الأب فرانشيسكو يلبو في حديث لوسائل إعلام الفاتيكان من ملتقى ريميني: “جميع الطرق التي تُسلك عبر السلاح لا تؤدي أبداً إلى سلام حقيقي، كما أنها لا تؤدي أبداً إلى أمن حقيقي”
“إنَّ الوضع مأساوي، ويشوبه صعوبة كبيرة، ومعاناة شديدة…” بهذه الكلمات التي تزن كالحجارة، استهلّ الأب فرانشيسكو يلبو، حارس الأراضي المقدسة، حديثه، ممتلئاً بسكينة وإيمان يتجاوزان ركام الأزمات. وفي حوار خاص مع وسائل إعلام الفاتيكان من أستوديو راديو الفاتيكان، يفتح الأب يلبو قلبه ليرسم ملامح الرجاء وسط آلام المنطقة.
في جوابه على السؤال حول كيف يعيشون اليوم هذه المرحلة في إطار الحرب الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران، والوضع المأساوي في غزة، والوضع في الضفة الغربية قال الأب يلبو إنَّ الوضع مأساوي، ويشوبه صعوبة كبيرة، ومعاناة شديدة؛ فالناس متعبون جدًّا بعد أشهر من النزاع والتوتر، حيث لا تُرى أي بارقة أمل لمستقبل جيد. ولذلك فهناك أيضاً تعب شديد، ومعاناة كبيرة، واستقطاب حاد. إنَّ الناس في الضفة الغربية يعانون، ولا يملكون عملًا. هناك أزمة اقتصادية كبيرة وكل هذا يثقل كاهل العائلات، التي بدأت تفكر بجدية في مغادرة هذه الأرض.
تابع حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول المعنى العملي لكلمات البابا حول الحاجة إلى بناء سلام مجرَّد من السلاح ويُجرد من السلاح في هذا السياق المأساوي والقاسي وقال إنَّ جميع الطرق التي تُسلك عبر السلاح والحرب لا تؤدي أبداً إلى سلام حقيقي، كما أنها لا تؤدي أبداً إلى أمن حقيقي. والحق في الأمن هو حق مقدس للجميع. غير أن الأدوات للوصول إلى الأمن والسلام لا تمر أبداً عبر طريق السلاح أو العنف، بل دائماً عبر طريق السياسة، والدبلوماسية، ولاسيما الحوار، وهو طريق يتطلب بوضوح جهداً أكبر وربما يحتاج وقتاً أطول: ولكنه الطريق الذي يؤدي حقاً ويمكنه أن يؤدي إلى سلام ليس عادلاً فحسب، بل ومجرّد من السلاح أيضاً.
أضاف حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول حل الدولتين الذي يبدو اليوم شبه مستحيل وكيف يمكن تحقيقه وقال أولاً، هذا الحل هو الوحيد المطروح على الطاولة حتى اليوم، إذا لم تكن هناك حلول أخرى أو فرضيات أخرى. فهذه هي النقطة الأولى. والنقطة الثانية هي أن الإشارة إلى هذا الحل كطريق ممكن هو شيء، وفهم كيفية تحقيقه هو شيء آخر، لأنه أمر معقد جداً وصعب للغاية من الناحية الموضوعية. ومع ذلك، يجب البدء من فرضية، وقبل كل شيء البدء باتخاذ الخطوات الأولى، لكي يمكن حقاً تطبيق حل عملي، حقيقي وواقعي في أوقات لن تكون قصيرة حتماً. ولكن يسترعي الانتباه هذا الإصرار، لأنه يبدو مستحيلاً حقاً، ولكنه الخيار الوحيد – بحسب علمي – القادر على مراعاة الخير لكلا الشعبين.
