أهمية مساعدة الكنائس الشرقية أيضا على إنماء هويتها وضرورة معرفتها بشكل جيد. كان هذا من بين ما تطرق إليه البابا لاوُن الرابع عشر اليوم خلال استقباله المشاركين في الجمعية العامة السنوية لهيئة رواكو المعنية بمساعدة الكنائس الشرقية.
استقبل البابا لاوُن الرابع عشر يوم الخميس المشاركين في الجمعية العامة السنوية لهيئة رواكو المعنية بمساعدة الكنائس الشرقية. وعقب ترحيبه بالجميع وإعرابه عن سعادته لاستقبالهم في ختام جمعيتهم العامة أشار قداسته إلى أنهم، وإلى جانب العمل على المشاريع الساعية إلى مساعدة الكنائس الشرقية، قد تأملوا حول تكوين الإكليروس والرهبان في الإكليريكيات والمعاهد الشرقية. وتابع البابا معربا عن قناعته بكون هذا اختيارا جيدا، فمساعدة كنيسة لا تعني فقط إمدادها بالوسائل المادية، بل أيضا مساعدتها على إنماء هويتها وقدرتها على إعلان الإنجيل، وهو ما يعتمد على تكوين هذه الكنيسة لخدامها المدعوين إلى نشر ثرائها الروحي. وتحدث قداسة البابا هنا إلى ما تحفظ الجماعات الكاثوليكية الشرقية من الكثير من هذ الثراء متقاسمة إياه مع الأخوة والأخوات من الكنائس الأرثوذكسية، وتوقف في هذا السياق عند ما لدى الكنائس الكاثوليكية الشرقية من عطية كبيرة يمكنها أن تقدمها إلى الجماعة الكاثوليكية كلها التي غالبا ما لا تدرك احتضانها في داخلها لتقاليد كنسية مختلفة.
وتابع قداسة البابا أن الكنيسة الأم هي متحدة ولكنها ليست متجانسة، فبطنها الخصبة قد أنجبت تقاليد روحية ولاهوتية وطقوسا وأنظمة متنوعة تتبادل الإثراء. وأضاف البابا أنه من المفيد التعمق في هذه الكنوز مع الملايين من الأخوة والأخوات من الكاثوليك الشرقيين بينما نرجو تحقيق خطوات إلى الأمام تحو الوحدة الكاملة مع كل الكنائس الشرقية. وأكد الأب الأقدس في هذ السياق أن كنائس الشرق العريقة كافة تعيدنا إلى أصول الإيمان وتجعل نور النعمة يبرق من خلال الليتورجيا الغنية. وذكَّر قداسة البابا بما جاء في الوثيقة المجمعية القرار في الحركة المسكونية Unitatis redintegratio: “فليس بالعجب أنّ بعض نواحي السّرّ الموحى به قد أدركها الواحد وعبّر عنها أفضل من الآخر، بحيث يجب في الغالب اعتبار هذه الصّيغ اللاهوتيّة المتنوّعة متكاملة أكثر ممّا هي متعارضة” (17).
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر مشددا على أن الشرق المسيحي يمكن حراسته فقط إن عرفناه، وأن فقدان المعرفة به يعني إفقار الكنيسة. ولتَعلُّمه ومحبته يجب الاهتمام بالتكوين. وذكَّر قداسته هنا بأن البابا القديس يوحنا بولس الثاني قد أشار إلى أهمية هذا مشددا على ضرورة “التعرف على ليتورجيا الكنائس الشرقية، والتعمق في معرفة التقاليد الروحية لآباء ومعلّمي الشرق المسيحي، […] وتقديم تعليم مناسب في الإكليريكيات ومعاهد اللاهوت عن تلك المواد، يتوجّه بالأخص إلى كهنة المستقبل” (الرّسالة البابويّة، نور الشّرق، 24). وهكذا، واصل الأب الأقدس قائلا للحضور، فإن اختيار دعم وتعزيز تكوين الخدام مع الإصغاء إلى بعض المتخصصين كما فعلتم هذه الأيام علامة جيدة على الاهتمام الملموس بهذه الكنائس.
