الراعي : لبنان لا يمكن أن ينهض بمنطق المصالح الخاصة بل بثقافة البذل والتضحية

ترأّس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي القداس الإلهي لمناسبة خميس الجسد، في معهد الرسل – جونية، بدعوة من النائب البطريركي على أبرشية جونية المطران يوحنا رفيق الورشا وكهنة جونية وبلديتها وفقا للتقليد السنوي المتّبع، عاونه فيه النائب البطريركي العام المطران حنا علوان، المطران الورشا، النائب البطريركي العام على منطقة صربا المارونية المطران بولس روحانا، النائب البطريركي لجمعية كهنة بزمار البطريركية للأرمن الكاثوليك المونسنيور ماشدوتس زختريان والرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الاب إلياس سليمان، بمشاركة النائب نعمت أفرام، نائب رئيس بلدية جونية رشيد الخازن مع اعضاء المجلس البلدي وفاعليات.
سليمان
بداية تحدث الاب سليمان وشكر للراعي “تلبيته الدعوة وترؤسه هذا الاحتفال السنوي الذي بات محطة روحية جامعة لأبناء جونية وكسروان حول سرّ القربان المقدّس”، واكد أن “هذا العيد يجدد الإيمان بحضور المسيح الحي في كنيسته وفي حياة المؤمنين ويشكّل مناسبة لتجديد الإيمان بالحضور الإلهي الحي في سر الإفخارستيا”، مشيراً إلى “تقليد التطواف بالقربان الذي شهدته زحلة العام 1825 خلال وباء الطاعون، الذي نشأ كتقليد في جونية منذ العام 1906 كفعل إيمان ومصدر نعم وبركات”.
وقال:” تقام المسيرة القربانية اليوم، فيما تعاني المنطقة حروبًا وصراعات خلّفت الدمار والقتل والتهجير”، واعتبر أن “رفع القربان المقدس هو صلاة في مواجهة أزمات سياسية وعسكرية أثقلت كاهل الشعب اللبناني”، وأشار إلى أن “لبنان يرزح أيضاً تحت وطأة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والفساد والفقر، فيما تتفاقم هجرة الشباب الباحثين عن حياة كريمة وفرص عمل، واصفاً ذلك بطاعون الهجرة”.
واستحضر مرحلة البطريرك الياس الحويك “الذي واجه الحرب والجوع وأسهم في قيام لبنان الكبير”، واشاد بما “يتحمله البطريرك الراعي من مسؤوليات وأوجاع وطنية بصبر وحكمة ومحبة”، مؤكدا أن “في هذا اليوم يلتقي جسد المسيح الذي كسر لأجل خلاصنا والمنتصر بجسد الوطن المكسور، مجدداً الإيمان بأن الأمل يبقى أقوى من المحن، وأن الضيق لن تكون له الكلمة الأخيرة، استناداً إلى وعد المسيح بالغلبة ورجاء القيامة”.
الراعي
بعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الراعي عظة تناول فيها المعنى العميق لعيد خميس الجسد، واكد أن “الكنيسة تحتفل في هذا اليوم بسرّ حضور المسيح الدائم في وسط شعبه من خلال الإفخارستيا”، وأوضح أن “الرب يسوع لم يترك كنيسته يتيمة، بل أعطاها ذاته في سرّ القربان المقدّس، فصار غذاءً للحياة الروحية ومصدر قوة ووحدة وقداسة ورسالة”.
وقال:” إن الإفخارستيا ليست مجرد ذكرى تاريخية للعشاء الأخير، بل حضور حي ومتجدد للمسيح الذي يرافق شعبه في كل زمان ومكان”، وتوقف عند “المأساة الأليمة التي طالت عائلة كرم في القليعة”، ورفع الصلاة لراحة نفوس الضحايا، معربًا عن “تضامنه مع عائلاتهم وجميع المتألمين”، مؤكدًا أن “المسيح الحاضر في سرّ القربان يبقى مصدر تعزية ورجاء في مواجهة الألم والموت”.
