ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة، المطران يوسف سويف، مساء السبت 5 أيلول 2026، قدّاس عيد سيّدة أُمّ المراحم في مزار أُمّ المراحم في مزيارة، بمشاركة عدد من الكهنة والراهبات وحشد من المؤمنين.
وفي مستهلّ عظته، أعرب المطران سويف عن فرحه باللقاء في هذا المزار الذي أصبح مقصدًا للحجّ على مستوى لبنان وخارجه، شاكرًا العائلة التي بادرت إلى تشييده، ومستذكرًا المحسن الراحل مرسال الشاغوري، سائلًا الله أن يتغمّده ويحفظ عائلته. كما حيّا لجنة المزار والمرشد وكلّ العاملين على خدمته، مثنيًا على روحانيّتهم ومحبتهم وحسّهم الإداري، وعلى جهودهم في توفير مناخ يساعد المؤمنين على الصلاة والراحة في حضرة المسيح وأمّه العذراء مريم.
وتوقّف المطران سويف في تأمّله عند خمس نقاط أساسيّة تتمحور حول رحمة الله. وأكّد أولًا أنّ الإنسان لا يستطيع أن يحيا من دون هذه الرحمة، قائلًا إنّ الله لم يقبل أن يبقى الإنسان أسير الخطيئة والموت، بل تحرّكت أحشاؤه بالحبّ والرأفة، فبادر إلى خلاصه وإعادته إلى الحياة والشركة معه.
وأشار في النقطة الثانية إلى أنّ رحمة الله تجلّت بأبهى صورها في سرّ التجسّد، عندما «صار الكلمة جسدًا وحلّ بيننا». فمريم العذراء تقبّلت كلمة الله في أحشائها وقلبها وفكرها وكلّ كيانها، ومن خلالها صار الله إنسانًا، وبدأت للبشريّة ولادة جديدة. لذلك تُدعى مريم بحقّ «أُمّ الرحمة وأُمّ المراحم».
وفي حديثه عن الكنيسة، أوضح المطران سويف أنّها جماعة الذين آمنوا بالمحبّة والحياة الجديدة، وقد وُلدت من جنب المسيح المطعون على الصليب، حيث جرى الدم والماء، علامةً لولادة شعب العهد الجديد. وتتجدّد هذه الولادة في المؤمنين بماء المعموديّة والروح القدس، وفي كلّ مرّة يشاركون فيها في مائدة جسد المسيح ودمه.
وشدّد على أنّ رسالة الكنيسة في العالم هي إظهار رحمة الله والشهادة لها، ولا سيّما في زمن تسوده الظلمة والظلم والحروب. وقال إنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الحرب لا تولّد إلا الحرب، والعنف لا يولّد إلا العنف، والكبرياء لا تنتج إلا الحقد والبغض والانقسام. وأضاف أنّ الكنيسة لا تستطيع أن تنقل الرحمة إلى العالم إن لم يعش أبناؤها الرحمة في ما بينهم، لأنّ القساوة والكراهية لا تنسجمان مع حقيقة الكنيسة التي ينبغي أن تكون دائمًا على صورة مريم، مستشهدًا بقول المسيح: «طوبى للرحماء فإنّهم يُرحمون».
وفي النقطة الرابعة، دعا المؤمنين إلى أن يكونوا شهودًا فاعلين لرحمة الله أمام ما يشهده العالم من جراح وظلم وقساوة، ولا سيّما معاناة الأطفال والشعوب المتألمة بسبب الحروب. وأكّد أنّ هذه الشعوب تنتظر رحمة الله، لكنها تنتظر أيضًا رحمة الإنسان وتضامنه، مشدّدًا على أنّ قيمة الوجود الإنساني تكمن في أن يرحم الإنسان أخاه ويُظهر محبّة الله في حياة الآخرين.
وفي ختام تأمّله، شكر المطران سويف الله لأنّه لا يزال يفتقد لبنان برحمته، على الرغم من الصعوبات والإحباط والقلق من المستقبل. وقال إنّ الربّ لا يترك هذا الوطن، بل يرسل إليه علامات رجاء من خلال القدّيسين والطوباويين، وفي مقدّمهم الطوباوي الجديد البطريرك إلياس الحويّك، الذي شكّل بحياته ومبادراته نموذجًا للإنسان الذي اختبر رحمة الله وحوّلها إلى أعمال خير وبركة في المجتمع.
وختم المطران سويف عظته بدعوة المؤمنين إلى وضع همومهم وصعوباتهم وصلبان حياتهم أمام المسيح وأمّه الطاهرة، والصلاة من أجل المرضى والمتألّمين والمتضايقين واليائسين، كي يتجدّد شعب الله بنعمة الربّ وشفاعة العذراء مريم، ويصبح كنيسة ممتلئة من الرحمة وشاهدة دائمًا لمحبّة الله في العالم.
المطران يوسف سويف: الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون شاهدة لرحمة الله في عالمٍ أنهكته الحروب






