البابا: المسيح هو ينبوع الماء الحي الذي يروي عطش الإنسان إلى المعنى والحقيقة

في عظته مترئسًا القداس الإلهي في ساحة لا كونكورد في باريس الأب الأقدس يدعو مؤمني فرنسا للارتواء من قلب المسيح وحمل الرجاء حيث يسود الجفاف الروحي
في إطار زيارته الرسوليّة إلى فرنسا ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر السبت القداس الإلهي في ساحة لا كونكورد في باريس حشد غفير من المؤمنين وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها: أشكر الله على النعمة التي منحني إياها بأن أكون هنا، في هذه الساحة، ساحة الكونكورد، لأحتفل بالإفخارستيا. نعم، ما أجمل وما أطيب أن يجتمع الإخوة والأخوات معًا لكي نعظّم عظمة الله! ليُسهم حضوري بينكم في تعزيز إيمانكم وتشجيعكم على أن تشعّوا وتنقلوا بلا انقطاع حياة ربنا يسوع المسيح الحبيب وسلامه ومحبته.
تابع الأب الاقدس يقول “إن عطش أحد فليقبل إليَّ”. أيها الإخوة والأخوات، إن جماعتنا العطشى تتجه نحو المسيح، ينبوع الماء الحي؛ الماء الذي يروي العطش ويُزهر الحياة، ماء محبة الله “التي أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وهب لنا”. إن التوق إلى الله يسكن في أعماق قلوبنا، ونحن نصرخ مع صاحب المزمور: “ظمئت نفسي إلى الله، إلى الإله الحي”. إنها صرخة إنسان متواضع ومفعم بالشغف، لا يكفّ عطشه الأكثر عمقًا ووجودية عن النمو. وها إن يسوع المسيح، بتجسّده، يأتي للقاء كل إنسان في تاريخه، ويكشف له عن نفسه بوصفه ينبوع الماء الحي الحقيقي القادر على إرواء عطشه. فالأمر لا يتعلق بعطش مادي، بل بعطش إلى المعنى، وإلى الحقيقة، وإلى الاكتمال، يسكن قلب كل إنسان. ويسوع يستجيب لهذا التوق العميق إلى العلاقة، وإلى الشركة مع الله، الذي يكمن فيه ملء الحياة إلى الأبد.
أضاف الحبر الأعظم يقول في القراءة الأولى، يرى النبي حزقيال الماء يخرج من الهيكل، وينتشر في الصحراء، فيطهّر كل شيء ويجعله خصبًا. وبعد ذلك، سيرى القديس يوحنا الماء يخرج من جنب يسوع المطعون، الذي يُسلم الروح. وهكذا يستطيع الجميع أن يرتووا من هذا الينبوع، لكي يولدوا من جديد وينالوا عطية الروح، فيصيروا أبناء الله، خلائق جديدة.
تابع الأب الاقدس يقول أيها الإخوة والأخوات، ينبغي أن نعترف بأن شيئًا هنا، في هذه الدنيا، لا يستطيع أن يُشبعنا بالكامل. فعندما نظن أننا أخيرًا أتممنا ما علينا وأن جهودنا قد كوفئت، كثيرًا ما يعود الفراغ الداخلي إلى الظهور، بل يكون أعمق من ذي قبل. وعندئذ، لكي نملأه، قد يحدث أن نبحث عن ملذات جديدة، وأن نرغب في امتلاك أشياء جديدة، وأن نفعل كل ما في وسعنا لكي “نستمتع”، فقط لكي لا نشعر بذلك القلق الداخلي!
أضاف الحبر الأعظم يقول تدعونا ليتورجيا الكلمة اليوم إلى أن نتفحّص قلوبنا: ما هو عطشنا الأعمق؟ ما الذي نبحث عنه حقًا في الحياة؟ نحن جميعًا نتوق إلى السعادة، وإلى الحب، وإلى تحقيق الذات. ولكن من أي ينبوع نحاول أن نروي عطشنا؟ هل نكتفي بالخيرات المادية، وبالإشباعات الآنية، وبالأصنام الصغيرة الكثيرة التي تعدنا بالكثير، لكنها تترك قلوبنا فارغة؟ لقد نلنا في المعمودية الماء الحي الذي يتحدث عنه الإنجيل، ولكن هل التقينا حقًا بالمسيح لقاءً شخصيًا؟ إنَّ الإنسان في الأساس كائن “يتوق”، والله وحده قادر على ملء هذا الفراغ الداخلي.
تابع الأب الاقدس يقول نعم، أيها الإخوة والأخوات، إن يسوع المسيح، الراعي الصالح، يقودنا، كما يقود الراعي خرافه، إلى ينبوع السعادة والسلام. هو يعرف كل واحد وواحدة منا باسمه. لا يخفى عليه شيء من أسرارنا، ولا من نوايانا، ولا من ضعفنا. هو يفحص أعماق قلوبنا. لقد بذل حياته من أجلنا، ولا يزال يبذلها من خلال الأسرار. ويحمل على كتفيه الخراف المتعبة أو الجريحة، ويعيد برفق تلك التي ضلّت الطريق. يكشف لنا يسوع محبة الله غير المشروطة لنا. ففي عينيه، لا أحد منا مجرد رقم في بطاقة هوية، ولا رمز تعريفي، بل هو شخص، شخص فريد لا يمكن الاستغناء عنه.
