ضرب زلزال عنيف جزيرة فلوريس الإندونيسية، مخلفاً كماً كبيراً من الدمار والخسائر البشرية، فيما تتواصل جهود الإنقاذ والإغاثة في المناطق الأكثر تضرراً. وفي وقت تجاوز فيه عدد الضحايا الخمسين قتيلاً، ارتفع عدد النازحين إلى نحو خمسة آلاف وتسعمائة شخص، بعد تدمير أكثر من تسعمئة منزل، فيما تواجه فرق الإغاثة صعوبات بسبب الهزات الارتدادية وانقطاع الكهرباء وتعطل الاتصالات في عدد من المناطق.
الزلزال، الذي بلغت شدته سبع فاصلة سبع درجات على مقياس ريختر، ضرب شرق إندونيسيا، ملحقاً أضرارا جسيمة لاسيما في جزيرة فلوريس. وفي المناطق المتضررة، لم تقتصر الخسائر على المنازل والمباني العامة، بل طالت أيضاً عدداً كبيراً من الكنائس والكنائس الصغيرة التابعة للأبرشيات المحلية.
وسط هذه المأساة تحاول الكنيسة الكاثوليكية أن تكون إلى جانب السكان، ليس فقط من خلال المساعدات المادية، بل أيضاً عبر رسالة تضامن ورجاء. أسقف أبرشية روتنغ، سيبريانوس هورمات، تحدث عن حجم المعاناة التي خلفها الزلزال، واصفاً المشهد بأنه دمار وخراب ودموع وألم عميق. لكنه، في الوقت نفسه، شدد على أن لحظات الضعف والمحنة يمكن أن تكون مجالاً لاختبار حضور نعمة الله.
وقال سيادته إن الزلزال ولد معاناة هائلة، لكنه دعا السكان إلى عدم فقدان الرجاء، مؤكداً أن الله سيحمل إلى هذا الظلام فجراً جديداً. تأتي هذه الكلمات في وقت يعيش فيه آلاف الأشخاص حالة من الخوف وعدم الاستقرار، بعدما فقد كثيرون منازلهم أو اضطروا إلى مغادرتها بحثاً عن أماكن أكثر أمناً.
ميدانياً بدأت أبرشية روتنغ بتوزيع المساعدات الطارئة على السكان المنكوبين من خلال الرعايا المحلية. كما جرى توفير خيام للنازحين وللمرضى الذين تم إجلاؤهم من المستشفى الإقليمي. ومع استمرار الهزات الارتدادية، طلب الأسقف هورمات إقامة القداديس في الهواء الطلق وفي أماكن آمنة، بدلاً من التجمع داخل الكنائس التي قد تكون تضررت أو أصبحت غير آمنة.
تتميز جزيرة فلوريس بخصوصية دينية داخل إندونيسيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، إذ يشكل الكاثوليك غالبية السكان في الجزيرة. ولذلك تلعب الكنيسة، عبر أبرشياتها ومؤسساتها الخيرية، دوراً مهماً في الاستجابة للكوارث ومساندة المجتمعات المحلية. في هذا السياق، أعلنت كاريتاس إندونيسيا تعبئة واسعة من أجل مواجهة آثار الزلزال المدمر. وقال المدير التنفيذي للهيئة الخيرية الكاثوليكية، فريدي رانتي تاروك، إن مجلس أساقفة إندونيسيا عبّر عن دعمه الكامل للجهود الإنسانية، مؤكداً أن الكارثة تدعو الكنيسة إلى التحرك من خلال المحبة والتضامن المسيحي.
وقد فعّلت كاريتاس مستوى الاستجابة الثالث، أو المستوى البرتقالي، وبدأت فرقها العمل على تقييم الأضرار، وجمع المعلومات والبيانات، وتنسيق عمليات الإغاثة. كما أقيمت نقاط للمساعدة الإنسانية في أربع أبرشيات من أكثر المناطق تضرراً، وهي إندي، وماوميري، وروتنغ، ولابوان باجو.
فيما يتعلق بالإمدادات، تم إنشاء نقاط عبور لوجستية في مدينتي سورابايا وكوبانغ، بهدف تسهيل نقل التبرعات والمستلزمات الأساسية إلى جزيرة فلوريس من مناطق أخرى في إندونيسيا. وتشمل هذه الجهود المساعدات الغذائية والمياه والمستلزمات الصحية، إلى جانب توفير المأوى المؤقت للنازحين.
أما في أبرشية إندي، وهي من أكثر المناطق التي تعرضت للزلزال، فقد بدأت فرق متخصصة بتقييم الأضرار في عدد من الرعايا، من بينها ندونا ومورولي وأيرامو وأيميري. وفي أيميري انهارت إحدى الكنائس، بينما تحولت إحدى رعايا أيرامو إلى مأوى مؤقت لكبار السن الذين اضطروا إلى النزوح من منازلهم. وفي ماوميري، تعمل كاريتاس بالتعاون مع السلطات المحلية والصليب الأحمر الإندونيسي لتوفير مياه الشرب والطعام والحقائب الصحية للسكان المتضررين، خصوصاً في ظل حالة التأهب المرتبطة باحتمال حدوث تسونامي.
وفي محلة روتنغ، فقد لحقت أضرار كبيرة بأكثر من خمسين كنيسة، من بينها الكاتدرائية. وفي محيط المستشفى الإقليمي، أقامت كاريتاس خياماً للطوارئ، وتشارك في عمليات إجلاء المرضى، في وقت لا تزال فيه انقطاعات الكهرباء تزيد من صعوبة الوضع داخل المنشأة الصحية. ولا تقتصر مهمة الكنيسة في هذه المرحلة على توزيع المساعدات، بل تسعى أيضاً إلى تنسيق جهود مختلف المؤسسات والأبرشيات، بحيث تصل الاستجابة إلى أكبر عدد ممكن من المتضررين. وتلخص كاريتاس هذه الرؤية بعبارة واضحة: كنيسة واحدة، واستجابة واحدة.
مما لا شك فيه أن التحدي الأكبر يتمثل في تأمين الاحتياجات الأساسية للآلاف الذين فقدوا منازلهم، ومساعدة المصابين والمرضى، وتوفير أماكن آمنة للعائلات، في انتظار أن تستقر الأرض وتبدأ مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
زلزال إندونيسيا: الكنيسة تسعى لأن تكون علامة للتضامن والرجاء وسط الدمار






