الكردينال غوجيروتي في تنصيب البطريرك بولس الثالث نونا: الكنيسة الكلدانية تاريخٌ حافل بالرسالة والشهادة

في الاحتفال الذي أقيم في كاتدرائية القديس يوسف في بغداد، دعا عميد دائرة الكنائس الشرقية غبطةَ البطريرك بولس الثالث نونا إلى حراسة الأمانة للتقليد والخدمة للمؤمنين، مشجعاً على الرسالة في الشرق الأوسط الجريح وفي الاغتراب، لعَيْش “ربيع جديد من الإيمان”، والمحبة، وإعلان الإنجيل.
احتضنت كاتدرائية القديس يوسف الكلدانية في العاصمة العراقية بغداد، صباح اليوم الجمعة، الحفل المهيب لتنصيب غبطة البطريرك بولس الثالث نونا، بطريركاً لـ “بغداد على الكلدان”. ولم يكن هذا الحدث مجرد رتبة ليتورجية بروتوكولية، بل تجسيداً حياً لاستمرارية حضور مسيحي عريق يضرب بجذوره في فجر التاريخ الرسولي، ورسالة تضامن قوية من الكنيسة الجامعة مع أبناء هذا المشرق الجريح.
وقد ترأس وفد الكرسي الرسولي الكردينال كلاوديو غوجيروتي، عميد دائرة الكنائس الشرقية، الذي حمل معه بركة وأدعية البابا لاوُن الرابع عشر. وفي كلمة بليغة ألقاها للمناسبة، نقل الكردينال غوجيروتي عواطف الأب الأقدس وتمنياته للبطريرك الجديد بالتوفيق في قيادة سفينة الكنيسة الكلدانية في هذه المرحلة الدقيقة، مؤكداً أن الفاتيكان يضع كل إمكاناته لدعم هذه المسيرة الرعوية، تعزيزاً للشركة الكاملة ولخير الشعب العراقي بأسره.
واستعرض الكردينال غوجيروتي في قراءته التاريخية للهوية الفريدة للكنيسة الكلدانية، واصفاً إياها بأنها “كنيسة الرسل والخلفاء الأوائل”، التي نبتت في الأرض ذاتها التي شهدت تدبير الخلاص، والتي تميزت عبر العصور بنفحة تبشيرية مذهلة. فقد انطلق آباؤها الأقدمون، تدفعهم قوة الإنجيل وحده وبدون أي سند من نفوذ سياسي، ليحملوا مشعل الإيمان إلى أقاصي الأرض، وصولاً إلى الهند والصين. وأشار سيادته إلى أن هذا الحضور التاريخي لم يكن هامشياً، بل فرض احترامه على الممالك غير المسيحية بفضل عمق علمائها، ونقاء سيرة مؤمنيها، والازدهار الفكري والفلسفي الذي شهدته أديارها ومراكزها التعليمية العريقة، والتي شكلت—عبر الترجمات السريانية والعربية—جسر المعرفة الحيوي الذي نهلت منه أوربا وفلاسفة الغرب.
ولم تغفل الكلمة عن قراءة واقع الحاضر بكل أوجاعه؛ إذ توقف رئيس دائرة الكنائس الشرقية عند إرث “الشهادة والأمانة بالدم” الذي وسم التاريخ الكلداني حتى الأمس القريب، مشيداً بالوقت عينه بأبناء الكنيسة في الاغتراب الذين اضطرتهم ظروف عدم الاستقرار في الشرق الأوسط إلى الهجرة، لكنهم تحولوا في بيئاتهم الجديدة إلى رسل ومصدر إعجاب لقدرتهم على التكيف التام مع بقائهم متمسكين بجذورهم الروحية والطقسية. وفي خطاب مباشر ومؤثر لغبطة البطريرك بولس الثالث نونا، قال الكردينال غوجيروتي: “إن الروح القدس يسلمكم اليوم هذا الإرث الضخم، الذي يُحفظ غالباً—كما يقول الرسول بولس—في أوانٍ من خزف، بسبب هشاشة الأوضاع العامة في هذا البلد والمنطقة”. وأضاف أن أنظار الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، وكل الشعب المؤمن، تتطلع إلى غبطته بكامل الثقة، ليروا فيه الأب الحنون، والمعلم الحكيم، وقبل كل شيء، مثالاً حياً في القداسة والشجاعة.
هذا ورسم الكردينال غوجيروتي في كلمته خطوطاً عريضة تشكل ما يشبه خطة عمل روحية ورعوية للمرحلة المقبلة، واضعاً أمام البطريرك الجديد والسينودس الكلداني تحديات روحية تسبق العمل الإداري أو السياسي. وفي ختام كلمته ذكّر الكردينال غوجيروتي غبطة البطريرك بأن الأب الأقدس ينتظره في روما للاحتفال المشترك بالشركة الكنسية التي مُنحت له، مؤكداً أن الكرسي الرسولي سيبقى دائماً عضداً وسنداً للكنيسة الكلدانية في أداء رسالتها التي تجاوزت الحدود الجغرافية الضيقة لتصبح مصدر إلهام عالمي. ووجه سيادته نداءً حاراً لجميع أساقفة الكنيسة الكلدانية ليعيشوا بملء الأخوة والمجانية والمجمعية السينودسية التي تميز التراث الشرقي، داعياً إلى نبذ كل أسباب الخلاف والتنافس، والاتكال الدائم على سر الإفخارستيا النبع الحقيقي لكل عمل صالح ورجاء وطيد.