عبد الساتر : نحن مدعوون إلى أن نقولَ الحقيقة من دون خوف وأن ندافع عن الحق

لمناسبة عيد مولد مار يوحنا المعمدان، احتفل راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد الساتر بالقدّاس الإلهي في كنيسة مار يوحنا المعمدان في قتالة، عاونه فيه خادم الرعيّة رئيس دير مار الياس الكحلونية الأب شربل رعد والمتقدّم بين الكهنة في قطاع الجبل الأعلى الخوري فادي صادر، بمشاركة لفيف من الكهنة والرهبان، وبحضور مختار قتالة طوني بو حيدر، ورئيس بلديّة راس الحرف طوني الأسمر وأعضاء المجلس البلدي، ومختار راس الحرف ناصيف الياس، ومختار الكحلونية جاك جرجس، ومختار حارة حمزة رومانوس داود، وشخصيّات حزبيّة وسياسيّة واجتماعيّة وطبيّة، وأعضاء أخويّة الحبل بها بلا دنس والكشاف المسيحي في راس الحرف، وأبناء الرعيّة.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى المطران عبد الساتر عظة جاء فيها: “أشكر حضرة الأب شربل رعد دعوته لي للاحتفال معكم بعيد شفيع رعيتنا مار يوحنا المعمدان والصلاة على نية بلدتنا العزيزة قتاله وعلى نية أهلها، الأحياءَ من بينهم والموتى، وعلى نية الكهنة الذين خدموها ويخدمونها بمحبة وتفان وتجرّد.
كم هو عظيم هذا القديس بمحبته الفائقة لله وبجرأته في قول الحقيقة أمام أقوياء هذا العالم وبتجرّده عن السلطة والمال والجاه ليتكرّس بكليّته للرسالة التي أُوكلت إليه منذ ولادته فيكونَ تأكيدًا جازمًا على أنَّ اللهَ وحدَه يَستحق أن نعبدَه وأن نكرِّس له قلوبَنا وحياتَنا.
فمار يوحنا المعمدان، ومنذ طفولته، اختار الصحراء مقامًا له يلتقي فيها ربَّه فيعبدَه ويسبحَه ويناجيَه بعيدًا عن ضوضاءِ الناس والأحلامِ الزائفة والطموحاتِ البائسة. في الصحراء، إختلى بحبيبه السماوي واختارَه محورًا وحيدًا لحياتِه. في الصباح يُسمعُه كلمات حبّه، وعند الظهر يتأملُ في جماله وبهائه، وفي المساء يشكره على عملِه الخلاصي. أحبَّ يوحنا اللهَ كلَّ يوم وحيثما كان ومهما كان يفعل. أحبَّه حتى النهاية. ويا ليتنا نتشبَّه به!
نبّه قديسُنا هيرودسَ مرات ومرات وبصوت عال من استمراره في مخالفةِ الشريعةِ التي فيها قال اللهُ ما يريدُ من الإنسان أن يفعل وكيف يُريدُه أن يعيش. لم يخف، ولماذا يخاف وهو يقول الحقيقة؟ لم يخف، ولماذا يخاف وهو لا يبغي سوى رضى الله عليه وليس رضى السلاطينِ والحكام؟ لم يخف، وكيف يخاف وهو اعتاد ألا يخشى سوى الصمتِ عن قول الحقيقة أو التقاعس في الدفاع عن الحق من أجل رضى حاكم ومكسبٍ زائل أو من أجل منصبٍ عابرٍ. ويا ليتنا نتشبّه به!
وأخيرًا عاش قديسنا مكتفيًا بوَبرِ الإبلِ مَلبَسًا له وبالجرادِ والعسلِ البري مأكلًا. لم يرغب يومًا بالمآكل الفاخرة أو بالألبسة الباهظة الثمن لأنه كان يدرك جيدًا أن السعادة الحقيقية لا تأتي إلا من العيش مع الله وتتميمِ إرادته. عرف مار يوحنا أنَّ توسيعَ الأهراءات وتخزينَ القمح فيها لا يُعطيان الحياةَ بل كلمةَ الله والتأملَ فيها. تذكَّر زَهرَ الحقل وطيورَ السماء واطمأن لأن الله سيعتني به كما يعتني بها. رأى الأغنياء يزولون تحت التراب وتبقى أملاكُهم فوقه ليتنازع أقرباؤهم عليها فيما بينهم ويلعنونَهم بسببِها، فما راكم مقتنياتِه بل اكتفى بالأساسي لأنَّ الأساسي يكفي. ويا ليتنا نتشبّه به!
