البطريرك ميناسيان يؤكد أن السينودسية تجدد حياة الكنيسة وتبني جسور اللقاء

تستضيف العاصمة الإندونيسية جاكرتا أعمال الجمعية العامة الثانية عشرة لاتحاد مجالس الأساقفة في آسيا، التي تُعقد خلال الفترة من 20 إلى 26 تموز 2026، بمشاركة أكثر من 120 من الكرادلة والأساقفة ورؤساء مجالس الأساقفة في آسيا، إلى جانب ممثلين عن الكرسي الرسولي، وأمناء مكاتب الاتحاد، ولاهوتيين وخبراء رعويين.
وتنعقد الجمعية، التي تستضيفها أبرشية جاكرتا، تحت شعار «التجدّد في الروح السينودسية ورسالة بناء جسور اللقاء في آسيا»، مستلهمةً قول الرب يسوع: «سترون أمورًا أعظم من هذه» (يوحنا 1: 50)، في مسيرة تهدف إلى تعميق الشركة الكنسية، وتعزيز المشاركة، وتجديد اندفاع الكنيسة في رسالتها داخل القارة الآسيوية.
ويتخلل أعمال الجمعية برنامج روحي ورعوي متكامل، يضم الاحتفال بالإفخارستيا، وأوقاتًا للصلاة والتأمل، وجلسات للتمييز الروحي، وحوارات إقليمية، ولقاءات تُعقد وفق منهجية «المحادثة في الروح»، من أجل الإصغاء إلى صوت الروح القدس، واستشراف السبل الكفيلة بمواجهة التحديات التي تعيشها الكنيسة في آسيا، وتعزيز رسالتها في إعلان الإنجيل وخدمة الإنسان.
«تبادل العطايا»
ويشارك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك، في أعمال الجمعية ممثلاً مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق. ونقل إلى المشاركين تحيات المجلس، معربًا عن فرحه بالمشاركة في هذا اللقاء الكنسي، ومؤكدًا عمق الروابط التي تجمع كنائس الشرق بكنائس آسيا في وحدة الإيمان والشهادة للإنجيل.
وأشار غبطته إلى أن مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق يضم سبع كنائس كاثوليكية شرقية ذات تراث رسولي عريق، متجذرة في الشرق الأوسط، وترى نفسها، من خلال تاريخها وإيمانها وشركتها الكنسية، جزءًا لا يتجزأ من آسيا، القارة الغنية بتنوعها الثقافي والروحي.
كما أعرب عن امتنانه للدعوة الموجهة إلى مجلس البطاركة، معتبرًا أن هذه المشاركة تجسد ما وصفته الكنيسة بـ«تبادل العطايا»، الذي يُغني حياة الكنيسة ويعزز الشركة بين مختلف كنائسها، مشيرًا إلى أن مشاركة المجلس للمرة الثانية في الجمعية العامة منذ عام 2016 تشكل علامة رجاء وتشجع على السير معًا في خدمة رسالة الإنجيل.
ثلاث ركائز أساسية
وأوضح البطريرك ميناسيان أن الوثيقة الختامية للسينودس تبرز مساحات واسعة من التقارب بين الكنائس، وتسهم في توطيد مسيرتها المشتركة، متوقفًا عند ثلاث ركائز أساسية تشكل دعوة متجددة لحياة الكنيسة ورسالتها.
فالركيزة الأولى هي «المحادثة في الروح»، التي وصفها بأنها ليست مجرد تبادل للأفكار أو الآراء، بل مسيرة روحية حقيقية تقود إلى الارتداد الشخصي والجماعي، وترتكز على الإصغاء العميق لكلمة الله، والإصغاء المتبادل بروح الصلاة، والتمييز الجماعي لمشيئة الله. ومن خلال هذا النهج، تستطيع الكنيسة تجاوز منطق المواجهة والانقسام، والبحث معًا عن إرادة الرب في مناخ من الثقة المتبادلة، يهيئ لاتخاذ القرارات الرعوية بروح الشركة.
