا أكثر مباشرة وأهمية من جانب الإنسان، بتوظيف قواه وكفاءاته، ومن خلال جهد مشترك، أشبه ما يكون بـ “عمل في ورشة بناء”. وهكذا، فإن السلام، وهو عطية من الله، يتطلب جوابًا من البشر، في جهد مشترك. فالبيت، في نهاية المطاف، ليس مجرد بناء من الحجارة، بل هو مكان للحضور الإنساني والمحبة. ومن هذا المنطلق، تذكّرنا الكلمة النبوية بأن الوئام، في عالم مطبوع بالحدود، لا يُبنى إلا بالمحبة التي تعرف كيف تتقاسم الأفراح والآلام، وكيف تشجّع وتغفر، من دون حسابات أو حدود، كما في العائلة.
أضاف الحبر الأعظم يقول وهذا ما يحدثنا عنه أيضًا الإنجيل الذي سمعناه للتو. ففيما نشهد اليوم في العالم الكثير من العنف والتلاعب والتعالي، على مستويات مختلفة، يعلّمنا يسوع كيف نحوّل الصحراء إلى واحة، وكيف نغرس الحدائق ونبني البيوت. وهو يدلّنا على الطريق الذي يمرّ عبر المغفرة والرحمة وسعة القلب: “من لطمك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر. ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك، فاترك له رداءك أيضا. ومن سخرك أن تسير معه ميلا واحدا. فسر معه ميلين”.
تابع الأب الأقدس يقول قد تبدو هذه الكلمات لبعض الناس علامة ضعف، أو ربما استسلامًا أمام الشر؛ لكنها ليست كذلك إطلاقًا. فلننظر إلى داخلنا، في العمق، ولننظر من حولنا: ماذا تُنتج في العالم وفي ذواتنا مواقف مثل الانتقام، وردّ الصاع صاعين، والرفض؟ وأي مستقبل للبشرية توحي به العلاقات والأنظمة المطبوعة بالمنطق القاسي الذي تولّده هذه المواقف؟ أنتم، أبناء هذه الأرض التي مزقتها في الماضي صراعات بين الإخوة، تعرفون جيدًا أنه ليس صحيحًا أن من ينتقم هو أقوى من الذي يغفر. وليس صحيحًا أن من لا يتنازل هو أقوى من الذي يسعى إلى المصالحة. وليس صحيحًا أن من يغادر وهو يصفق الباب وراءه هو أقوى من الذي يبذل جهد السير مع الآخرين.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن متز ومنطقة موزيل تشهدان أمام العالم بأسره بأن المصالحة لا تصبح ممكنة إلا عندما نملك شجاعة قطع سلسلة الضغينة. ويتطلب الأمر قوة واتزانًا كبيرًا لكي لا نسمح للشرِّ بأن يغلبنا، ولا سيما عندما تكون الجراح التي أصابتنا عميقة. ولكن أمام الظلم، تكون درب الخلاص الوحيدة للإنسان، المحبة التي تعتني بالآخر وتسعى إلى منحه الثقة، بصرف النظر عن الظروف، حتى أمام التصرفات التي يصعب قبولها. وهكذا، يشكل الحق والعدل والسلام مراحل في مسيرة ارتداد، تبدأ شخصية ثم تصبح، شيئًا فشيئًا، جماعية، من أجل حضارة تحترم الإنسان وخالقه. وليس من قبيل الصدفة أن يعرّف القديس أوغسطينوس سلام المدينة السماوية بأنه شركة متناغمة، فيها يتمتع البشر بالله، وفيه يتمتع بعضهم ببعض. ويتحدث أيضًا عن السلام بين البشر كثمرة “طمأنينة النظام”، حيث يعترف كل إنسان في الآخَر بكرامة ودور فريدين ومقدسين ويحترمهما.
تابع الأب الأقدس يقول وهنا في مِتز، من الجيّد أن نتذكر أن هذه هي تحديدًا القيم التي بُنيت عليها، على مرّ القرون، أوروبا التي نعرفها، بتراثها الروحي والأخلاقي، قبل تراثها الاقتصادي والسياسي. وكما كان القديس يوحنا بولس الثاني يذكّر بتأثر، فهي تجد جذورها في حياة وعمل رجال ونساء عاشوا تعاليم الإنجيل وبشّروا بها وتقاسموها. ويشهد على ذلك الإسهام الروحي والثقافي، بل وحتى الزراعي والحرفي، الكبير الذي قدمته الحياة الرهبانية إلى تاريخ القارة، وكذلك عمل قديسين أمثال القديس الكبير كروديغانغو، راعي هذه الجماعة الذي لم يكلّ، والذي أعطى هنا بالذات، في “قانون الإكليروس”، شكلًا منظورًا للشركة الكنسية.