تابع حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول كيف يعيش شخصياً هذه المرحلة وكيف يمكن أن نتحرك كمسيحيين لبناء السلام عملياً في الأرض المقدّسة وقال أولاً، يجب الحفاظ على قلب نقي غير ملوث بفيروس الكراهية والحقد، وهو الأمر الأكثر صعوبة. عندما أفكر في دوري في حراسة الأماكن المقدسة، والحجارة الحية للجماعة المسيحيّة، أعتقد أن ذلك يعني حراسة القلوب: قلوب تبقى مفتوحة، ومشرعة للإنجيل، وجمال الإنجيل، ودرب الإنجيل. وهو درب مختلف تماماً، يبدو في الظاهر مهزوماً وفاشلاً. ولكنه يشهد ويوثق لنصر؛ إنه درب الصليب، الذي لا يريد أحد مواجهته أو حمله بأي شكل من الأشكال، ولكنه الدرب الوحيد الذي – كما يشهد إيماننا – انتصر في النهاية.
أضاف حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول كيف هي حياة المسيحيين، وإلى أي مدى يتشاركون مصير الشعب الفلسطيني وقال إن وضع ومصير المسيحيين في الضفة الغربية هو نفس وضع ومصير جميع السكان، وجميع الفلسطينيين الذين يعيشون في الجانب الآخر. من الطبيعي أن يكون لدينا اهتمام خاص بجماعتنا، وبمسيحيينا، لكن الوضع يستمر في كونه مأساوياً ومحفوفاً بالظلم والمعاناة. أعتقد أن مهمتنا كانت وستظل هي البقاء إلى جانبهم، وألا نجعلهم يشعرون بأنهم وحدهم، وأن نشعر بأننا مشاركون في نفس المصير، ونفس القدر، ونفس الرجاء أيضاً.
تابع حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول كيف عاش الدعوة لتولِّي مهمة حارس الأراضي المقدسة وقال كنت أعلم أنه أمر شاق، ولكن بعد عام يجب أن أقول إنه أشق بكثير مما كنت أتوقعه. لكن أثرت فيّ رسالة أرسلها إليّ الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في نفس يوم تعيينِي. كتب لي أنني سأكتشف مع الوقت ثقل هذه المهمة وهذه الخدمة. ولكنه أضاف: تذكر أنك في الوقت عينه ستتمكن أيضاً من اكتشاف نعمة الأماكن المقدسة. وهذا صحيح. يجب أن أعترف: تتزايد التحديات، وتتزايد المسؤولية، ويزداد أيضاً الشعور بالعجز، لأنه من الموضوعي أننا لا نملك الحل لكل شيء ولا نملك القدرة على تغيير كل شيء، أو على الأقل في الحاضر الفوري كما نتمنى جميعاً. ولكن في الوقت عينه يتزايد الوعي بأن هناك نعمة تسبقنا، وهي أكبر منا، تسندنا وتسندني أيضاً في هذه الخدمة. إنها خدمة أكبر موضوعياً مما يمكن لأي شخص بشري أن يقوم بها بمفرده.
أضاف حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول ما هي المشاعر التي يلمسها لدى الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني وحول إن كان يرى تنامياً في التطلع إلى السلام وقال نحن نلاحظ، من هذا الجانب وذاك، الكثير من الجمعيات، بل والأصدقاء، الذين يسلكون ويناضلون من أجل طريق مختلف، وهذا أمر مؤثر جداً بحق. نحن نشعر ونعيش تضامناً حتى من قِبل الكثير من الأشخاص في العالم اليهودي كما في العالم الإسلامي. ولذلك فهناك ما يشبه عدم قابلية الاختزال للإنسانية، التي تسكن قلب كل انسان بغض النظر عن الدين أو الثقافة، والتي ترغب وتخاطر — لأنها مخاطرة كبيرة اليوم، حيث يوجد خطر سوء الفهم أو التفسير الخاطئ أو الاستغلال — لتوثيق والشهادة لطريق آخر، وإمكانية أخرى. والشغل الشاغل لدينا هو عدم التعميم أيضاً، لأنّه لا يمكننا أن نسمح لأعمال العنف، والتصرفات الجائرة والقرارات السياسية بأن تتحول إلى مشاعر معاداة للسامية: سيكون ذلك أكثر خطورة، ومأساة داخل المأساة. علينا أن نعرف كيف نُميِّز، وعلينا أيضاً أنعرف كيف نُقرّ بوجود رغبة وتوق إلى التعايش، حتى وإن كانت تشكل أقلية.