إخوتي وأخوتي، في عيد شفيعنا مار يوحنا المعمدان، نحن مدعوون جميعًا إلى أن نجدِّدَ إيمانَنا بالرب يسوع مخلّصًا ومصدرَ كل فرح وسلام وتعزية حقيقيين. نحن مدعوون إلى ان نتذكر أن الغنى والممتلكات والمناصبَ يزولون ولا منفعةَ لنا في السعي خلفها طوال حياتنا. نحن مدعوون إلى أن نقولَ الحقيقة من دون خوف حتى أمامَ أقوياءِ هذا العالم وأن ندافع عن الحق وأن نكون إلى جانب صغار هذا العالم.
إخوتي وأخواتي، لنحبَّ الرب يسوع من كل قلوبنا وفي كلِّ مكان وزمان ولنحبَّ الآخر حتى النهاية بشفاعة قديسنا يوحنا المعمدان. آمين”.
وفي ختام القدّاس، كانت كلمة للأب شربل رعد قال فيها: “بِفَرَحٍ كَبِيرٍ وَامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، نَسْتَقْبِلُكُمْ الْيَوْمَ يَا صَاحِبَ السِّيَادَة، رَاعِيَ الأَبْرَشِيَّةِ الْمُحِبَّةِ لِلْمَسِيحِ، فِي رَعِيَّةِ مَار يُوحَنَّا الْمعَمْدَان – قِتَالَة، شَاكِرِينَ حُضُورَكُمُ الأَبَوِيَّ بَيْنَنَا، وَاحْتِفَالَكُمْ مَعَنَا بِالْقُدَّاسِ الإِلَهِيِّ فِي عِيدِ شَفِيعِ رَعِيَّتِنَا، مَوْلِدِ مَار يُوحَنَّا الْمعَمْدَان. إِنَّ زِيَارَتَكُمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُضُورٍ، بَلْ هِيَ عَلَامَةُ قُرْبِ الرَّاعِي مِنْ أَبْنَائِهِ، وَبَرَكَةٌ تَحْمِلُونَهَا إِلَى هَذِهِ الْجَمَاعَةِ الصغيرة الْمُؤْمِنَة.
نَرْفَعُ مَعَكُمْ، أَيُّهَا الأَخَوَاتُ وَالإِخْوَة، الشُّكْرَ لِلرَّبِّ عَلَى نِعْمَةِ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُنَا حَوْلَ رَاعِينَا وَأَبِينَا وَمُدَبِّرِنَا مَار بُولُسَ الْمَغْبُوط، وَنُعَبِّرُ لَكُمْ يَا صَاحِبَ السِّيَادَة، بِاسْمِي وَبِاسْمِ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة وبلداتِ الجوار وَهَذِهِ الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرَةِ، عَنْ مَحَبَّتِنَا وَتَقْدِيرِنَا وَثِقَتِنَا بِعِنَايَتِكُمُ الأَبَوِيَّةِ وَقِيَادَتِكُمُ الْحَكِيمَة، لِمَا فِيهِ مِنْ نِعَمٍ لِشَعْبِ اللهِ، وَخَيْرِ الأَبْرَشِيَّةِ وَبُنْيَانِهَا وَنُمُوِّهَا وَتَأَصُّلِهَا وَثَبَاتِهَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوع.
