بدأ البابا لاوُن الرابع عشر اليوم زيارته الرعوية إلى نابولي، التي وصلها من بومباي، بلقائه في الكاتدرائية الأساقفة والإكليروس والرهبان والراهبات.
واصل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر بعد ظهر يوم الجمعة ٨ أيار مايو زيارته الرعوية إلى بومباي ونابولي. وكان اللقاء الأول للأب الأقدس في نابولي في الكاتدرائية وذلك مع الأساقفة والإكليروس والرهبان والراهبات. وفي بداية كلمته إليهم شكر البابا رئيس أساقفة نابولي الكاردينال دومينيكو باتاليا على كلمة الترحيب التي وجهها إلى قداسته وذلك أيضا باسم الحضور والكنيسة في نابولي. كما وأعرب الأب الأقدس عن سعادته لزيارة هذه المدينة الغنية جدا بالفن والثقافة، والتي تقع في مركز البحر المتوسط ويسكنها شعب مميَّز وفرِح رغم ثقل مشقات كثيرة، قال البابا. ثم أراد التعريف بما قال سلفه البابا فرنسيس والذي كان قد زار نابولي سنة ٢٠١٥، إن الحياة في نابولي لم تكن أبدا سهلة لكنها لم تكن أبدا حزينة، وكرر البابا لاوُن الرابع عشر كلمات سلفه الذي قال لسكان المدينة إن هذا هو موردهم الكبير: الفرح والبهجة. وأضاف الأب الأقدس أنه قد جاء إلى هنا أيضا كي ينتقل إليه هذا الفرح، وشكَر الجميع على استقبالهم له.
وواصل البابا لاوُن الرابع عشر إنه يريد أن يتقاسم مع الحضور في روح الصداقة والأخوّة هذه بعض التأملات التي يرجو أن تساندهم وتشجعهم في مسيرتهم وأن تُقدم بعض الأفكار المفيدة للحياة الكنسية والرعوية. وقال الأب الأقدس إن هناك كلمة تتردد أصداؤها في قلبه لدى سماعه المقطع الإنجيلي الذي يُحَدثنا عن تلميذَي عماوس وهي كلمة العناية. وتابع أننا نحن أيضا ومثل تلميذَي عماوس غالبا ما نواصل السير على طريقنا بدون التمكن من قراءة علامات التاريخ، وفي بعض الأحيان وبسبب الإحباط أو خيبة الظن أمام المشاكل الكثيرة أو الآمال الشخصية والرعوية والتي يبدو أنها لا تتحقق قد يكون لدينا وجه حزين وقلب يشعر بالمرارة، إلا أن يسوع يدنو منا ويسير معنا، يرافقنا كي نكون منفتحين على نور جديد، وأضاف البابا أن ما يفعل يسوع هو تصرف مَن يعتني.
وعكس العناية هو الإهمال، قال قداسة البابا وتابع مشيرا إلى أمثلة يتطرق إليها الذهن على الفور، فتحدث عن إهمال طرقات المدينة والمناطق المتقاسَمة والضواحي، وبشكل أكبر كل الأوضاع التي يتم فيها إهمال الحياة ذاتها حيث يكون من الشاق حراسة الجمال والكرامة. هذا وأراد البابا لاوًن الرابع عشر أن نتوقف قبل كل شيء عتد أهمية العناية الداخلية، أي بقلبنا وإنسانيتنا وعلاقاتنا. وأضاف أنه يقول هذا في المقام الأول لمن هم مدعوون في الكنيسة إلى القيام بأدوار مسؤولة وخدمات الإدارة، إلى ما وصفه بتَكرُّس خاص. وتابع البابا أنه يفكر في المقام الأول في الكهنة والراهبات والرهبان وذلك لأن حِمل الخدمة وما ينتج عنه من تعب داخلي قد أصبح أكثر ثقلا مقارنة بالماضي. وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر هنا عند نابولي واصفا إياها بمدينة لها آلاف الألوان، تختلط فيها الثقافة وتقاليد الماضي بالحداثة والتجدد. وتحدث قداسته عن التقوى الشعبية التلقائية والنضرة في هذه المدينة والتي تتداخل مع الكثير من الهشاشة الاجتماعية وأشكال الفقر الكثيرة. وواصل البابا أن نابولي مدينة قديمة لكنها في حركة مستمرة، يسكنها جمال كثير ولكن تطبعها في الوقت ذاته معاناة، كما ويدميها العنف.
وفي هذا السياق، قال قداسة البابا، فإن العمل الرعوي مدعو إلى تجسيد متواصل لرسالة الإنجيل وذلك كي لا يقتصر الإيمان المعترَف والمحتفَل به على بعض الأفعال العاطفية، بل يتغلغل بعمق في نسيج الحياة والمجتمع. وتحدث هنا عن عبء كبير بالنسبة للكهنة بشكل خاص وأضاف أنه يفكر في مشقة الاصغاء إلى ما يتم تعريفهم به من قصص والتوصل إلى تلك الخفية التي تحتاج إلى الظهور. يفكر البابا أيضا حسبما واصل في المثابرة على الالتزام بإعلان الإنجيل الذي يمكنه أن يقدم آفاق رجاء ويشجع على اختيار الخير، يفكر في العائلات المتعَبة وفي الشباب الذين غالبا ما يعانون من تخبط وفي كل الاحتياجات الإنسانية والمادية والروحية التي يطلبها منكم الفقراء طارقين أبواب الرعايا والمؤسسات. وتابع البابا لاوُن الرابع عشر مشيرا إلى ما يمكن أن يضاف إلى هذا من شعور بالعجز والضياع حين نلمس أن لغتنا وعملنا يبدوان غير مناسبَين لمطالب اليوم الجديدة وتحدياته وخاصة بالنسبة للشباب. وواصل الأب الأقدس مسلطا الضوء على الحِمل الإنساني والرعوي الكبير والذي يهدده خطر أن يكون ثقيلا ومستهلِكا لطاقتنا، بل وقد يثقله في بعض الأحيان شعور بالوحدة والانعزال الرعوي.
