جائزة «دون تونينو بيلّو» للكاردينال بيتسابالا: نبوءة السلام والانحياز إلى المهمّشين

في أليسانو، مسقط رأس المطران تونينو بيلّو والمكان الذي وُوري فيه الثرى، منحت «مؤسسة دون تونينو بيلّو»، في 13 آب 2026، وعلى لسان رئيسها جانكارلو بيتشينّي، جائزة «دون تونينو بيلّو» المرموقة لبطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا.
وهذا التكريم يتجاوز بكثير مجرد الطابع الرسمي، إذ يعكس تقاربًا روحيًا وعمليًا بين الصوت النبوي لدون تونينو، أسقف مولفيتا الراحل والرئيس السابق لحركة «باكس كريستي»، وبين شهادة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا اليومية والمؤلمة، بوصفه شاهدًا للسلام في أرض مقدسة تمزقها صراعات وأعمال عنف يصعب وصفها.
والمونسنيور أنطونيو بيلو، المعروف باسم دون تونينو بيلو (1935–1993)، هو أسقف إيطالي تولّى رئاسة حركة «باكس كريستي» في إيطاليا، ويُذكر خصوصًا لالتزامه إلى جانب الفقراء والمهمّشين والأشد ضعفًا، ودعوته إلى ما كان يسميه «كنيسة المئزر»، أي كنيسة فقيرة وبسيطة تضع نفسها في خدمة الآخرين. وكان شخصية ذات بُعد نبوي، دافع باستمرار عن اللاعنف والحوار والسلام، فيما تركت كتاباته أثرًا عميقًا في الروحانية والثقافة المعاصرتين.
كنيسة «منحازة» إلى جانب المتألمين
في حيثيات منح الجائزة الرسمية، التي تلاها جانكارلو بيتشينّي، برزت بقوة صورة كاردينال لم يتنصّل من واجب قول الحقيقة، مجسّدًا رسالته في أن يكون «حارسًا لأماكن الرب، ولكن بالأحرى حارسًا لأعضاء جسد الرب». وفي مشهد شرق أوسطي تطبعه الكراهية والمواجهة المسلحة، عرف البطريرك كيف يتخذ موقفًا واضحًا، لا بهدف الانقسام، بل من أجل حماية الضعفاء.
واستذكر بيتشينّي، مستلهمًا تعليم دون تونينو بيلّو، أن الكنيسة مدعوة، أمام الظلم، إلى التخلي عن راحة الحياد، فقال: «كما يقول لنا دون تونينو، ولا سيما في بعض الظروف، على الكنيسة أن تكون “منحازة، وأن تتخذ موقفًا”، وأن تنحاز إلى المهمّشين، وتطلق مسارات للاستقبال تؤدي بطبيعتها إلى علاقات من العيش المشترك، رغم التنوع والاختلاف. وإذا كنا لا نريد أن نكون خارج التاريخ، بل أن نكون “في عروق التاريخ”، فعلينا أن نكون “منحازين”». وهذا الانحياز ليس سياسيًا أو أيديولوجيًا، بل إنجيلي. فالاعتراف بالمسؤوليات لا يعني وضع «ترتيب هرمي للمعاناة»، وإنما إنصاف حقيقة الوقائع.
وفي حيثيات الجائزة، جرى التذكير بمقطع أساسي من رسالة بيتسابالا الراعوية الصادرة في نيسان الماضي: «يبقى الألم دائمًا ألمًا […]. ومع احترام مختلف الأوضاع والإقرار بتعقيدها، لا يمكننا مع ذلك أن نعتبرها جميعًا متطابقة: هناك فرق بين من يمارس السلطة ومن يخضع لها، وبين من يحكم ومن يُحكم، وبين من يمتلك السلاح ومن يُهدَّد به، وبين من يحتل ومن هو واقع تحت الاحتلال. والاعتراف بهذا الفرق هو فعل احترام للعدالة والحقيقة».
رفع الصوت: نبوءة الجرأة
تسلّط الجائزة الضوء على ضرورة التحلي بشجاعة لا تقتصر على الكلمات، بل تتحول إلى أفعال. فرفع الصوت في وجه أصحاب السلطة، كما فعل يوحنا المعمدان، هو فعل يكشف حقيقة أن يكون الإنسان من «صانعي السلام». فلا يكفي الحديث عن السلام بوصفه مفهومًا مجردًا، بل ينبغي تجسيده في خيارات ملموسة، ورفض «الحياد الخائف والمتجذر»، واعتناق نبوءة السلام.
وفي هذا السياق، جاء التذكير المؤثر بصورة مريم، ملكة السلام، كما قرأها دون تونينو بيلّو في لغته اللاهوتية والشعرية: «أنتم، سيادة الكاردينال، مثل مريم، ملكة السلام، قمتم “باختيار واضح للانحياز على الصعيد التاريخي”. مثل مريم التي، بوصفها “امرأة منحازة، قررت أن تلعب مع الفريق الخاسر. واختارت أن ترفع خِرَق البائسين رايةً، بدلًا من أن تحمل رايات المنتصرين”».
حلم القدس وأمنية أشعيا
وفي تحيتها للكاردينال، جدّدت جماعة أليسانو قربها من جميع شعوب الأرض المقدسة التي تعاني تحت وطأة منطق «إمبراطورية الموت». أما الرؤية التي يتشاركها بيتسابالا والمؤسسة، فهي أن تصبح القدس «بيتًا أبوابه مفتوحة»، ومكانًا للوحي والاستقبال الشامل، لا حدودًا سياسية متنازعًا عليها.
ومع تسليم الجائزة، عبّر جانكارلو بيتشينّي والمؤسسة بأسرها عن أملهم في أن يواصل الالتزام النبوي للكاردينال بيتسابالا إثمار ثمار المصالحة التي تنبأ بها النبي أشعيا (راجع أشعيا 2، 4): أن تتحول السيوف إلى سكك، والرماح إلى مناجل، وألا تتعلم الشعوب الحرب من بعد.