هجمات، تهديدات، إغلاق للأماكن المقدسة… هذا الواقع المقلق يفرض نفسه بقوة: فبينما يبدو أن الغفران والمصالحة «كلمتان سهلتا النطق»، إلا أنهما في الحقيقة «صعبتا العيش في الأرض المقدسة»، بحسب ما يوضحه المطران وليم الشوملي، النائب البطريركي العام للاتين في القدس وفلسطين.
وقد دُعي المطران شوملي إلى مزار سيدة لوس، حيث احتفل بقداس عيد الصعود بحضور 700 شخص. ويُعد المزار، التابع لأبرشية غاب وإمبرون، في جنوب شرق فرنسا، واحة روحية ومنارة حج يقصدها آلاف الزوار سنويًا التماسًا للسكينة والسلام الداخلي.
وتكتسب هذه البقعة خصوصيتها من كونها احتضنت أطول سلسلة ظهورات مريمية في تاريخ الكنيسة، والتي امتدت على مدار 54 عامًا (1664-1718) للشابة الراعية بينوات رانكوريل. وقد تُوّجت هذه المسيرة بالاعتراف الرسمي من الكنيسة الكاثوليكية عام 2008. ويُعرف المزار بأنه “الملجأ العظيم للمصالحة”، حيث يركز بالدرجة الأولى على سر التوبة والاعتراف.
ورغم ما يسميه «عودة إلى العصر الحجري» بسبب تدهور الظروف المعيشية، فإن المطران شوملي يشهد على رجاء شعب متجذر في الصلاة، والسجود للقربان الأقدس، وشفاعة العذراء مريم. إيمانٌ يمنحهم قوة داخلية ويغذي يقينًا راسخًا: «كل هذه الصلوات ستثمر يومًا ما. الله لا يزال يعمل».
وفيما يلي نص المقابلة التي أجراها موقع أليتييا مع سيادته:
ماذا يعني اليوم أن تكون مسيحيًا في الأرض المقدسة في الحياة اليومية؟
يعني ذلك قبول العيش في الأرض المقدسة ومقاومة إغراء المغادرة. يعني أيضًا السعي إلى تقبّل الآخر بشكل أفضل، وقبول الغفران والمصالحة. هذه كلمات سهلة النطق لكنها صعبة التطبيق في الأرض المقدسة. في الحياة اليومية، يختلف الأمر بحسب المنطقة.
في غزة، الحياة مأساوية. الطعام والمال والعمل غير متوفرين. وإعادة الإعمار الموعودة لم تبدأ بعد، وكأنهم عادوا إلى العصر الحجري. أما في في الضفة الغربية، فالوضع يزداد سوءًا بسبب تصرفات المستوطنين. هناك أيضًا البطالة، ولم تعد هناك تصاريح عمل في إسرائيل. كما توقفت رحلات الحج، والمستقبل غير واضح، والناس خائفون، والإغراء بالهجرة كبير بحثًا عن مستقبل أفضل.
هل تشعرون لدى المؤمنين بالإحباط أم بوجود علامات رجاء؟
إنه لأمرٌ محير. في غزة الوضع سيئ جدًا، لكن المسيحيين يذهبون للصلاة يوميًا متعبدين أمام القربان الأقدس. إنهم صامدون وأقوياء. المسيحيون الذين يأتون إلى الكنيسة ويصلّون ينالون قوة كبيرة، بينما الآخرون قد يصاب آخرون بالإحباط. لذا، فإنّ الإيمان عنصرٌ يُحدث فرقًا كبيرًا.
هل نشهد تصاعدًا في الترهيب والاعتداءات ضد المسيحيين في القدس؟
نعم، الاعتداءات كانت موجودة دائمًا، لكنها في تزايد تدريجي. بدأت بالبصق، خصوصًا أثناء المواكب الدينية. ثم ظهرت كتابات معادية للمسيحية على الجدران، ومحاولات حرق في ديرين أو ثلاثة، وصولاً إلى اعتداء جسدي على راهبة. المعتدي جاء من الخلف بطريقة جبانة، وكانت محاولة قتل حقيقية لأنه استخدم كامل قوته. وعندما رأى أنها ما زالت تتحرك، عاد لإتمام الاعتداء. ولم تكن لتنجو لولا تدخل يهودي آخر أكثر إنسانية دافع عنها. العنف مرتبط بالكراهية، كراهية كل ما هو غير يهودي. لكن الأمل ما زال موجودًا؛ لا يزال هناك أشخاص يمكن الحوار معهم. نحن كمسيحيين لا نؤمن بالعنف، وهذه هي دعوتنا في الشرق الأوسط.
هل يمكن تحقيق السلام في الأرض المقدسة من منظور بشري؟
من منظور الإنسان، يبدو أن السلام غير ممكن لأن النزاع ذو طابع أيديولوجي، حيث يُقصي كل طرف الآخر. إنه أشبه بحوار طرشان، كل طرف يتكلم ولا يصغي للآخر، ولا يفهم معاناة الآخر. كل طرف يدّعي أحقية هذه الأرض. ومع ذلك، حدثت حروب أصعب وتم التوصل إلى حلول لها. لذلك نؤمن كمسيحيين -وهذا هو رجاؤنا- بأن الله حاضر في تاريخ البشرية، وأن الصلاة يمكن أن تثمر نتائج غير متوقعة. لنأخذ إعادة توحيد ألمانيا مثالاً، والتي بدت شبه مستحيلة. هذا يثبت أن المعجزات من هذا النوع ممكنة دائمًا. نحن نعلم أن ملايين الأشخاص يصلون من أجل السلام، وكل هذه الصلوات ستثمر يومًا ما.
هل هناك آية من الكتاب المقدس ترافقكم شخصيًا في هذه الأوقات الصعبة؟
نعم، إنها العبارة المكتوبة على شعار أسقفيتي: «أُطلبوا السلام لأورشليم». وهي آية أكررها دائمًا أمام الآخرين: صلّوا من أجل السلام في القدس.
أنتم في مزار سيدة لوس، بين هذا المزار المريمي والقدس، هل ترون دعوة واحدة من مريم للسلام والمصالحة؟
لطالما دعت سيدتنا مريم العذراء للسلام. وخلال ظهوراتها، تُشدد مرارًا على أهمية التوبة والرجوع إلى الله والصلاة. إن العذراء مريم تتوق إلى السلام. وفي شهر أيار هذا، الشهر المريمي، المُكرس لها، نُصلي المسبحة الوردية من أجل نواياها.
المطران وليم شوملي من فرنسا: الصلوات من أجل السلام ستؤتي ثمارها يومًا ما






