عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
الأحد الثاني عشر من زمن العنصرة
كنيسة القديسين سركيس وباخوس – حرف مزيارة، في 9 آب 2026
“عظيمٌ إيمانكِ يا امرأة” (متّى 15: 28)
1. امتدح الرب يسوع إيمان المرأة الكنعانية، غير اليهودية، الوثنية، التي أعلنت إيمانها بمناداة يسوع: «يا ابن داود، ارحمني! إن ابنتي بها شيطان يعذّبها» (متّى 15: 22). نادته باسمه الكتابي الذي يعني: أيها المسيح الآتي، حامل الرحمة الشافية. هذه المناداة سقطت في قلب يسوع، فأراد امتحانها ثلاثًا: الأول، بعدم الاكتراث لصراخها؛ الثاني، بشكل من التمييز العنصري؛ الثالث، الإهانة الشخصية. وهذا ما سنتأمّل فيه في هذه العظة.
2. يسعدني أن أكون معكم يا أهالي بلدة حرف مزيارة الأحبّاء، بمناسبة يوبيل مئة سنة على تأسيس كنيسة القديسَين الشهيدين سركيس وباخوس (1926–2026). فأرجو أن يكون اليوبيل مصدر نِعم وبركات عليكم وعلى عائلاتكم. فأشكركم على هذا الملقى اللطيف والمحب، وأحيّي كل الذين توافدوا من بلدة مزيارة العزيزة وجوارها، وبلدات أخرى. فيطيب لي أولا أن أحيّي سيادة أخينا المطران يوسف سويف، راعي الأبرشية، وأشكره على كلمة الترحيب التي تلطّف بها؛ وأحيّي عزيزنا المونسنيور ماريو ماضي، كاهن الرعية الغيور؛ إنّي أحتفل معكم بهذه الليتورجيا الإلهية، التي أقدّمها على نيّتكم، وعلى نيّة كل من له تعب في تشييد هذه الكنيسة الرعائية، وساحتها ومحتوياتها، ولراحة نفوس الكهنة الذين خدموا الرعية، والمؤمنين الذين تبرّعوا لإنشاء الكنيسة وساحتها ومتحفها وحديقة الكهنة. وإنّي أمتدح إيمانكم وغيرتكم ووحدتكم، وهي رمز وحدة الوطن المنشودة.
3. أيتها المرأة “عظيمٌ إيمانكِ يا امرأة” (متّى 15: 28). بهذه الكلمة توّج يسوع مسيرة المرأة الكنعانية التي لم تكن من شعب إسرائيل، لكنها وصلت إلى يسوع بقلبٍ لم يعرف التراجع. ودخلت إلى رحمته من باب الإيمان الثابت على رجاء لا يخيّب.
خرج يسوع إلى نواحي صور وصيدا، فخرجت إليه امرأة كنعانية تحمل ألم ابنتها وتصرخ: «ارحمني يا سيّد، يا ابن داود، ابنتي معذبة جدًا» (متّى 15: 22). كانت تستغيث من أجل ابنتها، وكأن وجع الاثنتين صار وجعًا واحدًا. لكن هذه المناداة وقعت في قلب يسوع، لأنّها نادته باسمه الكتابي.
4. لم يمنعها اختلاف الانتماء، ولا نظرة الناس، ولا شعورها بأنها غريبة، من أن تتقدم إليه. كانت ابنتها تتألم، والأم حين يتألم ابنها لا تعود تحسب المسافات ولا الحواجز، بل تذهب إلى حيث تجد الرجاء. أمّا يسوع فتفاعل داخليًّا، وأراد امتحان إيمانها، وكأنه يريد إظهاره للجمع المرافق وللتلاميذ أنفسهم. فامتحن إيمانها بثلاث:
كانت المحنة الأولى محنة الصمت وعدم الاكتراث. كان الصمت امتحانًا قاسيًا، لأن الإنسان يتعب حين يصلي ولا يسمع جوابًا. لكنها لم تعتبر صمته رفضًا، ولم تسمح لانتظارها أن يتحول إلى يأس.
فصمت الله لا يعني أنه غائب، وتأخر استجاباته لا يعني أن الصلاة ضاعت، بل يعلّم الإنسان أن يثق به لا بعطاياه وحدها.
ثم جاءت المحنة الثانية، محنة الإهمال وشيء من التمييز العنصري. تضايق التلاميذ من صراخها، وطلبوا إلى يسوع أن يصرفها. سمعوا الصراخ، ولم يسمعوا الوجع الكامن وراءه.
فقال يسوع: «لم أُرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل» (متّى 15: 24). وبدا لها أن الرسالة لا تشملها، وأنها تقف خارج الجماعة. لكنها لم تتراجع، بل اقتربت أكثر، وسجدت أمامه، وقالت ببساطة: «يا رب، ساعدني » (متّى 15: 25).
