أبرشية طرابلس الكاثوليكية احتفلت بعيد العنصرة

ترأس رئيس أساقفة أبرشية طرابلس وسائر الشمال للروم الملكيين الكاثوليك المطران ادوار ضاهر، قداس العنصرة في كنيسة مار جاورجيوس في منطقة الزاهرية – طرابلس، عاونه المونسنيور الياس البستاني والأب ميشال اسكاف، بمشاركة النائب سامر الثوم مع وفد من قضاء بعلبك الهرمل الى جانب مؤمنين.
بعد الإنجيل ألقى ضاهر عظة دعا فيها إلى “الصلاة من أجل لبنان، هذا الوطن الجريح الذي تعب من الأزمات والانقسامات والحروب”. وقال:” نصلي لكي يمنح الله المسؤولين نعمة الحكمة والضمير الصالح، ولكي يعود الحوار الصادق طريقا لبناء الدولة وحماية الإنسان. فلبنان لا يقوم بالكراهية ولا بالغلبة ولا بالخوف، بل يقوم بالمحبة والشراكة والعيش الواحد”.
أضاف: “نريده وطنا يحفظ كرامة أبنائه، ويمنح شبابه سببا للبقاء لا للهجرة، ويعيد الثقة إلى القلوب المتعبة، ونصلي أيضا كي يبقى جيشنا والقوى الأمنية وكل من يسهرون على أمن الناس محفوظين بنعمة الله، ولكي يحل السلام الحقيقي في أرضنا، لأن لبنان رسالة رجاء ومحبة، وسيبقى بإذن الله أرض اللقاء والإنسان والحرية، ونصلي بشكل خاص لكي يمنح الله فخامة الرئيس العماد جوزاف عون والحكومة اللبنانية نعمة الحكمة والصبر والقوة، لكي يتمكنوا من قيادة البلاد وسط هذه الظروف الدقيقة، والعمل بإخلاص ومسؤولية من أجل إنقاذ لبنان من أزماته الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والناس، وحماية كرامة المواطن وحقوقه ومستقبله”.
وتابع: “نصلي أيضا لكي يبارك الله كل الجهود الصادقة التي تهدف إلى تثبيت الأمن والاستقرار، وأن يحفظ الجيش اللبناني والقوى الأمنية وكل من يسهرون على حماية الوطن وسلامة أبنائه، ونسأل الروح القدس أن يلهم المسؤولين لغة الحوار والتلاقي بدل الانقسام والتعطيل، لأن لبنان لا يبنى إلا بالتعاون والتضامن والإيمان بالمصلحة الوطنية الجامعة. نلتقي اليوم في عيد العنصرة، عيد حلول الروح القدس على الرسل، عيد ولادة الكنيسة، عيد النار التي لا تحرق بل تنير، وعيد الريح التي لا تهدم بل تعطي الحياة. في هذا العيد، نحتفل بحضور الله الحيّ فينا وبيننا، وبالروح القدس الذي ما زال يعمل في الكنيسة والعالم رغم كل الحروب والظلمات والخوف. كان الرسل بعد موت الرب وقيامته مجتمعين في العلّية، أبوابهم مغلقة، قلوبهم خائفة، ومستقبلهم مجهول. لكن عندما حل الروح القدس عليهم، تغير كل شيء. الخائفُ صار رسولاً، والمرتبك صار شاهداً، والضعيف صار قوياً. وهنا تكمن الرسالة الأولى لنا اليوم: نحن أيضاً نعيشُ في زمن خوفٍ وقلقٍ واضطراب. الحرب في الجنوب والبقاع، الخوف على العائلات، على الشباب، على المستقبل، على لقمة العيش… كلها تجعل الإنسانَ أحياناً يشعر وكأنَ الأبوابَ أُغلقت عليه”.
