الإيمان، الرجاء والمحبة، ثلاث فضائل اقترحها البابا لاوُن الرابع عشر في رسالة فيديو على المشاركين في قمة النمسا العالمية للمناخ للتأمل فيها خلال أعمال هذا اللقاء الذي يبلغ دورته العاشرة.
لمناسبة انعقاد الدورة العاشرة لقمة النمسا العالمية للمناخ يوم الثلاثاء ١٦ حزيران يونيو وجه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر رسالة فيديو إلى المشاركين فيها. وعقب إعرابه عن سعادته لتوجيه التحية إليهم جميعا توقف الأب الأقدس عند كون الاستدامة والإيكولوجيا المتكاملة والعناية بالخليقة قضايا هامة لعقود من الزمن، مضيفا أن الكنيسة كانت مدركة دائما بأن للقضية الإيكولوجية بعدا أخلاقيا. وتابع البابا أن الأزمة البيئية ليست قضية منعزلة بل هي بالأحرى الجانب الإيكولوجي للأزمة الاجتماعية الاقتصادية المعاصرة.
قال الأب الأقدس بعد ذلك للمشاركين في القمة إنه، وفي جهودهم للرد على الأزمة الحالية، يشجعهم على أن يأخذوا بعين الاعتبار هذا الإطار الواسع وأضاف أنه يقترح عليهم ثلاثة مواضيع انطلاقا من ثلاث فضائل مسيحية، الإيمان والرجاء والمحبة، يمكنها أن تساعدهم في عملهم خلال هذا اللقاء.
وبدأ البابا لاوُن الرابع عشر بالحديث عن الإيمان فقال إنه وبينما قد يبدو للبعض أن للإيمان إسهاما صغيرا في قضايا التغير المناخي وحماية البيئة، فإن البعد الديني هو بالأحرى أساسي لمواجهة هذه القضايا بشكل ملائم. وتابع الأب الأقدس أن من يؤمنون بأن عالمنا قد خلقه الله عليهم التحلي بمسؤولية أكبر بالعناية بالخليقة لأن هذا ما يتطلبه منهم إيمانهم. وذكَّر الأب الأقدس هنا بما كتب سلفه البابا فرنسيس في الرسالة العامة “كن مسبَّحا”: “إن عيش دعوتنا كحراسٍ لعمل الله هو جزء أساسي من حياة فاضلة، وهذا الأمر ليس بإختياري ولا بثانوي في الخبرة المسيحية” (٢١٧). وواصل البابا لاوُن الرابع عشر مشيرا إلى أن مؤمني تقاليد دينية كثيرة يعتبرون الخليقة عطية إلهية، كما وأن ديانات مختلفة تعتبر الحياة مقدسة ويجب بالتالي حمايتها. ويمكن القول، أضاف البابا، إن الإيمان الديني يعزز الرغبة الشاملة في حماية الحياة والعناية بالطبيعة.
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن هذا المنظور يؤكد الأسس الأخلاقية العميقة التي تَطرق إليه في الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة”، أي الكرامة المتساوية لجميع الكائنات البشرية وقيمة الحقوق الإنسانية الأساسية، وهما ما يمكن ضمانهما بشكل مناسب من خلال تطبيق مبادئ الخير العام، الغاية الشاملة للخيور، التكافل، التضامن والعدالة الاجتماعية. وشدد الأب الأقدس على ضرورة النظر إلى هذه المواضيع بشكل جماعي حتى يكون واضحا كيف هي مرتبطة ومتكاملة فيما بينها، وتابع أن هذه المواضيع الشخصية والاجتماعية الجوهرية هي في ترابط وثيق مع الأزمة المناخية والتي هي، وكما ذكر من قبل، جزءً من أزمة اجتماعية اقتصادية أوسع. وإن لم يتم التعامل مع هذه المواضيع فلن يكون بإمكان أية حلول تقنية لحماية البيئة بلوغ أهدافها. علينا بالتالي الاهتمام بشكل خاص بمن هم أكثر فقرا وهشاشة وبالتدهور البيئي، قال البابا ودعا المشاركين في المؤتمر إلى إبقاء هذه الأمور في إذهانهم خلال دراسة وتخطيط وتطبيق مشاريع محتملة.
