بمناسبة عيد القدّيس غريغوريوس المنوّر، ترأّس كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، القدّاس الإلهيّ الاحتفاليّ في كاتدرائيّة القدّيسين غريغوريوس المنوّر وإيليّا النّبيّ- الدّبّاس.
وعاون ميناسيان في الخدمة الأسقف المعاون لأبيرشيّة بيروت البطريركيّة المطران كريكور باديشاه، النّائب البطريركيّ لجمعيّة كهنة بزمّار البطريركيّة ورئيس دير سيّدة بزمّار والمونسنيور ماشدوتس زاهتريان، إلى جانب لفيف من الآباء الكهنة والشّمامسة، وذلك بحضور عدد من الشّخصيّات السّياسيّة والرّسميّة والاجتماعيّة، وبمشاركة حشد غفير من المؤمنين.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك ميناسيان عظةً جاء فيها بحسب “الوكالة الوطنيّة للإعلام”: “نجتمع اليوم حول مذبح الرّبّ لنحتفل بعيد القدّيس غريغوريوس المنوّر، شفيع هذه الكاتدرائيّة المباركة، الرّجل الّذي لم يكتفِ بأن يحمل نور المسيح في قلبه، بل صار أداةً إلهيّة أنارت شعبًا بأسره، فدخلت أرمينيا، بفضل شهادته وإيمانه، إلى نور الإنجيل، لتكون أوّل أمّة في التّاريخ تعلن المسيحيّة دينًا للدّولة. إنّ غريغوريوس المنوّر لم يولد قدّيسًا بعيدًا عن آلام البشر، بل عرف الخوف والظّلم والاضطهاد. سُجن في حفرة خور فيراب سنوات طويلة، في ظلمةٍ بدت وكأنّها نهاية كلّ شيء. لكنّه أدرك أنّ من يسكن مع الله لا تسكنه الظّلمة. لقد حوّل السّجن إلى مدرسة صلاة، والألم إلى طريق للقداسة، والانتظار إلى ثقة كاملة بالعناية الإلهيّة. وحين خرج من الحفرة، لم يخرج طالبًا انتقامًا ممّن أساؤوا إليه، بل خرج حاملًا شفاءً وغفرانًا ومحبّة. وهذه هي أعظم معجزاته: أنّه انتصر على الكراهيّة بالمحبّة، وعلى العنف بالرّحمة، وعلى الظّلام بالنّور. هكذا نور الأمّة الأرمنيّة بروحانيّتنا المتماسكة بالفادي الغالي مخلّصنا يسوع المسيح. وهذا ما يحتاج عالمنا اليوم روح القدّيس غريغوريوس! ففي زمن الانقسامات والصّراعات، يذكّرنا بأنّ المسيحيّ مدعوّ ليكون صانع السّلام، لا ناشر الخصام؛ باني الجسور، لا رافع الجدران؛ شاهدًا للمحبّة، لا أسيرًا للأحقاد.
المحبّة ليست ضعفًا، بل هي أقوى قوّةً تغيّر وجه التّاريخ. لقد قال الرّبّ يسوع: “بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ لبَعْضُكُمْ البَعْضٍ” (يوحنّا 13: 35). فالكنيسة لا تُقاس بعظمة أبنيتها ولا بكثرة نشاطاتها، بل بمقدار المحبّة الّتي يعيشها أبناؤها. وحيث توجد المحبّة الصّادقة، يكون الله حاضرًا، لأنّ “الله محبّة”. إن اجتمع اثنان أو ثلاث باسمي وعلى درب القدّيس غريغوريوس سار خادم الرّبّ الكاردينال كريكور بيدروس الخامس عشر أغاجانيان، الرّاقد فيها بانتظار القيامة المجيدة الّذي حمل في حياته همّ الكنيسة الجامعة وقلب الشّرق، وظلّ أمينًا لجذوره الأرمنيّة وإرثه الرّوحيّ، فصار مثالًا في الخدمة والتّواضع والانفتاح. إنّ حضوره بيننا اليوم هو دعوة لأن نعيش إيماننا بأمانة على مثال القدّيس غريغوريوس، وأن نخدم الكنيسة بدون انتظار مقابل، وأن نترك للأجيال القادمة إرثًا من المحبّة والقداسة والرّجاء.
فلنسأل أنفسنا أمام مثال القدّيس غريغوريوس: هل نضيء حياة الآخرين أم نزيد ظلامهم؟ هل نغفر كما غفر القدّيسون؟ هل نزرع الرّجاء في القلوب المتعبة؟ هل نكون شهودًا للمسيح في بيوتنا ومجتمعنا ووطننا؟ إنّ القداسة ليست حكرًا على الماضي، بل دعوة موجّهة إلى كلّ واحد منّا اليوم. فالله لا يبحث عن أناس كاملين، بل عن قلوب مستعدّة لأن تحبّ وتخدم وتثق به حتّى النّهاية. وفي هذه الذّبيحة الإلهيّة، نرفع صلاتنا من أجل وطننا الحبيب لبنان، سائلين الرّبّ، بشفاعة القدّيس غريغوريوس المنوّر، أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرّيّة، وأن يبارك شعبه، ويهدي المسؤولين فيه إلى اتّخاذ القرارات الّتي تصون كرامة الإنسان، وتُعزّز العدالة، وتعيد الأمل إلى قلوب الشّباب والعائلات. ونصلّي بصورة خاصّة من أجل بيروت، هذه المدينة الّتي عرفت الألم ولم تفقد رجاءها، الّتي سقطت وقامت، وبكت وما زالت تعلّم أبناءها معنى الصّمود. نسأل الله أن يحمي بيروت من كلّ شرّ، وأن تبقى مدينة اللّقاء والمحبّة والثّقافة ونافذة الشّرق على الحضارة، وعاصمةً للشّهادة بأنّ النّور أقوى من الظّلمة، وأنّ الحياة تنتصر دائمًا على الموت.
فلتكن شفاعة القدّيس غريغوريوس المنوّر سندًا لنا، ولنحمل جميعًا نور المسيح إلى العالم، لكي يرى النّاس أعمالنا الصّالحة، ويمجّدوا الآب الّذي في السّماوات”.
ميناسيان يصلّي من أجل لبنان وبيروت بشفاعة القدّيس غريغوريوس المنوّر في عيده