تابع حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول كيف يمكننا أن نساهم في بناء السلام رغم كوننا بعيدين عن مسارح الحرب وقال وحده من يعيش الحرب لا يعتاد على الحرب. بالنسبة لمن هو بعيد، ربما هناك تأثُّر لحظة أمام الصور المأساويّة، وينشأ شعور بالقرب. أعتقد أن الخطوة الأولى هي الاستمرار في متابعة الأخبار والاطلاع. وكذلك الخدمة التي تقوم بها وسائل إعلام الفاتيكان، تماماً مثل العديد من المؤسسات الإعلامية الأخرى، التي تسلط الضوء على مختلف النزاعات والمواقف المأساويّة للظلم. بالنسبة للمسيحي، ولكل رجل وامرأة ذوي إرادة صالحة، فإن التزامهم الأول هو الاطلاع والتوثق. وهذا الأمر يتطلب تضحية، لأنه لا يمكن الاكتفاء بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو بعنوان صحيفة: فهناك خطر البقاء داخل رواية موجهة لخلق المزيد من الاستقطاب، وهي إحدى مشاكل النزاعات في العقود الأخيرة. لا يمكن للمرء أن يحب ما لا يعرفه. ومن المعرفة والمعلومات يشكل المرء حكماً ويبقى قريباً، حتى روحياً، من هذه الحالات.
أضاف حارس الأراضي المقدّسة مجيبًا على السؤال حول كيف يؤثر تبسيط الواقع في عصرنا الحالي على قدرتنا على فهم مشاعر الآخرين ومعاناتهم وقال من الأساسي جداً أن نضع أنفسنا في إصغاء حتى لألم الآخر، وأن نتمكن من الاصغاء لدموع الآخر أيضاً. قبل بضع سنوات نشرنا كتاباً، كدار نشر حراسة الأراضي المقدسة، حول واقع جمعية “دائرة الوالدين”، وهي الجمعية التي تجمع أقارب الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين، الذين يقيمون روابط معاً، بعد أن تعرض كلاهما لفقدان مأساوي. ويقولون: إنَّ دموعنا لها نفس اللون. والوصول إلى هذا النحو هو نعمة، لأن من يعاني من ألم كبير يخفض عينيه حتماً، ولا يرى سوى جرحه الخاص، ولا يكترث لجرح الآخر. ولكن عندما تحدث هذه النعمة برفع النظر، تحدث المعجزة الحقيقية. اليوم أدرك حقاً أنه من المبكر التحدث عن الحوار، وأرى أنني لا أستطيع حتى المطالبة بالاعتراف بألم الطرف الآخر. أدرك أن مهمتي، ومهمتنا في هذه اللحظة، هي الإصغاء. اليوم الحوار هو أن نصغي بشكل خاص. أن أُصغي لألمك، وأن أُصغي إليه حتى النهاية، لكي تتمكن من رؤية أنه كما أُصغي إليك، ربما ستتمكن أنت أيضاً يوماً ما من أن تصغي لألم شخص آخر.
وخلص الأب فرانشيسكو يلبو، حارس الأراضي المقدسة حديثه لوسائل إعلام الفاتيكان مجيبًا على السؤال حول ما هو المكان الذي يؤثر فيه أكثر من غيره في الأرض المقدّسة، من وجهة نظر النظرة الإنجيلية وقال أقول ببساطة شديدة إن أحد الأماكن التي أنا مرتبط بها أكثر من غيرها هو كفرناحوم، لأنه مكان الحميمية والألفة والحياة اليومية. لا يمكنني إلا أن أتأثر بفكرة أن يسوع يدخل بيت بطرس، ويشفي حماة بطرس، ويبقى معهم، وينام بين تلك الجدران. إنَّ ابن الله هو هناك، في ذلك البيت. يؤثر فيّ كثيراً أن أصل وأقرأ: “كفرناحوم، مدينة يسوع”. لقد كان يسوع من الناصرة، ولكن كفرناحوم أصبحت مدينته، لأنها المكان الذي اختار فيه أصدقاءه، ودعاهم، وعاش معهم. وهذا أحد الأماكن التي تتحدث أكثر من غيرها إلى دعوتي.
حارس الأراضي المقدسة: وحده من يعيش الحرب لا يعتاد عليها