وانطلاقاً من سرّ القربان الذي يقوم على العطاء الكامل وبذل الذات، وجّه الراعي رسالة وطنية واضحة، شدّد فيها على أن “لبنان لا يمكن أن ينهض بمنطق المصالح الخاصة أو الحسابات الضيقة، بل بثقافة البذل والتضحية والعمل من أجل الخير العام”.
وقال:” إن المسيح الذي كسر ذاته خبزاً من أجل الآخرين يقدّم النموذج الذي يحتاجه لبنان اليوم، في زمن تتكاثر فيه الأزمات والانقسامات وتتعاظم فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية”، وأكد أن “الوطن لا يُبنى بالأنانيات، بل بروح المشاركة والتضامن، ولا يُحفظ بالمواجهات والصراعات، بل باللقاء والحوار والالتفاف حول المصلحة الوطنية الجامعة”، مشددًا على أن “سرّ القربان يعلّم الإنسان الخروج من ذاته لخدمة أخيه والبحث عن خير الجماعة قبل المصلحة الشخصية”.
ورأى أن “ما يعيشه لبنان والمنطقة من حروب واضطرابات ومخاوف على المستقبل يفرض العودة إلى القيم الإنسانية والروحية التي تحفظ المجتمعات وتصون استقرارها”، وأشار إلى أن “المسيحي مدعو إلى أن يكون صانع رجاء لا ناشر يأس، لأن المسيح الحاضر في القربان يبقى مصدر قوة وثبات وسط الأزمات، ويمنح المؤمنين القدرة على مواجهة الصعوبات بروح الثقة والإيمان”.
أضاف :”ان سرّ الإفخارستيا يعلّم المؤمنين معنى الوحدة الحقيقية، لأن الجميع يجتمعون حول مائدة واحدة ويشتركون في الخبز الواحد، ما يجعل من هذا السر مدرسةً للعيش المشترك والتضامن الوطني”، وتوقف عند الواقع الوطني الراهن، داعيًا إلى “الصلاة من أجل لبنان ومن أجل السلام في المنطقة، في ظل ما تشهده من حروب واعتداءات ومعاناة إنسانية”.
وأكد أن “الكنيسة ترفع في هذه المناسبة صلاتها لكي يعود الاستقرار إلى لبنان والشرق، ويتمكن الإنسان من العيش بكرامة وأمان في أرضه، بعيداً من العنف والخوف والتهجير وعدم اليقين”، وشدّد على أن “الرجاء المسيحي لا يقوم على الظروف السياسية أو الاقتصادية المتقلبة، بل على حضور الله في حياة شعبه، وهو الحضور الذي يتجلى بصورة خاصة في سرّ القربان المقدّس، الذي يبقى علامة رجاء لشعب يتطلع إلى مستقبل أكثر سلامًا واستقرارًا”.
ختم :”لبنان مدعو اليوم إلى استعادة رسالته القائمة على العيش المشترك والكرامة الإنسانية والانفتاح، وأن الخروج من الأزمات المتلاحقة لا يكون إلا بتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والشخصية، والعمل بروح المسؤولية والتضامن من أجل خير جميع اللبنانيين”.
الحويك
وفي ختام القداس القت رئيسة مدرسة ساحل علما لراهبات العائلة المقدسة المارونيات الأخت داليدا الحويك، كلمة شكرت فيها البطريرك على تلبيته الدعوة، مؤكدة أن “حضوره الأبوي بين أبناء المنطقة يشكّل علامة رجاء وتشجيع على التمسك بالإيمان وقيم المحبة والعطاء”.
الزياح
عقب القداس، اقيم زياح للقربان المقدس جاب شوراع المدينة وسط الصلوات والتراتيل ونثر الورود والبخور، وصولا إلى كنيسة مار يوسف، حيث أقيمت صلاة الختام.