أمبروزيني: البابا يدحض خطابات *الهجرة والأمن* ويضع المآسي الإنسانية في الصدارة

عقّب عالم اجتماع الهجرة على زيارة البابا لاوُن إلى لامبيدوزا، مسلطاً الضوء على شجاعته في عصر تُختزل فيه عمليات الهجرة في مسألة “عمليات الإنزال والشواطئ” التي يُنظر إليها كتهديد للهوية والاستقرار الاجتماعي الأوروبي. وأشار إلى أن “أوروبا تغلق أبوابها اليوم لأسباب انتخابية؛ إذ تخشى الحكومات الرئيسية صعود اليمين المتطرف، فتبنت لغته ورؤيته وحلوله، وهو نهج لن يحقق أي نتائج”. وعن مهربي الموت قال: “إنهم متواجدون بسبب سياسات الإغلاق”.
إن العودة للتأمل في كلمات ومبادرات البابا في جزيرة لامبيدوزا في ٤ تموز/يوليو الجاري تعني تعزيز الثقة في الآخر، وتبنِّي نهج يجعل الأخوّة تنتصر؛ وهي الترياق الوحيد ضد التيارات السياسية التي تدعم ما يسمى بـ “الترحيل القسري”. يعيد البروفيسور ماوريتسيو أمبروزيني، أستاذ سوسيولوجيا الهجرة في جامعة ميلانو الحكومية، تركيز الضوء على بعض اللحظات البارزة في الزيارة البابوية، بعد مرور ١٣ عاماً على زيارة البابا فرنسيس، وعلى التغيير المنشود في النموذج المعرفي لإدارة ظاهرة الهجرة المعقدة بفعالية.
في جوابه على السؤال حول كيف عاش هو شخصياً إن زيارة لاوُن الرابع عشر إلى لامبيدوزا بصفته باحثاً في ظاهرة الهجرة قال البروفيسور أمبروزيني، أعتقد أن الهجرة هي ظاهرة تسائل كثيرًا على مستوى المشاعر والرموز. وللأسف، غالباً ما تكون العواطف السائدة سلبية: مثل تصور حدوث “غزو”، أو الروابط المزعومة التي تُساق بين الهجرة والأمن. في المقابل، أعادت زيارة البابا هذه التذكير برؤية أخرى للهجرة، وأعتقد أنها أجبرت الرأي العام على التساؤل عن المآسي الكبرى التي تقع في محاولات عبور البحر الأبيض المتوسط هرباً من الحروب، وعدم الاستقرار، وانعدام الأمن في العديد من بلدان المنشأ، على أمل بناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولأطفالهم، والذين من بينهم الكثير من القاصرين كما نعلم وكما ذكّرنا البابا. وعلى المستوى العاطفي، جعلتني زيارة البابا لاوُن أفكر كثيراً في البابا فرنسيس، الذي خصص أولى رحلاته للامبيدوزا بالذات. وبادرته في تذكر ذلك تبدو لي لفتة ذات دلالة كبرى على الاستمرارية والارتباط الوثيق، الفكري والرمزي، بين الحبريتين. فخلال السنة الأولى، بدا لي أن الكثيرين حاولوا “جذب البابا لاوُن من ردائه”، إن جاز التعبير، آملين في استقطابه نحو مواقف أكثر اعتدالاً، أو حتى الانفتاح على رؤى محافظِة. وموضوع كهذا يعد من أكثر المواضيع حساسية، وحيث أعتقد أن البعض كان يتوقع نوعاً من النأي بالنفس عن التزام البابا فرنسيس القوي لصالح المهاجرين. لكن البابا لاوُن ظهر بوضوح كوارث ومكمل لمسيرة البابا فرنسيس، وبدا ذلك جلياً في لفتاته: كزيارة مقبرة الموتى المجهولي الهوية—التي زرتها بنفسي—وزيارة “بوابة أوروبا”، والرصيف البحري حيث ترسو قوارب المهاجرين أو الذين ينقذونهم. كل هذا يحدّثنا عن حبرية تسائل أوروبا لكي تكون وفية لقيمها التأسيسية وقادرة على استقبال البشرية المتألمة التي تبحث عن الخلاص والإنصاف.