أما الركيزة الثانية، فتتمثل في تجديد البنى وأساليب العمل الكنسي، إذ شدد على أن السينودسية لا تدعو إلى تجدد الحياة الروحية فحسب، بل تتطلب أيضًا مراجعة متواصلة لأساليب الخدمة الرعوية وآليات العمل الكنسي، بحيث تقوم على الشفافية، وروح المسؤولية، والمحاسبة، والتقييم البنّاء، بما يعزز الثقة داخل الجماعات الكنسية ويجعل الكنيسة أكثر قدرة على أداء رسالتها في عالم اليوم.
وفي الركيزة الثالثة، تناول غبطته مفهوم الوحدة التي تحتضن التنوع، مؤكدًا أن الكنيسة لا تقوم على توحيد الجميع في قالب واحد، بل على انسجام التنوع الذي يثريها. فالروح القدس يهب الكنيسة غنى من التقاليد والثقافات والمواهب المتنوعة، وهذا التنوع لا يهدد الشركة، بل يعمقها ويجعلها أكثر إشراقًا. وأضاف أن كل كنيسة مدعوة إلى أن تقدم خبرتها الخاصة وهي ثابتة في الشركة الجامعة، بحيث تسهم جميع الكنائس، كل بحسب عطاياها، في تناغم واحد يعكس غنى جسد المسيح.
محطة تاريخية
واستعاد غبطته محطة تاريخية تربط بين مسيرة الكنائس الشرقية ومسيرة الكنيسة في إندونيسيا، مستذكرًا أحد أسلافه على الكرسي البطريركي الأرمني الكاثوليكي، الكاردينال أغاجانيان، الذي، خلال خدمته رئيسًا لمجمع نشر الإيمان، لم يكتفِ بإدارة شؤون الرسالة من روما، بل اختار أن يكون حاضرًا بين الكنائس المحلية، يشارك أبناءها أفراحهم وتطلعاتهم.
وقال: «شكّلت زيارته الرعوية إلى إندونيسيا عام 1959، والتي امتدت من جاكرتا إلى سوكابومي، محطة مفصلية، إذ عاين بنفسه حيوية الكنيسة الفتية ونموها، وأسهم في ترسيخ الثقة المتبادلة وتعزيز روح المسؤولية الكنسية».
ولفت إلى أن تلك الرؤية أفضت إلى صدور الدستور الرسولي الخاص بإندونيسيا، الذي أصدره القديس البابا يوحنا الثالث والعشرون في الثالث من كانون الثاني عام 1961، وحمل توقيع الكاردينال أغاجانيان، وبموجبه أُسس بصورة رسمية التسلسل الهرمي الكنسي المقيم في البلاد.
وتابع: «لقد مثّل هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ الكنيسة الإندونيسية، إذ أُعيد تنظيم البلاد كنسيًا وإداريًا، ورُفعت النيابات الرسولية إلى أبرشيات، وأُنيط بالرعاة المحليين الاهتمام بتنشئة الدعوات الكهنوتية، التي وصفها النص البابوي بأنها “الثروات والكنوز الحقيقية للأبرشيات”».
وأكد ميناسيان أنه لا ينظر إلى ذلك الحدث «بوصفه مجرد صفحة من صفحات التاريخ، بل باعتباره الجذر الذي نمت منه شجرة خضراء مورقة، أثمرت كنيسة حية، راسخة في الإيمان، فاعلة في المجتمع، ورائدة في الحوار والشهادة».
وفي ختام كلمته، تمنى غبطته النجاح لأعمال الجمعية، معربًا عن أمله بأن تكون كنائس آسيا جسورًا حقيقية بين التقاليد الكنسية والشعوب والثقافات وأتباع الديانات المختلفة. كما صلى أن يقود الروح القدس مداولات المشاركين، لكي تواصل الكنيسة في آسيا، بما تتميز به من غنى وتنوع، تقديم شهادة متجددة لرجاء المسيح، وتبقى علامة شركة وسلام ورسالة في قلب القارة الآسيوية.