البابا: مريم هي فجر يوم جديد، فجر عالمٍ تحرّر أخيراً من الشر

في عظته مترئسًا القداس الإلهي بمناسبة عيد ميلاد سيّدتنا مريم العذراء من مزار “أم المشورة الصالحة” بجناتزانو، الأب الأقدس يؤكد أن حضور العذراء يحرّك التاريخ، ويدعو لرسم السلام في النفوس كي يُزهر في العالم
بمناسبة عيد ميلاد سيّدتنا مريم العذراء ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء الاثنين القداس الإلهي في مزار “أم المشورة الصالحة” في جناتزانو وللمناسبة ألقى الأب الأاقدس عظة قال فيها أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، كما تذكرون، “منذ الأيام الأولى لحبريتي شعرت بواجب ورغبة عميقة في التوجّه إلى جناتزانو، إلى مزار سيّدة المشورة الصالحة، التي رافقتني طوال حياتي بحضورها الوالدي، بحكمتها، وبمثال محبتها للابن، الذي هو دائمًا محور إيماني”. وها أنا أعود إلى هنا بفرح، لأحتفل معكم بعشية ميلاد العذراء الكليّة القداسة، ولأوكل إلى مريم الطفلة ما يولد من جديد في هذه البشرية الفقيرة والرائعة: هشًّا كبرعم، لكنه علامة على أمانة الله. نعم، مريم هي فجر يوم مختلف، فجر عالمنا الذي تحرّر أخيرًا من الشر. ونحن هنا بقربها، حول المذبح الذي يأتينا منه الخلاص، فيحوّلنا إلى أبناء في الابن. فلنطلب منها مشورتها الصالحة، لكي نقبل الكلمة الإلهية، ونحفظها في داخلنا، ونُخرجها إلى النور من خلال قرارات شجاعة وحكيمة، قرارات تنبع من ارتداد حقيقي.
تابع الأب الاقدس يقول أيها الأحباء، في هذا المكان الذي شهد حضورًا أوغسطينيًا عريقًا، سأعود إلى الصفحات البيبليّة التي تليت للتو، مستعينًا بالقديس تومازو دي فيلانوفا، الراهب والأسقف الأوغسطيني الذي، إذ كرّس حياته لخدمة الفقراء، تعمّق في حقيقة الإيمان. وقد استطاع أن يرى مفارقة الصِّغَر، بل لنقل التهميش، الذي كانت عليه مريم، والتي أصبحت في الوقت عينه في قلب تدبير الخلاص. ولنسأل أنفسنا: ماذا كان يعني، في زمن يواكيم وحنّة، ميلاد طفلة؟ إن القديس توما يتعمّق في الأمر فيقول: “لقد تأملت مرارًا – كما يكتب – وسألت نفسي لماذا يخبرنا الإنجيليون، الذين تحدثوا بإسهاب عن القديس يوحنا المعمدان والرسل، بإيجاز شديد عن حياة العذراء مريم، التي تفوق الجميع في قصتها وفي مكانتها الشخصية. لماذا، أتساءل، لم يُوصف لنا كيف حُبل بها، وكيف ولدت، وكيف تربّت، وما كانت عاداتها، وما هي الفضائل التي كانت تزيّنها، وما نوع العلاقة الإنسانية التي كانت تربطها بابنها، وكيف كانت تتعامل معه، وكيف عاشت مع الرسل بعد صعوده؟ كل هذه الأمور كانت مهمة، وكان المؤمنون سيقرؤونها بتقوى مميّزة، وكان عامة الناس سيجدون فيها ما يسرّهم. آه، أيها الإنجيليون، إني أتوجّه إليكم! لماذا حرمتمونا بصمتكم من فرح عظيم كهذا؟ لماذا أهملتم تفاصيل مفرحة مُنتظرة ومحبوبة كهذه؟”.
أضاف الحبر الأعظم يقول نجد في هذه الكلمات إشارة مهمة لإيماننا: أن نسائل الكتاب المقدس وكتّابه، وأن نحاور النص ونتبادل الحديث مع شهود الوحي، كما نتحدث مع الأصدقاء. فنحن، في الواقع، “من أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله”، ومن مريم نفسها نتعلم الذكاء الروحي الذي يتحاور مع الله، والذي يطرح الأسئلة، ويفسّر الأحداث، ويحفظها ويربطها ببعضها في القلب. غير أن إنجيل متى يبدو، بصمته، وكأنه يعطي القديس تومازو دي فيلانوفا حقه. لقد سمعنا ذلك: فهو يذكر حضور مريم، لكنه لا ينقل لها كلمة واحدة. ومع ذلك، فإن مجرد حضور مريم – والابن فيها – يحرّك التاريخ كله: تاريخ يوسف وتاريخ بيته بأسره. إن حضور مريم يُحدث، إذا جاز التعبير، قفزة في سلسلة النسب، كحداثة غير متوقعة، قادرة على تغيير ليس فقط التوقعات، بل أيضًا التصرفات التي كان يمكن أن يتوقعها أي إنسان. فما يسمعه يوسف، وما يقرره، وما يفعله، هو في الواقع استجابة لله ولحضور مريم، ولاختلافها المطلق، الذي يتجاوز كل خطاب وكل رواية ممكنة. ففي مريم يجد الخلاص بيتًا له: الله معنا!