ثم جاءت المحنة الثالثة، محنة الإساءة الكبيرة. قال لها يسوع: «لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح لجراء الكلاب» (متّى 15: 26). في ظاهر العبارة قسوة وإهانة.
كان بإمكانها أن تغضب وترحل، أو أن تجيب الإساءة بإساءة، لكنها بتواضع تمسّكت بالرب أكثر مما توقفت عند الكلام. أخذت الصورة نفسها، وفتحت منها نافذةً للرجاء، وقالت: «نعم يا رب، وجراء الكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها». (متّى 15: 27). قالت له بمعنى إيمانها: يكفيني فتات من رحمتك، لأن ما يبدو فتاتًا منك أعظم من موائد العالم كلها؛ وقليلٌ من نعمتك قادر على شفاء ابنتي وتبديل حياتنا. لقد كان إيمانها احترامًا عميقًا وثقةً كاملة وتواضعًا.
وحين ظهر إيمانها أمام الجميع، انتهى الامتحان، وقال لها يسوع: «يا امرأة، عظيم إيمانكِ، ليكن لكِ كما تريدين» (متّى 15: 28). وانتهى الإنجيل بالخبر الذي انتظرته: «فشُفيت ابنتها من تلك الساعة» (متّى 15: 28). اجتازت امتحان الصمت، فلم تتوقف عن الصلاة. واجتازت امتحان الإهمال، فاقتربت أكثر. واجتازت امتحان الإساءة، فحوّلت الجرح إلى رجاء. لقد أظهرت أن القرب من الله لا يصنعه الانتماء الخارجي وحده، بل القلب الذي يؤمن ويثبت ولا يستسلم.
5. ما أحوج لبنان إلى مثل هذا الإيمان: إيمان لا ينكسر أمام الصمت، ولا يتراجع أمام الأبواب المغلقة، ولا يسمح للألم أن يتحول إلى استسلام. إن وطننا يشبه في كثير من معاناته تلك الأم الكنعانية. يحمل أبناءً يتألمون، ويرفع صوته طالبًا الرحمة والعدالة والحق، طال انتظارها، وتعددت أمامه الحواجز، لكن عليه أن يبقى ثابتًا في مطالبته بالحياة والسيادة والكرامة.
في شأننا الوطني، نصلّي لكي تُثمر المفاوضات والمساعي الجارية سلامًا عادلًا وثابتًا، يحفظ لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤدي إلى الانسحاب من أرضنا، وعودة النازحين إلى قراهم، وانطلاق ورشة إعادة الإعمار.
ونجدد وقوفنا إلى جانب الجيش اللبناني، مؤسسة الوطن الجامعة، مطالبين بتعزيزه وتسليحه وإنصاف عسكريّيه، فتكون للدولة وحدها سلطة القانون وقرار الحرب والسّلم.
ونقف إلى جانب الفقير والمريض، والموظفين المتقاعدين والعسكريين، وإلى جانب رب العائلة الذي يعجز عن تأمين قوت بيته، والشاب الذي يرى مستقبله يهاجر من أمام عينيه.
ونطالب بإصلاح حقيقي لا بالشعارات؛ وبقضاء مستقل، وإدارة شفافة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وبكشف الحقيقة كاملةً في جريمة انفجار مرفأ بيروت. فلا قيامة لوطن تُدفن فيه الحقيقة، ولا مصالحة من دون عدالة، ولا دولة من دون محاسبة.
ولنرفع معًا صرخة تلك الأم، لا صرخة يأس بل صرخة إيمان: يا رب، ارحم لبنان، وليكن فينا من إيمان المرأة ما يجعلنا نصبر، ونطالب من دون عنف، ونثبت في الحق، ونرفض اليأس، ونؤمن بأن لبنان قادر على الشفاء يوم تلتقي الصلاة بالعمل، والإيمان بالمسؤولية، والرحمة بالعدالة.
6. إنّنا نثمّن قرار وقف التنفيذ الصادر عن مجلس شورى الدولة جوابًا على الطعن الذي تقدّم به أحد نواب الأمّة والذي ثبّت ملكية مشاعات متصرفية جبل لبنان لأصحابها، كالأهالي وعموم أهل القرى والبلدات أو البلديات الكبرى أو الصغرى، الذين تناقلوها من قرون، وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح لطمأنة عموم الناس وتعزيز تعلّقهم بأرضهم.
7. لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، كي يعطينا الله إيمان المرأة الكنعانية، فنرفع له التمجيد والشكر، الآن وإلى الأبد، آمين.
القدّاس الإلهي بمناسبة اليوبيل المئوي لكنيسة مار سركيس وباخوس