وقال: “لكن العنصرة تقول لنا: لا تسمحوا للخوف أن يكون أقوى من إيمانكم. فالروحُ القدس لا يُزيلُ الصليبَ دائماً، لكنَّه يُعطي الإنسانَ القوةَ ليحملَه برجاء. كم نحن بحاجة اليوم إلى روح الشجاعة، لا شجاعةَ السلاحِ والعنفِ والكراهية، بل شجاعةَ الثبات، شجاعةَ المحبة، شجاعةَ البقاء أوفياء لله وللأرض وللإنسان. أحد أجمل مشاهدِ العنصرة أنّ كلَّ الشعوب كانت تَسمعُ الرسل ” كلٌّ بلغته”. الروح القدس لم يلغ الاختلاف، بل وحّد القلوب رغم تنوع اللغات والثقافات. وهذه رسالة عظيمة للبناننا اليوم. نحن في زمن كثُرَتْ فيه الانقسامات والاتهامات والتشنجات. لكن لا يمكن لوطن أن يعيش إذا صار أبناؤه يتكلّمون لغةَ الكراهية بدلَ لغة ِالمحبة. الروح القدس يدعونا اليوم: أن نخفّف الأحكام على بعضنا البعض، وأن نزرع السلامَ داخلَ بيوتنا، وأن نكون أدواتِ مصالحةٍ لا أدواتَ انقسام، وأن نصلّي لبعضنا لا على بعضنا”.
أضاف: “العنصرة لم تحدثْ في عالمٍ مثالي. العالمُ يومَها كان مليئاً بالاضطهاد والعنفِ والظلم. ومع ذلك، انطلقت الكنيسة بقوة الرجاء. واليوم أيضاً، الرب لا يترك شعبَه. قد نتعب، نعم. قد نبكي، نعم. قد نشعر أحياناً بأنَّ الليلَ طال كثيراً… لكنَ المسيحي هو إنسان الرجاء. الرجاء ليس أن ننكرَ الواقع، بل أن نؤمنَ أن الله أقوى من الواقع. كم نحن بحاجة اليوم أن نكون شهود رجاء: في بيوتنا، مع أولادنا، مع شبابنا الذين تعبوا ويفكر كثيرون منهم بالهجرة واليأس، مع المرضى والخائفين والمتألمين. الكلمةُ الطيبة اليوم أصبحت رسالة. الابتسامةُ أصبحت خدمة. والصلاةُ أصبحت مقاومة روحية ضد اليأس. عيدُ العنصرة ليس مجردَ تأملٍ جميل، بل دعوةٌ إلى تغيير الحياة. الروح القدس يدعونا: أن نعودَ إلى الصلاة الحقيقية، وأن نقرأ كلمةَ الله، وأن نغفرَ لمن أساء إلينا، وأن نتوقفَ عن نشر الخوفِ والكلامِ السلبي، وأن نساعد المحتاجَ ولو بالقليل، أن نحافظ على وحدتنا العائلية والرعوية، وأن نكون نوراً في زمن الظلمة. الإنجيلُ يخبرنا أن العذراء مريم كانت مع الرسل عندما حلّ الروح القدس. هي أمُّ الكنيسة وأمُّ الرجاء. وفي كلِّ أزمةٍ أو تعبٍ يمرّ به لبنان، تبقى أمُّنا السماوية حاضرةً معنا”.
وختم: “فلنضَع اليوم: الجنوبَ والبقاع ولبنان تحت حمايتها، والجيشَ والشعبَ والعائلات والشبابَ تحت حمايتها، وكلَّ خائفٍ ومتألّمٍ ونازحٍ ومجروحٍ تحت قلبها الأمومي. العالم اليوم يحتاج إلى مسيحيين ممتلئين من الروح القدس، لا مسيحيين يعيشون الخوف واليأس فقط. يحتاج إلى أناس: يصلّون بصدق، يحبّون بتواضع، يخدمون بأمانة، ويحملون الرجاء حتى وسط الدموع. فلنطلب اليوم: “أيها الروح القدس، تعال إلى قلوبنا المتعبة، أنرْ عقولَنا، ثبّتْ إيمانَنا، احفظْ وطنَنا، أعطِ السلامَ لأرضنا، واجعلْنا شهوداً للمسيح في هذا الزمن الصعب”.
ثم احتفل ضاهر بـ “رتبة تبريك الماء” عبر صلوات يرفعها إلى الثالوث الأقدس، ثم رش الماء المقدس على المؤمنين.
وفي الختام اقيم غداء محبة لضاهر والمشاركين في القداس.