البابا: مريم هي فجر يوم جديد، فجر عالمٍ تحرّر أخيراً من الشر
البابا: مريم هي فجر يوم جديد، فجر عالمٍ تحرّر أخيراً من الشر (@VATICAN MEDIA)
تابع الأب الاقدس يقول ويكتب القديس تومازو أيضًا: “أما بشأن هذه التأملات التي أشرت إليها، حول سبب عدم كتابة كتاب عن أعمال العذراء، كما كُتب عن أعمال بولس، […] فلا يخطر ببالي إلا أن الأمر كان هكذا لأن الروح القدس شاء ذلك، وأن الإنجيليين، بوحي منه، التزموا الصمت بشأنها، لسبب بسيط هو أن مجد العذراء، كما نقرأ في المزمور، كان كله في داخلها، وكان يمكن تخيّله أكثر مما يمكن وصفه، وأنه، كخلاصة لتاريخها، يكفي ما عبّر عنه العنوان: منها وُلد يسوع. ماذا تريد أن تعرف أكثر؟ ماذا تبحث عنه أكثر في العذراء؟ يكفيك أن تعرف أنها أم الله”.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لنجرّب أن نشعر بشيء من الدوار أمام هذا السر: فمن المستحيل أن نعتاد عليه! نحن نحتفل بميلاد طفلة دُعيت لتصبح أم خالقها، أم الله الذي يخلّص. ومع ذلك، فهي مجرد طفلة ولدت، مثل البنات والحفيدات اللواتي نحملهُنَّ بين أذرعنا. نحن اليوم نمنحها ألقابًا نبيلة وسامية، ألقاب السيدة والملكة، لكن درب الله كان ولا يزال أبسط وأكثر صمتًا، من دون أن يكون أقل قوّة أو أقل قدرة على التغيير. إنه درب يسوع نفسه، “البكر لإخوة كثيرين”. وهكذا، مثل مريم، نحن أيضًا “قد سبق أن قضى بأن نكون على مثال صورة الابن”: بالنعمة، بالتأكيد، لكن أيضًا من خلال الرغبة في دربه، وخياراته، ومسيرته، وتفضيلها على سُبل أخرى. في يسوع المسيح، اختار الله أكثر الظروف التاريخية تواضعًا، واختار أكثر خلائقه تواضعًا، لكي يكشف أصالة ملكوته، الذي لا مكان فيه للتسلّط، وحيث القدرة المطلقة هي خلق الحياة وخدمتها والعناية بها.
تابع الأب الاقدس يقول ويضيف القديس تومازو دي فيلانوفا: “أطلق العنان لمخيلتك، ووسّع حدود فهمك، وارسم في أعماق نفسك شابةً طاهرة، حكيمة، فائقة الجمال، شديدة التقوى، متواضعة، ووديعة، ممتلئة من كل نعمة، وغنية بالقداسة، مزينة بكل الفضائل، متألقة بكل المواهب، ومرضية تمامًا لدى الله؛ عظّم صورتها قدر استطاعتك، وتخيّلها بقدر ما تستطيع”. يدعونا القديس توما إلى ممارسة تمرين الخيال الرائع هذا. ويلاحظ قائلًا: “إن الروح القدس لم يصفها كتابةً، بل انتظر منك أن ترسمها في داخلك”. أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، هكذا هو الأمر تمامًا: ففي الصلاة التأملية يتجسد ما لا يخبرنا به العالم، ولكنه موجود بالفعل؛ ما لا يزال غير مرئي، ولكنه يحمل في طياته نوعًا جديدًا من القوة. لا يتعلق الأمر بالخيال، بل بالنبوءة. ونحن بحاجة إلى ذلك، في أزمنة الدمار وعدم اليقين، لكي نرى عمل الله ونخدمه.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لقد أدرك النبي ميخا، في بيت لحم الصغيرة، بزوغ ملك السلام، الذي بفضله يسكن الناس الأرض أخيرًا بأمان. واليوم، في صلاة الجماعة، وإذ توجّهنا إلى مريم الصغيرة، طلبنا أن “يكون لنا ذكرى مولِدِها مصدرَ سلامٍ أوفر وأسمى”. نعم، أيها الأحباء، نريد أن نتخيّل السلام – أن نوسّع حدود فهمنا وأن نرسمه في نفوسنا – لكي ندرك أنه موجود بالفعل، ونقبله ونخدمه. إنه عطية الله، ونَفَس القائم من بين الأموات، وعمل الروح القدس. فلنسمح للسلام بأن ينمو في داخلنا. وسوف يُزهر في العالم. وسترافقنا أمّ المشورة الصالحة في هذه الرسالة.