وَأُجَدِّدُ أَمَامَكُمْ، يَا صَاحِبَ السِّيَادَة، رُوحَ الطَّاعَةِ وَالبُنُوَّةِ الَّتِي أَعِيشُهَا كَخَادِمٍ لِهَذِهِ الرَّعِيَّة، مُلْتَزِمًا مَعَ أَخَوَاتِي وَإِخْوَتِي الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّيْرِ معًا فِي دَرْبِ تَعْلِيمِ رَبِّنَا يَسُوع، وَأُعَاهِدُكُمْ عَلَى خِدْمَةِ الْجَمَاعَةِ المؤمنة، وَبِنَاءِ شَعْبِ اللهِ فِي الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، تَحْتَ إِرْشَادِكُمْ وَبَرَكَتِكُم.
وَيَزْدَادُ فَرَحُنَا الْيَوْمَ وَنَحْنُ نَسْتَذْكِرُ جُذُورَ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ وَأَمَانَتَهَا لِلْكَنِيسَةِ الْمَارُونِيَّةِ، فَقَدْ حَظِيَتْ كَنِيسَةُ مَار يُوحَنَّا الْمُعَمْدَان – قِتَالَة بِعِنَايَةِ أبينا الْبَطْرِيَرْكِ الطوباوي اسْطِفَانُس الدُّوَيْهِي، الَّذِي قَدَّمَ لَهَا نَحْوَ سَنَةِ 1700، قَالَبَ خُبْزِ الْبُرْشَان، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى عُمْقِ الصِّلَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ وَكُرْسِيِّ أَنْطَاكِيَا الْمَارُونِيِّ.
وَكَذَلِكَ تَحْمِلُ بلدة قِتَالَةُ فِي ذَاكِرَتِهَا الْكَنَسِيَّةِ مَكَانَةً خَاصَّةً، إِذْ شَكَّلَتْ فِي تَارِيخِ أَبْرَشِيَّةِ بَيْرُوتَ الْمَارُونِيَّةِ أَوَّلَ كُرْسِيٍّ أُسْقُفِيٍّ لِمُطْرَانِهَا مُنْذُ سَنَةِ 1818، فَبَقِيَتْ عَلامَةَ حُضُورٍ كَنَسِيٍّ وَمَحَطَّةً مُهِمَّةً فِي مَسِيرَةِ الأَبْرَشِيَّة.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تَعْتَزُّ هَذِهِ الرَّعِيَّةُ بِالرَّابِطَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الْمَارُونِيَّةِ، الَّتِي تَخْدِمُهَا مُنْذُ مَا قَبْلَ سَنَةِ 1884 عَلَى يَدِ أَحَدِ رُهْبَانِ دَيْرِ مَار إِلْيَاس – الْكَحْلُونِيَّة. وَنَخُصُّ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِهِمُ الأَبَّاتِي إجناديوس سَرْكِيس، وَالأَبَ طُوبِيَا سَلَامَة، اللَّذَيْنِ تَرَكَتْ خِدْمَتُهُمَا وَسِيرَتُهُمَا الرُّوحِيَّةُ أَثَرًا مُبَارَكًا فِي ذَاكِرَةِ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّةِ وَحَيَاتِهَا. وَهَكَذَا تُوَاصِلُ الرَّهْبَانِيَّةُ تحتَ بركة سيادتكم وتدبيركم، مَعَ أَبْنَاءِ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ، مَسِيرَةَ الإِيمَانِ وَالخِدْمَةِ وَالشَّهَادَةِ، أَمَانَةً لِلتُّرَاثِ الَّذِي تَسَلَّمْنَاهُ وَرَجَاءً بِمَا يَحْمِلُهُ الْمُسْتَقْبَلُ.
أهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ بَيْنَنَا يَا صَاحِبَ السِّيَادَة، وَبِصَلَوَاتِكُمْ وَبَرَكَتِكُمْ نَبْقَى ثَابِتِينَ فِي شَرِكَةِ الْمَحَبَّةِ وَالرِّسَالَةِ. وَعُرْبُونًا لِهَذِهِ الزِّيَارَةِ الْمُبَارَكَةِ، نُقَدِّمُ لِسِيَادَتِكُمْ “بطرشيل” هَدِيَّةً رَمْزِيَّةً مِنَ الرَّعِيَّة”.