البابا في جزر الكناري: يجب ألا يتهمنا التاريخ بأننا قد حولنا ألم مَن يعاني إلى مشهد اعتيادي لشواطئنا

بدأ قداسة البابا يوم الخميس زيارته إلى جزر الكناري حيث التقى أولا هيئات استقبال المهاجرين في ميناء أرغينيغين.
بدأ يوم الخميس ١١ حزيران يونيو برنامج المحطة الثالثة في زيارة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر الرسولية إلى إسبانيا وجزر الكناري. وكان اللقاء الأول للبابا مع هيئات استقبال المهاجرين في ميناء أرغينيغين في أرخبيل جزر الكناري، وبدأ الأب الأقدس كلمته عائدا إلى ما وصفها بواحدة من أكثر صفحات الإنجيل إلزاما، وأضاف أننا نعلم أن هذا الفصل ذاته يتضمن تحذيرا لا يمكن لأي مؤمن الاستخفاف به. والإشارة هنا إلى متى ٢٥، ٤١-٤٥. وتابع البابا أن الكلمة اليوم تصير هنا واقعا ملموسا حيث تصل حَيوات كثيرة جريحة فقدت كل شيء تقريبا لكنها لم تفقد أبدا كرامتها. ويُبعدنا الإنجيل هنا، واصل البابا لاوُن الرابع عشر، عن موقع المتفرج المريح ويضعنا أمام الأخ الذي يصل ويسالنا إن كنا قد تعرفنا على المسيح فيمن يصلون بعد معاناة من الخوف والجوع والعنف، بعد الصحراء والليل والبحر.
أشار قداسة البابا بعد ذك إلى أنه يحمل خاتم الصياد والذي يعود بنا اسمه إلى الجليل حيث دعا المسيح سمعان بطرس وقال له: “ستكون بعد اليوم للبشر صيادا” (لوقا ٥، ١٠). وقد قرأت الكنيسة هذه الآية كصورة لرسالتها، إلا أن هذه المهمة في هذا المكان ومناطق أخرى تكتسب قوة حرفية أليمة، فقد رأت هذه الجزيرة، الصغيرة في الحجم ولكن الكبيرة في الإنسانية، وصول الآلاف من أشخاص اقتُلعوا من أراضيهم وأُوكِلوا إلى هشاشة قارب. وتحدث البابا هنا عن أشخاص يتم إنقاذهم في البحر وأجساد بلا حياة يتم العثور عليها في المياه. وواصل أنه لا يمكن لخليفة القديس بطرس تجاهل هذه المياه ولا أي مكان يواصل فيه الجوع والعطش والعنف والخوف أو المنفى جرح الكرامة البشرية، ولا يمكن لتلاميذ يسوع أن يعتبروا غريبة عنهم آهات مَن يصرخ في الليل.
توقف الأب الأقدس بعد ذلك عند البحر في لغة الإنجيل فقال إنه يمكنه أن يكون صورة للتهديد والظلام والتخبط. ففيه يظهر لوياتان القوي الذي يلتهم، ورَهَب، الاسم الذي يستحضر كبرياء القوى التي تنتفض على الله وعلى الحياة. وتابع البابا أن اليوم أيضا هناك وحوش تجول في هذه البحار، مافيا تتاجر باليأس، مهرِّبون يستعبدون النساء والأطفال، ولامبالاة الكثيرين التي تسمح بأن يبتلع الاستغلال والنسيان الفقراء.
إلا أن الإيمان لا يقف مشلولا أمام قوة البحر، قال البابا لاوُن الرابع عشر، فنحن نؤمن بإله يُخضع الفوضى ويضع حدا للشر ويفتح طريقا حيثما يبدو أن الموت يفرض ذاته. وأضاف الأب الأقدس أن هذا ما اختبر شعبُ إسرائيل خلال عبوره البحر الأحمر للخروج من العبودية والسير نحو الحرية، وهذا ما نتأمل في المسيح الذي يمشي على الماء في مواجهة العاصفة وينطق بكلمة ذات سلطة “اسْكُتْ! اِخَرسْ!”. وواصل البابا أن هذا الصوت لا يزال يتردد في مواجهة القوى التي تلتهم وتستعبد وتُقصي الكثير من أخوتنا وأخواتنا. وأضاف الأب الأقدس أن الكنيسة، وحيثما يأمر المسيح البحر بأن يخرس، لا يمكنها أـن تبقى صامتة إزاء مَن يًتركون لمياه البحر.