تابع البروفيسور أمبروزيني مجيبًا على السؤال حول كيف ينبغي أن تترجم عملياً كلمات الحبر الأعظم في الجزيرة حين قال: “يجب الانتقال من مجرد إدارة الطوارئ إلى وضع سياسات متكاملة ومشتركة” مع الأخذ في الاعتبار أن الأمور تسير اليوم في اتجاه معاكس تماماً وقال أعتقد أن السياسات المتكاملة تعني النأي بالنفس عن الخطاب الذي يختزل الهجرة في عمليات الإنزال على الشواطئ، ويعتبر هذه العمليات تهديداً قاتلاً للهوية والاستقرار الاجتماعي الأوروبي. إن الهجرة هي ظاهرة متشعبة ومتنوعة، تشمل الأطباء والممرضين والطلاب، ولمّ شمل العائلات، والعمال الذين يساهمون في الاقتصاد وفي رعاية العائلات، وأخيراً هناك أيضاً اللاجئون الذين يمثلون جزءاً صغيراً مقارنة بظاهرة الهجرة ككل. لذلك، يجب أن تكون السياسة الحقيقية قادرة على صياغة استجابات ملائمة لهذه المكونات المختلفة للهجرة، والتي يُطلب العديد منها من قِبل الدول المستقبِلة نفسها. وهناك أجزاء أخرى مقبولة سلفاً، مثل لمّ شمل العائلات، وجزء من التدفقات يقع ضمن التزاماتنا الإنسانية. وبدلاً من الجري وراء حسابات انتخابية ضيقة الأفق، سيكون من الأهمية بمكان—على ضوء ما يطلبه البابا—أن تكون أوروبا قادرة على تخطيط استقبال المهاجرين وإدماجهم، مع مراعاة هذه المكونات المختلفة للظاهرة. واليوم، تغلق أوروبا أبوابها أساساً، لا سيما في وجه اللاجئين، وتحاول زيادة عمليات ترحيل المهاجرين الذين يتمُّ وصفهم بأنهم “غير نظاميين”، وذلك لأسباب انتخابية بحتة؛ لأن الحكومات والقوى السياسية الرئيسية تخشى تمدد اليمين المتطرف. ولإيقافه، بدأت تتبنى لغته ورؤيته وحلوله، لكني لا أظن أنهم سينجحون في تحقيق أهدافهم عبر هذا النهج.
أضاف البروفيسور أمبروزيني مجيبًا على السؤال حول القرارات التي أشار إليها البابا في لامبيدوزا في قوله إن الموتى في عرض البحر هم ضحايا لقرارات اتُّخذت ولأخرى لم تُتَّخذ وقال إنَّ القرار الرئيسي الأكثر تأثيراً على مصائر هؤلاء الأشخاص هو “نقل الحدود إلى الخارج”، ومحاولة إلقاء مسؤولية إيقاف عبور الأشخاص الباحثين عن لجوء على كاهل دول العبور، واحتجازهم على أراضيها، مع ما يترتب على ذلك من كلفة إنسانية وأعمال عنف نعرفها جميعاً… لنتذكر ما يحدث في ليبيا وتونس… أما القرارات التي لم تُتَّخذ، فتتعلق بنهج أكثر قدرة—كما قلنا—على الوفاء بالالتزامات الإنسانية واحترام حقوق الإنسان، وثانياً، نهج يراعي المصالح الحقيقية لأوروبا نفسها، والمتمثلة في جذب الكفاءات المهنية والمهارات العمالية التي تشتد الحاجة إليها اليوم بشكل كبير من أجل المستقبل الاقتصادي ورفاهية أوروبا ذاتها.
تابع البروفيسور أمبروزيني مجيبًا على السؤال حول النداء الذي وجّهه البابا في زيارته الرسولية إلى جزر الكناري لمهربي الموت وقال نعم، ولكن المهربين يتواجدون لأن هناك سياسات إغلاق. لو كانت هناك إمكانيات أكبر للسفر والمجيء إلى أوروبا، لما ألقى الناس بأنفسهم بين أيدي المهربين. وبالتالي، فإن من بين القرارات التي لم تُتَّخذ أيضاً، عدم السماح بوصول الأشخاص الذين يطلبون الحماية في ظروف قانونية وآمنة.
أضاف البروفيسور أمبروزيني مجيبًا على السؤال حول تعليقه على موقف البابا في الرسالة التي وجهها إلى الولايات المتحدة، والتي أكد فيها أن الدفاع عن الحياة يعني استقبال المهاجرين وحمايتهم ومساعدتهم وقال يبدو لي أن البابا لا يتردد في النأي بنفسه، واتخاذ موقف نقدي تجاه سياسات معينة في بلده الأصلي. وبالتأكيد، هذا الأمر سيحمل له الانتقادات والعداوات، ونحن نعلم ذلك، ولكن يبدو لي أن هذه الشجاعة هي سمة لا غنى عنها لمواصلة القيام بدور القيادة الأخلاقية، وهو دور مطلوب وضروري لزمننا الحالي، وأرى أنه يحظى باعتراف من رأي عام أوسع نطاقاً من المحيط الكنسي.
وختم البروفيسور أمبروزيني مجيبًا على السؤال حول ما هي الأهميّة يجب أن نعطيها لهذه الانتقادات وقال سيكون من المفاجئ ألا تكون هناك انتقادات. أعتقد أنه سيكون من المقلق ألا يثير البابا نقاشات وأن يكون هناك إجماع فقط؛ إذ سيعني ذلك أنه لا يقول شيئاً ذي قيمة أو شيئاً يؤثر في الوضع السياسي والاجتماعي المعاصر. إن حقيقة تلقيه معارضة هي علامة على أن البابا يقدم خطاباً ذا مصداقية، قادراً على دعوة الجميع—السياسيين، ووسائل الإعلام، والرأي العام، والناس العاديين—إلى مواجهة القيم الأساسية، ومواجهة الإنجيل بالنسبة للمؤمنين. ويصيبني العجب الشديد عندما أسمع مسيحيين يعبرون عن عدائهم للبابا في قضايا مثل الهجرة. وكما يقول أخي تهكماً: “لا بد أنهم عثروا على إنجيل خامس وقرأوا ما فيه”. إنه إنجيل لا وجود له.