ولهذا نحن في حاجة إلى العناية، قال البابا لاوُن الرابع عشر، وخاصة بالحياة الداخلية والروحية، وذلك بالتغذية المتواصلة لعلاقاتنا الشخصية بالرب من خلال الصلاة وإنماء القدرة على الإصغاء إلى ما يتحرك داخلنا، وذلك للقيام بالتمييز وكي ندع الروح القدس ينيرنا. ويتطلب هذا شجاعة القدرة على التوقف وعدم الخوف من طلب المعونة من الإنجيل حول الأوضاع الشخصية والرعوية التي نعيشها وذلك كي لا نختزل الخدمة إلى مجرد وظيفة يتم القيام بها.
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن العناية بخدمتنا تمر أيضا عبر الأخوّة والشركة، وتحدث عن أخوّة متجذرة في الله تَظهر في الصداقة والمرافقة المتبادلة وأيضا في تقاسم مشاريع ومبادرات رعوية، وأكد الأب الأقدس على ضرورة أن يُنظر إلى الأخوّة كعنصر مؤسس لهوية الخدام لا كمجرد مَثل أعلى أو شعار. وتابع أن من الضروري إنماء الأخوّة وتعزيزها وذلك أيضا من خلال أشكال جديدة من الحياة المشتركة يمكن فيها للكهنة أن يتبادلوا المساعدة وأن يخططوا معا للعمل الرعوي، وذلك لأننا اليوم أكثر عرضة للوحدة حيث نعيش في أوساط اجتماعية أكثر تعقيدا وتفككا. وأوضح البابا أننا لا نتحدث هنا عن مجرد المشاركة في لقاء أو حدث ما بل عن العمل من أجل التغلب على النزعة الفردانية. وذكَّر بحديث البابا فرنسيس عن ضرورة أن نجيب باختيار الأخوّة على انتشار شكل من الفردانية في أبرشياتنا. وأضاف البابا فرنسيس ان هذه الشركة تتطلب أن تعاش بالبحث عن أشكال ملموسة تلائم الأزمنة وواقع الأراضي ولكن من منظور رسولي دائما. وأراد البابا لاوُن الرابع عشر تسليط الضوء على أن الحاجة الضرورية إلى هذه الشركة تشملنا قبل كل شيء كمعمَّدين مدعوين إلى تشكيل كنيسة واحدة في المسيح، وعلينا البحث عن هذه الشركة وعيشها في كل علاقاتنا الإنسانية والرعوية والتي هناك فها دور له أهمية خاصة للعلمانيين والعاملين الرعويين. وأكد قداسته من جهة أخرى أن السير معا متبعين الرب والسير قدما برسالة البشارة، من خلال تثمين تنوع الكاريزما والخدمات، يتماشيان مع هوية الكنيسة في حد ذاتها، فهي سر شركة، وكل واحد هو مدعو بحكم المعمودية إلى أن يكون حجرا حيا في البنية، رسولا للإنجيل، وشاهدا للملكوت.
هذا وتطرق البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى سينودس أبرشية نابولي كزمن نعمة، وتحدث عن مسيرة جعلت الجماعة الكنسية كلها في حركة داعية إياها إلى التساؤل حول أسلوبها وكونها، وإلى إعلان الإنجيل في هذه الأرض. ودعا البابا الجميع إلى حراسة المنهج السينودسي وتَبَنيه كممارسة للإصغاء المتبادل ومشاركة لا تستثني أحدا وتنسيق بشري ورعوي وروحي بين الرعايا والجمعيات، المكرسين والعلمانيين مع محاولة منح صوت حتى لمن يظل عادة على الهامش. وأضاف البابا أن هذا الإصغاء قد كشف بوضوح عن التطلعات والجراح والأمنيات، ما يعيد صورة كنيسة مدعوة إلى الخروج من الذات وتغيير أسلوبها وأن تتجسد وسط الناس كنور رجاء.
ودعا البابا لاوُن الرابع عشر في ختام كلمته الجميع إلى الإصغاء فيما بينهم والسير معا وتشكيل ما وصفه بسمفونية من الكاريزما والخدمات، وذلك للتحول إلى عمل رعوي إرسالي قادر على التوصل إلى الحياة الملموسة للأشخاص. وأكد قداسته أن هذه رسالة تستدعي إسهام الجميع، وتابع أن في مدينة يطبعها اللامساواة وبطالة للشباب وعدم استكمال التعليم وضعف العائلات لا يمكن لإعلان الإنجيل أن يستغني عن حضور ملموس وتضامني يشمل الجميع، الكهنة والرهبان والعلمانيين، وذلك كي يؤسس التزام وشهادة كل فرد جماعة حاضرة ومنتبهة قادرة على تخطيط واقتراح مسيرات تساعد الأشخاص على عيش خبرة الإنجيل والاستلهام منه لتجديد مدينة نابولي.
البابا يدعو في نابولي إلى كنيسة حاضرة في مواجهة الفقر والظلم