هذا ووجه البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته بعد ذلك الشكر إلى مَن قدموا شهاداتهم التي ذكَّرونا فيها، حسبما قال قداسته، بما يقوم به بشكل يومي كاريتاس والرعايا والكثير من الأشخاص. وقال البابا إن هذه الكلمات تُظهر أين يبدأ ارتداد النظرة، حين لا يعود المهاجر بعد واحدا من بين كثيرين، ويتوقف عن كونه فئة ورقما. فحينها فقط، تابع الأب الأقدس، سندرك أن تلك الطفلة يمكن أن تكون ابنتنا وأن تلك الوجوه يمكن أن تكون جزءًا من عائلتنا، وهكذا لا تصبح هناك أعذار للضمير. وتابع قداسة البابا أن الرحمة تبدأ بلفتات صغيرة، ببعض قطع البسكويت والقليل من الحليب مثلا وأحيانا أخرى بخمسة أرغفة من الخبز وسمكتين. وواصل أننا لا نتحدث هنا عن حل كل شيء بل عن وضع كل شيء بين يدَي الله، وأن نكون حاضرين حيثما يعاني الكائن البشري، حيثما لا تكفي الموارد ولا تكون هناك لغة مشتركة، ولكن حيثما لا يزال بإمكان الأفعال أن تتكلم. ووجه البابا هنا الشكر إلى مَن يشاركون في الإنقاذ والاستقبال والمرافقة شاهدين هكذا على أن الرحمة الملموسة يمكنها أن تنقذ حياة كثيرين وتغيرها.
ثم انطلق البابا من شهادة لمهاجرة ليشدد على كون كل حياة بشرية بركة من الله لا يمكن لأحد أن يشتريها أو أن يبيعها، أن يستخدمها أو أن يقصيها، لأن في كل شخص يبرق صورة الله ومثاله. وأضاف الأب الأقدس أن قصة هذه المهاجرة تُذكرنا بمأساة أشخاص كثيرين يُضطرون إلى الرحيل بسبب الفقر والحروب والتهديدات والاستغلال. وشدد البابا على رغبته في أن تصل إلى جميع النساء ضحايا الاتجار والاستغلال رسالة واضحة، إن كان هناك مَن وضع ثمنا لأجسادهن فالله لم يتوقف أبدا عن النظر إليهن كأشخاص لهم قيمة لا تُقدَّر بثمن، وأن الكنيسة تقول لهن إنهن بنات وأخوات، إنهن بركة، فحياتهن ليست لمن فعل بهن الشر، وأجسادهن ليست لمن يستغلهن، وأيامهن ليست لمن أراد تقييدها بأغلال الخوف. بل حياتهن تنتمي إلى الله وتحتفظ بكرامة لا يمكن لأحد أن ينتزعها.
ثم وجه البابا لاوُن الرابع عشر كلماته إلى المهاجرين وقال إنه يريد أولا الانحناء أمام كرامتهم، وأكد لهم أنهم ليسوا أرقاما أو ملفات بل هم أشخاص لهم عائلات وبيوت تركوها في بلدانهم وأحلام لا يحق لأحد ازدراؤها. وشدد الأب الأقدس على ضرورة أن تُحمى حياتهم ودعاهم إلى عدم تسليمها إلى مَن يتاجرون بها وألا يصدقوا مَن يَعدهم بفردوس سهل مقابل أجسادهم أو المال، الصمت أو حريتهم. وأكد البابا أن مآسي المهاجرين يجب أن تكون اختبارا للضمائر، وذلك لبلدانهم التي عليها توفير ظروف سلام وعدالة وتنمية، أو لدول المرور المدعوة إلى حماية الضعفاء لا أن تتركهم بيد شبكات إجرامية، أو لأوروبا التي لا يمكنها الحديث عن الكرامة البشرية والاعتياد في الوقت ذاته على أن يتحول البحر المتوسط والمحيط الأطلسي إلى مقابر بلا شواهد، أو للجماعة الدولية المدعوة إلى تعاون فعال ومثابر.