أضاف الحبر الأعظم يقول وإذ أراكم هنا مجتمعين، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أنتم ورثة تاريخ مقدّس طويل وجميل في فرنسا، أقول لكم: ارتووا أنتم أيضًا من هذا الينبوع، الذي هو قلب يسوع المطعون. نعم، أنتم عطاش إلى الله، وإلى الحياة، وإلى الحقيقة، وإلى الوحدة، وإلى السلام، وإلى الشركة، وإلى السعادة. إنكم تتوقون إلى اكتشاف أفق منير من جديد، وإلى بناء أمة متجددة انطلاقًا من جذورها التي يرويها الإيمان. لا تحتفظوا بإيمانكم بيسوع المسيح لأنفسكم فقط، بل دعوه يفيض منكم ليروي عطش الأشخاص الذين تلتقون بهم ويملأهم. إن مهمتكم هي أن تحملوا الرجاء حيث يسود الإحباط والجفاف الروحي. ففي الواقع، عندما نقبل أن نعيش في الحقيقة تحت أنظار يسوع، نستطيع أن نكون أصيلين، وأن ننظر إلى حياتنا بوضوح. إنها بالتأكيد هشة، وضعيفة، ومصيرها العبور بالموت، لكنها أيضًا رائعة، وعجيبة، وقادرة على أن تتجدد في علاقاتها وأن تنفتح على الحب الحقيقي.
تابع الأب الاقدس يقول “من آمن بي فليشرب كما ورد في الكتاب: ستجري من جوفه أنهار من الماء الحي”. وعندما نرتوي من الينبوع الذي هو قلب المسيح، نصبح نحن أنفسنا، كما كتب أوريجانوس، آبارًا وينابيع وأنهارًا للآخرين. فالمؤمن الذي يشرب منه يصبح بدوره ينبوع حياة، بفضل ارتباطه الوجودي بالمسيح، وينقل هذه الحياة نفسها إلى القريب.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لقد فاض ماء الروح القدس الحي بوفرة، ولا يزال يثمر في الكنيسة من خلال المرسلين والشهود في جميع الثقافات والشعوب. فهو يخصِّب كل ما يلمسه ويحوِّله، لكي يحمل ثمره، أي قداسة الذين يعبدون الله الحق ويخدمون الإخوة والأخوات بمحبة سخية. وفي هذا البلد الرائع، فرنسا، ارتوى كثيرون عبر القرون من هذا الماء الحي، وكرّسوا حياتهم بكاملها للخير: الشهداء الأوائل، مثل بلاندينا وبوتينوس وإيريناوس؛ والقديسون والقديسات مؤسسو الرهبانيات؛ والأساقفة القديسون، مثل مارتينوس وفرنسيس دي سال؛ والرجال والنساء الذين كانت قلوبهم حساسة لاحتياجات القريب، مثل منصور دي بول، وفريديريك أوزانام، وجان جوغان، وكثيرين غيرهم. واليوم أيضًا، هناك عدد كبير جدًا في مجتمعنا، وفي رعايانا، وفي مختلف نشاطاتنا، يواصلون الالتزام في سبيل الحياة، والأسرة، والحقيقة، والسلام، والأخوّة، والعدالة.
تابع الأب الاقدس يقول ومن هذه المدينة الجميلة، باريس، أصلّي بحرارة لكي ينتشر الماء الحي للروح القدس في فرنسا كلها. أفكر فيكم، أيتها العائلات العزيزة، التي، على الرغم من الصعوبات المتعددة التي تواجهونها كل يوم، تواصلون رسالتكم بشجاعة. أشكركم من صميم القلب على كل الخير الذي يتحقق من خلالكم؛ وليت حضور يسوع الملموس لا ينضب أبدًا فيكم! وأفكر فيكم، أيها الشباب الأعزاء: أنتم كنيسة اليوم! ما أجمل أن نرى حماسكم، وحيويتكم، والتزامكم، والفرح الذي تعيشونه داخل الجماعات المسيحية. وأفكر أيضًا فيكم، أيها الموعوظون الأعزاء والمُستجدّون في الإيمان، الذين تسلكون طريق الإيمان، والارتداد، والتنشئة المسيحية. فلتجعل عطية الروح القدس منكم شهودًا مستعدين لنشر حضارة المحبة من حولكم.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات، لنتوجّه إلى أم الله، ينبوع الخلاص، تلك التي تقود حياتنا إلى ابنها، صانع كل نعمة. فبـ “نعمها” الحرّة والواثقة، صارت الوديعة المتواضعة التي أرادها الله، والتي تجسدت فيها محبة الآب لكي تهب نفسها للعالم. فلنبتهل إليها بثقة، لكي تتفجّر، بشفاعتها، ينابيع الماء الحي في قلب شعب الله، ولتُزهر في كل مكان في فرنسا براعم الإيمان والرجاء والمحبة. آمين!