ومن بين ما أشار إليه قداسة البابا في كلمته حاجة هذا الرباط بين المعرفة والمحبة، بين الأذهان المتفتحة والأيادي العاملةـ إلى قلب لا فقط سخي بل وتسكنه النعمة، متقد بالروح القدس. ولهذا أراد قداسته دعوة الحضور إلى إنماء الحياة الروحية وخاصة من خلال المثابرة في الصلاة والأسرار، فأعمال المحية لا تأتي بثمار دائمة إن لم تكن تتغذى من ينبوع الخير الذي هو الله، وإن كان الإيمان بلا أعمال هو ميت فإن الأعمال بلا إيمان هي عقيمة.
وواصل البابا لاوُن الرابع شر قائلا لضيوفه إنه حين يفكر في الخدمة الصامتة والمفيدة التي يقومون بها، وفي الكثيرين الذين يقدمون من خلالهم موارد لمن هم في عوز، يصعب عليه ألا يفكر في الكم الكبير في هذه اللحظة من التاريخ من الأموال المهدرة للقتل والملقى بها من قِبل كثيرين يشعلون الحروب. فبينما تلدون أنتم حياة يزرعون هم الموت، قال الأب الأقدس، وبينما تمدون أياديكم إلى الأخ يبحثون هم عن أعداء لسحقهم، بينما تؤسسون الحوار يسعون إلى الخطاب الأحادي، بينما تفتحون طرق رجاء يحبسون الشعوب في الخوف، بينما تبنون أنتم المستقبل يدمرون هم الحاضر.
ثم توقف الأب الأقدس عند ما وصفه بنزيف مسيحيي الشرق الأليم من أراضيهم بسبب الحرب في المقام الأول، والتي لا تحل المشاكل بل تسفر عن مآسٍ غالبا ما تسقط في النسيان. وأراد البابا الحديث هنا عن آفة هي وليدة الحرب لا تزال تدمي الكنائس الشرقية بشكل خاص، وهي عدم الاستقرار. وتحدث عن أن البلدان التي عاشت نزاعات، حتى وإن بدت الحياة فيها هادئة، تعاني من ضعف بسبب عدم استقرار مؤسساتها ووجود عصابات مسلحة تتقاسم الأراضي وسياسة خاضعة لا يندر التأثير عليها من قِبل أطراف ومصالح خارجية، لا تعمل بحرية بل وسط تحايلات كثيرة واتفاقات سرية ومصالح خاصة. وتصبح هناك حالة عامة من عدم الاستقرار تخنق إمكانيات التنمية ويتحمل تبعاتها دائما الفقراء. وواصل قداسة البابا متحدثا عن هيمنة مشاعر الخوف وعدم اليقين وعن مآس تثقل قلوب الجميع وتلتهم الرجاء وتَحُول دون بناء المستقبل وتشجع على الرد بالرحيل مثلما يحدث للكثير من أخوتنا وأخواتنا في الإيمان، وخاصة في الشرق الأوسط، قال البابا.
أراد البابا لاوُن الرابع عشر بالتالي أن يوجه مجددا الدعوة إلى التأمل حول تبعات الحرب وعدم الاستقرار وتفاديهما بفطنة ومسؤولية لأن هذا كله ليس نتيجة مصير محتوم، بل اختيارات حرة أي مسؤولية مساءلة أخلاقيا. وشدد قداسته على أن التاريخ يثبت أن دسائس العنف والتسلط والسلطة والهيمنة والسعي إلى الربح بدون عدل وبدون رادع لا ترتد فقط على مَن يتعرض إليها، بل وأيضا إلى من يسعى إليها. ودعا البابا إلى الصلاة إلى يسوع وإلى حث الضمائر من أجل استعادة احترام الإنسانية وحس التحضر.
البابا: الحفاظ على الشرق المسيحي يعني الحفاظ على غنى الكنيسة كلها