وفي حديثه عن الموضوع الثاني أو الفضيلة الثانية، الرجاء، أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى الطابع العالمي للتحديات التي نواجهها وإلى تزايد الوعي بأن السلام مُعرَّض للتهديد بسبب غياب احترام الخليقة، نهب الموارد الطبيعية، والتردي المتواصل لجودة الحياة جراء التغيرات المناخية. وشدد الأب الأقدس على أن هذه التحديات تتطلب تعاونا دوليا وتعددية أطراف متلاحمة ومتطلعة إلى الأمام من أجل الوصول إلى حلول فعالة.
وأراد البابا الإشارة هنا إلى المخاوف التي تَبرز خلال التفاوض حول هذه القضايا، ومن بينها المخاوف من تغيير المسارات أو فقدان القوة أو من نتائج غير أكيدة، وأضاف أنه فقط بالتغلب على هذه المخاوف يمكننا العمل معا لإيجاد الحلول الصحيحة. وهنا يمكن للقادة الدينيين والجماعات الدينية أن يقدموا نظرة متبصرة دعما للجهود الاجتماعية والبيئية الطموحة، قال قداسة البابا وأضاف أن الكتاب المقدس يمتلئ بالأمثلة على أن مخاوف البشر يمكن التغلب عليها بالرجاء الذي هو عطية من الله.
ومن وجهة النظر هذه، وبالرغم من الرافضين أو المتشككين، فإن الرجاء يمكنه أن يكون قوة موجِّهة، ولهذا فإنه ليس فقط أمرا مرغوبا فيه بل وأيضا ممكنا متابعة تطورات مؤتمر الأمم المتحدة حول التغير المناخي كوب ٣٠ من خلال انتقال صحيح نحو مجتمعات يكون فيها للخير العام الغلبة على المكاسب، ونحو نماذج اقتصادية متجذرة في التضامن وكرامة الإنسان. ويستدعي هذا، حسبما تابع البابا، تنفيذ الدول الأغني لالتزاماتها بدعم الدول الفقيرة ماليا، وهناك حاجة أيضا إلى إنشاء شبكة مالية دولية جديدة، مركزها الشخص البشري، كي تتمكن كل البلدان وخاصة تلك الأكثر فقرا والأكثر ضعفا أمام التغيرات المناخية من بلوغ قدراتها الكاملة مع احترام كرامة مواطنيها.
ثم انتقل البابا لاوُن الرابع عشر إلى الموضوع الثالث والأخير أي المحبة، وشدد هنا على أهمية إنماء ثقافة عناية بالبيئة صادقة تتضمن أيضا ما أسماه البابا فرنسيس بالمحبة المدنية والسياسية، فهذه المحبة هي مفتاح التنمية الحقيقية. وكما كتب البابا فرنسيس في الرسالة العامة “كن مسبَّحا” فإنه “لجعل المجتمع أكثر إنسانية، أكثر جدارة بالإنسان، ينبغي إعادة القيمة للمحبّة في الحياة الاجتماعيّة – على المستوى السياسيّ والاقتصادي والثقافي – جاعلين منها القاعدة الثابتة والعليا للتصرف… في هذا السياق، وبجانب أهمية المبادرات الصغيرة اليومية، تدفعنا المحبةُ الاجتماعيةُ إلى التفكير في الاستراتيجيات الكبيرة التي تضعُ حدًّا فعّالًا للتدهور البيئي وتشجّع على «ثقافة الاعتناء» التي تشمل المجتمع بأكمله”(٢٣١). ثم أعرب قداسة البابا عن الرجاء أن تعزز نتائج هذه القمة ثقافة العناية هذه مساهِمة بالتالي في إدارة المحبة.
وفي ختام رسالة الفيديو قال البابا لاوُن الرابع عشر للمشاركين في الدورة العاشرة لقمة النمسا العالمية للمناخ إنه وبهذه الأفكار، التي تتمحور حول الإيمان والرجاء والمحبة، يصلي كي تكون هذه القمة مثمرة في تعزيز الحوار الذي نحتاج إليه بشكل كبير سعيا إلى حلول فعلية لحماية هذه العطية الرائعة، عطية الخليقة. ثم استمطر الأب الأقدس على الجميع بركات الحكمة والسلام.
البابا يوجه رسالة فيديو إلى المشاركين في قمة النمسا العالمية للمناخ






