لم توقف الهدنة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. بعد النداء الذي أطلقه البابا لاون الرابع عشر الثلاثاء من أجل وصول المساعدات إلى السكان، ترسم كاريتاس القدس صورة مأساوية للوضع الصحي والبيئي. «منذ إعلان وقف إطلاق النار نحن في حالة جمود، نحاول إنقاذ الأرواح بالإمكانات المتاحة لدى كاريتاس»، يوضح أنطون أصفر، أمين عام كاريتاس القدس، في حديثه إلى وكالة SIR، مؤكدًا أن غياب التدخلات البنيوية المستمرة ما يزال يعرّض ملايين الأشخاص للخطر.
أزمة بنيوية
ويوضح: «خلال العامين الماضيين، تسبب الصراع في أزمة هيكلية طالت جميع جوانب الحياة اليومية: مساكن مدمرة، انعدام الأمن الغذائي، محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، إغلاق المدارس، وفقدان وسائل العيش. أصبحت البنى التحتية الخاصة بالمياه والصحة وإدارة النفايات في معظمها متضررة، بينما تمنع قلة الموارد حتى صيانة ما تبقى». والنتيجة هي وضع «يتعرض فيه السكان بأكملهم لخطر الأوبئة، في منطقة مميزة بأضرار بيئية غير مسبوقة للتربة والموارد المائية والساحل».
نقص المياه وتلوث
وتُعد أزمة المياة خطير للغاية. يقول الأمين العام لكاريتاس القدس: «أصبحت المياه الصالحة للشرب محدودة للغاية، بينما أدى تدمير شبكات الصرف الصحي واستخدام حلول بدائية إلى تلويث طبقة المياه الجوفية التي يعتمد عليها جزء كبير من السكان. حتى المناطق البحرية متضررة». ويضيف: «النتائج واضحة بالفعل: زيادة الأمراض المعدية، بينها الإسهال الحاد الذي ارتفع 36 مرة، وحالات اليرقان الحاد المرتبطة بالتهاب الكبد الوبائي أ».
إلى جانب أزمة المياه هناك أزمة النفايات. فقدأفادت كاريتاس القدس بأن «قطاع غزة غارق في النفايات»، موضحة أن انهيار نظام إدارة النفايات منذ أكتوبر 2023 حوّل أكوام القمامة والركام إلى بؤر لتفشضي الأمراض.
ويشير أنطون إلى أن «الحشرات والقوارض تتكاثر وتنشر أمراضًا خطيرة، مثل فيروس هانتا، والليبتوسبيروز، والسالمونيلا، والحمى الناتجة عن عضة الجرذ، والطاعون، مما يزيد من تفاقم نظام صحي منهار أصلًا». كما تدفع أزمة نقص الطاقة السكان إلى حرق البلاستيك للطهي، مع يخلّف عواقب وخيمة على البيئة والصحة، إذ «يزداد الهواء تلوثًا، وتنتشر أمراض الجهاز التنفسي، وتُطلق الديوكسينات، وهي مواد شديدة السمية ومسرطنة».
على الصعيد الغذائي، بات الوضع حرجًا للغاية. فقد أدى تدمير الغطاء النباتي إلى مستويات شبه كاملة: «فقدت غزة 97% من الأشجار المزروعة، و95% من الشجيرات، و82% من المحاصيل السنوية، مما يجعل الإنتاج الغذائي واسع النطاق مستحيلًا تقريبًا. في هذا السياق، أكثر من 500,000 شخص يعيشون في ظروف مجاعة».
الأطفال مبتورو الأطراف
ويخلّف الصراع أثرًا عميقًا أيضًا على الفئات الأكثر ضعفًا. فقد ازداد بشكل كبير عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، كما يقول أصفر: «يحتاج ما لا يقل عن 41,844 مصابًا إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، ونحو 25% منهم أطفال، أي أكثر من 10 آلاف طفل يعانون من إعاقات خطيرة مرتبطة مباشرة بالحرب». ويوضّح: «للأسف، غزة لديها أعلى عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث».
في هذا السياق، يزداد صعوبة الوصول إلى الرعاية والمساعدات. «نحاول إدخال أجهزة مساعدة ومعدات طبية إلى القطاع، ونواجه نقصًا مستمرًا في الموارد، خصوصًا الأدوية»، يؤكد أنطون، مجددًا الدعوة إلى إنشاء ممرات إنسانية فعالة ومستمرة.
وتأتي تصريحات كاريتاس القدس في سياق نداء البابا، الذي دعا المجتمع الدولي إلى التزام ملموس ودائم لدعم سكان غزة. وهو طلب، وفقًا للمعطيات، يبدو أكثر إلحاحًا: فبدون تدخلات فورية، قد تتحول الأزمة الصحية والبيئية إلى كارثة لا رجعة فيها.
كاريتاس القدس: كارثة صحية وبيئية غير مسبوقة في قطاع غزة






