اختارت إحدى أكثر المؤسسات المدنية رمزية في الولايات المتحدة تكريم شخصية يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من الحدود الأمريكية. ففي 3 تموز، سيحصل البابا لاون الرابع عشر على ميدالية الحرية التي يمنحها «المركز الوطني للدستور» في الولايات المتحدة، وهي جائزة تُمنح للأشخاص الذين ساهمت حياتهم في تعزيز قضية الحرية حول العالم.
وسيُقام حفل التكريم في مجمّع الاستقلال بمدينة فيلادلفيا، وهو المكان الذي وُلد فيه كل من إعلان الاستقلال الأمريكي والدستور الأمريكي، وذلك عشية احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الأمة الأمريكية. ولن يسافر البابا إلى الولايات المتحدة، بل سيوجّه كلمة إلى الحاضرين عبر رسالة فيديو مباشرة من الفاتيكان، تُبث في الوقت نفسه أمام المشاركين والجمهور عبر الإنترنت.
ويأتي منح الجائزة تقديرًا لدفاع البابا لاون الرابع عشر المستمر عن الحرية الدينية، وحرية الضمير، وحرية التعبير، وهي مبادئ تحتل مكانة أساسية في التقاليد الدستورية الأمريكية من خلال التعديل الأول للدستور. ووصف المنظمون عمل البابا بأنه دفاع عالمي عن الحقوق يتجاوز الأنظمة السياسية والحدود الوطنية، وتشمل المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء.
ميدالية الحرية
تأسست ميدالية الحرية عام 1988 لإحياء الذكرى المئوية الثانية لدستور الولايات المتحدة، وقد مُنحت سابقًا لشخصيات عالمية بارزة مثل نيلسون مانديلا، وميخائيل غورباتشوف، وكوفي عنان، والدالاي لاما. ويُمثل اختيار البابا لاون الرابع عشر علامة فارقة تاريخية، ليس فقط لأنه أول بابا يحصل على هذا التكريم، بل أيضًا لأنه يعكس الاعتراف المتزايد بالحرية الدينية باعتبارها ركيزة أساسية لكرامة الإنسان والحياة الديمقراطية.
ويحمل اختيار البابا رمزية خاصة بالنظر إلى مسيرته الشخصية. فقد وُلد روبرت فرانسيس بريفوست في مدينة شيكاغو، وتلقى تعليمه في جامعة فيلانوفا، ثم خدم لاحقًا كمرسل وأسقف في بيرو، ليجسد مزيجًا فريدًا بين الجذور الأمريكية والخبرة الرعوية الواسعة في أمريكا اللاتينية. ومنذ انتخابه في أيار 2025 خلفًا للبابا فرنسيس، شدّد البابا لاون الرابع عشر مرارًا على أهمية الحوار بين الأديان، والتعايش السلمي، وحماية حرية الضمير.
الحرية الدينية وحرية الضمير
وسيسلط الحدث في فيلادلفيا الضوء على هذه الموضوعات من خلال برنامج متعدد الأديان بشكل لافت. إذ سيشارك قادة مدنيون ودينيون من الجماعات المسيحية واليهودية والإسلامية في التأكيد على الأهمية المستمرة للحرية الدينية في المجتمع المعاصر.
كما يسلط الضوء على جانب غالبًا ما يتم تجاهله في التقليد الدستوري الأمريكي. فبينما تتركز النقاشات حول الحرية الدينية غالبًا على الخلافات القانونية، فإن التعديل الأول لا يحمي فقط حرية ممارسة الدين، بل يحمي أيضًا حرية الضمير نفسها؛ أي حق الأفراد في البحث عن الحقيقة، وممارسة الشعائر الدينية وفق قناعاتهم، أو اختيار عدم الانتماء الديني دون إكراه.
وهذا الفهم الأوسع للحرية هو تحديدًا ما يقول المنظمون إن شهادة البابا العامة ساهمت في تعزيزه.
صورة معبّرة لحدثين
ورغم حصوله على واحدة من أرفع الجوائز المدنية في الولايات المتحدة، فإن البابا لاون الرابع عشر لن يكون حاضرًا شخصيًا في الحفل. فقد أكد الفاتيكان بالفعل أنه لن يسافر إلى أمريكا خلال عام 2026، رغم الدعوات التي تلقاها من قادة سياسيين. وبدلًا من ذلك، يُتوقع أن يكون البابا في اليوم التالي لحفل فيلادلفيا في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، البوابة المتوسطية التي يصل إليها آلاف المهاجرين بحثًا عن الأمان والفرص في أوروبا.
وهذا التزامن يحمل رمزية لافتة؛ ففي فيلادلفيا سيُكرَّم البابا لدفاعه عن الحريات الأساسية، بينما في لامبيدوزا سيقف أمام واحدة من أبرز حدود الضعف الإنساني في العالم. ويقدم الحدثان معًا صورة معبّرة عن حبرية تسعى إلى الربط بين المبادئ الدستورية والواقع الإنساني الملموس، من خلال وصل لغة الحقوق بحياة أولئك الذين يعتمدون عليها أكثر من غيرهم.
البابا لاون الرابع عشر على موعد مع ميدالية الحرية الأمريكية: أول بابا ينالها