أضاف الحبر الأعظم يقول ومن هناك وصلتنا الأسس الأخلاقية للعالم الذي نعيش فيه: مبادئ مثل أولوية الشخص، وقدسية الحياة البشرية وحرمتها، في جميع مراحلها وفي كل ظرف؛ وحماية حرية الأفراد؛ والأهمية الأساسية للعائلة كأساس للمجتمع؛ والعناية بالفقراء والأشدَّ عوزًا؛ واستقبال الغريب؛ واحترام المسنين. إن كنيستكم المحلية، التي تحفظ الإرث الفريد لحوار خصب بين المجتمع المدني والإيمان، بحكم وضعها الخاص، تتحمل مسؤولية أن تكون مختبرًا حيًا لهذه الأمانة. ولم يكن الحفاظ على الأمانة لهذه الركائز أمرًا سهلًا، حتى بالنسبة إلى الذين سبقونا. ومع ذلك، وبالثبات والمثابرة، تركها لنا آباؤنا إرثًا ثمينًا، ككنوز ينبغي لنا بدورنا أن ننقلها إلى الأجيال المقبلة، وقد أغنيناها بخبرتنا، وبقيمة جهودنا، وبقصص حياتنا.
تابع الأب الأقدس يقول وتجسّد كاتدرائية هذه المدينة الرائعة، التي نحن فيها، هذا الأمر خير تجسيد: فهي تُعرف باسم “فانوس الله الصالح”، بسبب مساحتها البالغة ٦٥٠٠ متر مربع من النوافذ الزجاجية الملوّنة المصوّرة. ويبدو أن البنّائين أرادوا تقليص الجدران إلى الحد الأدنى، مع إبقائها صلبة ومتينة، لكي يتمكن النور من الوصول بوفرة إلى المؤمنين. وهكذا، يجد الداخل إليها نفسه غارقًا في “إنجيل للفقراء”، غني جدًا، يصبح مصدرًا للصلاة والتأمل من خلال انعكاسات ألف لون. وفي مكان النور هذا، ازداد بريق الزجاج الملوّن التاريخي، في الآونة الأخيرة، بعبقرية مارك شاغال. فأعمال هذا الرسام اليهودي الكبير، المثبّتة في جدران الكاتدرائية، تحوّل “فانوس الله الصالح” إلى رمز مسكوني استثنائي ورمز للحوار بين الأديان. وتقول لنا هذه الكاتدرائية إن نور الرب لا يلغي الخصوصيات، بل يجمع قصصًا وثقافات مختلفة في فسيفساء واحدة رائعة من السلام، وهي حاجة ملحّة في عصرنا الذي تمزقه انقسامات جديدة وصراعات جديدة. وإذ نتأمل هذه النوافذ الزجاجية، نتعلم أن مستقبل أوروبا لا يكمن في التماثل، بل في انسجام الاختلافات، حيث يصبح جرح الماضي شقًا يتسلل منه النور.
أضاف الحبر الأعظم يقول وفي هذا نجد رمزًا لهويتنا ككنيسة. فنحن أيضًا نستخدم هيكليات لا معنى لها إلا بمقدار ما تساعدنا على حمل نور الإنجيل إلى العالم. فلولا هذه النوافذ الزجاجية، لما كانت نوافذ كاتدرائية القديس إسطفانوس لتكون أكثر من مساحات تغمرها إضاءة ساطعة مبهرة. أما مع النوافذ الزجاجية، فهي تصبح كتبًا تجمعنا لكي نتذكر قصصًا رائعة، حافلة بالبطولة والخير والرحمة والمحبة والجمال الأخلاقي، ونحن مدعوون بدورنا إلى أن نكون شهودًا أسخياء وشجعانًا لها.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول هذه هي الأمنية التي أتقاسمها معكم، بامتنان وثقة، في ختام زيارتي إلى فرنسا، من أجل جماعتكم في متز، المدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون منارة رجاء لهذا البلد، ولأوروبا وللعالم، موكلاً إياها إلى صلوات العذراء مريم وقديسيكم شفعائكم.