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن الكنيسة أيضا هي مساءلة، فلا يمكن لاستقبال المهاجرين أن يكون نشاطا ثانويا أو أن ُيترك لبعض المتطوعين. وتابع أننا نسجد أمام المذبح تعبدا للمسيح الحاضر في القربان والذي نستلهم منه القوة والتحفيز لعيش المحبة، ولهذا لا يمكننا أن نتجاهل قوارب المهاجرين لأن من الصلاة تنطلق الخدمات وإليها تعود الالتزامات. ثم أضاف الأب الأقدس أنه يرغب في أن تصل أصوات مَن تكلموا اليوم في هذه الجزيرة إلى مَن لديه مسؤولية، السلطات المحلية، البرلمانيين، الحكومات والمنظمات الدولية وأيضا الى الجماعات المسيحية والتقاليد الدينية الأخرى وجميع الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة. لا تكفي إدارة وصول المهاجرين وتوزيع الأرقام، تعزيز الحدود أو الأسف على حالات الموت بعد حدوثها، فكل قارب يصل لا يحمل مهاجرين فقط بل أيضا سؤالا: أيّ عالم بَنينا إن كان على الكثير من الأخوة التعرض إلى الموت بحثا عن الحياة؟
وواصل البابا لاوُن الرابع عشر مشددا على أن الكرامة البشرية تتطلب طرقا شرعية وآمنة، الإغاثة والمساعدة، تعاونا حقيقيا ضد المتاجرين بالبشر، حماية فعلية للضحايا، عمليات استقبال ودمج جادة، وسياسات تُمَكن كل شخص من العيش بكرامة في أرضه. وأضاف البابا مشيرا إلى أنه إلى جانب الحق في البحث عن ملجأ حين تكون الحياة مهدَّدة، هناك أيضا حق الأشخاص في البقاء في أوطانهم بدون جوع أو حروب أو اضطهاد، بدون عنف، بدون أن تصبح الأرض غير قابلة للعيش عليها، بدون أن يسلب الفساد الفقراء الخبز، بدون أن تدمِّر الأسلحة مستقبل الأطفال. وشدد البابا على أنه لا يمكننا الاعتياد على إحصاء أعداد الموتى وأن الكرامة البشرية لا جواز سفر لها ولا تفقد قيمتها مع عبور الحدود.
وفي ختام كلمته تضرع البابا كي يدعنا الله الذي، وحسبما كتب القديس يوحنا الصليب، “سيُديننا على المحبّة عند نهاية حياتنا”، نتعرف عليه اليوم في الفقراء والأجانب، وأن يحررنا من النظر إلى ألم الآخرين وكأنه أمر لا يعنينا. وواصل قداسته سائلا أن ترافق مريم سيدة الكرمل مَن وصلوا، وتعزي مَن فقدوا أحباءهم، وتدعم مَن يستقبلهم، وتوقظ لدينا جميعا شجاعة الرحمة. وختم البابا: يجب ألا يتهمنا التاريخ بأننا قد حولنا ألم مَن يعاني إلى مشهد اعتيادي لشواطئنا، فاليوم، هنا، على ساحل البحر، تسألنا كل حياة تصل: ماذا ظل من إنسانيتنا. سيتضح عاجلا أو آجلا إن كنا قد نجحنا في الحفاظ على هذه الإنسانية أم تركنا اللامبالاة تتكلم باسمنا.