بحسب الأرقام التي أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، فقد نال 13,234 بالغًا سرّ المعمودية خلال سبت النور عام 2026. ويمثّل ذلك زيادة بنسبة 28 بالمئة مقارنة بالعام السابق، كما يعكس توجّهًا لافتًا على المدى الطويل: ففي غضون عقد واحد فقط، تضاعف عدد معموديات البالغين أكثر من ثلاث مرات، بعدما كان 4,124 شخصًا عام 2016.
وما يثير الاهتمام بصورة خاصة هو هوية هؤلاء الكاثوليك الجدد. فبعيدًا عن كونهم فئة هامشية أو متقدمة في العمر، فإن 42 بالمئة من الموعوظين البالغين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا. ولا تزال النساء يشكّلن الغالبية، بنسبة تقارب 62 بالمئة، فيما يشكّل الطلاب نحو ربع المرشحين للمعمودية. وعلى الرغم من أن معظمهم ينحدرون من بيئات حضرية، فإن المناطق الريفية شهدت أيضًا حضورًا ثابتًا لمؤمنين جدد.
ويحدث هذا الانتعاش في بلد شهد تراجعًا حادًا في الممارسة الدينية التقليدية. ففي عام 1961، كان نحو 35 بالمئة من السكان يشاركون في قداس الأحد، أما اليوم فتُقدَّر النسبة بحوالي 5 بالمئة فقط. كما يظهر التراجع بوضوح في أعداد الإكليروس: فمن نحو 65 ألف كاهن في أوائل ستينيات القرن الماضي إلى حوالي 12 ألفًا اليوم، مع أقل من 7 آلاف في الخدمة الرعوية الفعلية. وأصبح العديد من الكهنة يشرفون على عدة رعايا في الوقت نفسه، ما يفرض ضغطًا إضافيًا على الموارد الرعوية المحدودة أصلًا.
ديناميكيات ثقافية أعمق
ومع ذلك، لا يمكن تفسير اللحظة الراهنة على أنها مجرد ظاهرة إحصائية عابرة. إذ يشير رجال الدين والمراقبون إلى ديناميكيات ثقافية أعمق. فقد أصبح الأب ماتيو رافراي، وهو كاهن يتمتع بحضور قوي على المنصات الرقمية، نموذجًا لشكل جديد من الإنجلة. فمن خلال منصات مثل يوتيوب وإنستغرام وتيك توك، يصل إلى أكثر من 330 ألف متابع، كثيرون منهم من الشباب الذين لم تكن لديهم معرفة سابقة تُذكر بالمسيحية. كما يساهم صانعو محتوى آخرون، بينهم أصوات شابة من جيل «زد»، في تعزيز الحضور المتجدد للإيمان في الفضاء الرقمي.
ويبدو أن تأثيرهم يتجاوز السطحية. إذ تصف شهادات العديد من المهتدين الجدد مسارًا تدريجيًا يبدأ عبر الإنترنت وينتهي بلقاء شخصي مع الكنيسة. ومن بين هذه الحالات مهندس يبلغ من العمر 27 عامًا، نشأ من دون تربية دينية وكان يعرّف نفسه كملحد، لكنه تعرّف إلى التعليم الكاثوليكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة صعبة في حياته. وقد قادته رحلته ليس فقط إلى حضور القداس اليومي، بل في نهاية المطاف إلى دخول الإكليريكية. كما دفعت خبرة اهتدائه أفراد عائلته أيضًا إلى العودة للممارسة الدينية.
وتعكس هذه القصص الفردية نمطًا أوسع. فحوالي 40 بالمئة من البالغين الذين نالوا المعمودية حديثًا أفادوا بأن طريقهم إلى الإيمان بدأ إثر حدث حياتي مؤثر، مثل المرض أو الفقدان أو أزمة وجودية. وفي مجتمع غالبًا ما يُنظر فيه إلى الدين المؤسسي على أنه بعيد أو متقادم، يبدو أن مثل هذه اللحظات تعيد فتح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمعنى والألم والرجاء.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الإطار القانوني والثقافي للعلمانية الفرنسية يُشكّل البيئة التي يشهد فيها هذا الانتعاش الديني. فمفهوم «العلمانية» الذي أُرسي عام 1905 يُقيّد بشدّة التعبير الديني داخل المؤسسات العامة. ويرى النقاد، من بينهم عالم السياسة أوليفييه روي، أن هذا الأمر ساهم في تهميش الدين عن الحياة العامة، لا سيما لدى الأجيال الشابة التي نشأت غالبًا مع احتكاك محدود جدًا بالتقاليد الدينية.
علامة حيوية
ومن المفارقات أن هذا الاهتمام المتجدد يبدو وكأنه يولد تحديدًا في سياق هذا الغياب الديني. فقد وصف رئيس أساقفة ليون، أوليفييه دو جيرماي، ارتفاع أعداد المعموديات بأنه علامة حيوية، مشيرًا إلى أن ما كان يُعتبر يومًا أمرًا متجاوزًا أو قديمًا، بات اليوم يجيب عن عطش روحي متزايد.
ولا تقتصر الظاهرة على البالغين. ففي عام 2026، نال 8,100 مراهق المعمودية في 89 أبرشية، وهو ما يمثل نحو 90 بالمئة من مجمل الأبرشيات. وعلى الرغم من أن نسبة النمو في هذه الفئة تباطأت إلى حوالي 10 بالمئة سنويًا، فإن الأرقام لا تزال لافتة. كما يشبه التوزيع بين الجنسين ما هو قائم لدى البالغين، إذ تشكل الإناث نحو 65 بالمئة مقابل 35 بالمئة للذكور.
ويتبع هؤلاء الموعوظون الشباب مسار إعداد مستوحى من طقس التنشئة المسيحية للبالغين، ويشاركون في محطات أساسية مثل «طقس الاختيار» في بداية الصوم الكبير. وتقوم الأبرشيات بصورة متزايدة بتنظيم هذه الاحتفالات على نطاق أوسع، ما يعزز شعور الانتماء إلى جماعة كنسية أوسع.
نمو يطرح تحديات
غير أن هذا النمو غير المتوقع يطرح أيضًا تحديات ملموسة.
فالنقص في أعداد الكهنة يعقّد مهمة توفير التعليم المسيحي والمرافقة الروحية بالشكل الكافي. كما تُضطر الرعايا إلى إعادة التفكير في البُنى التقليدية، بما في ذلك دور الأشابين، مع استمرار ارتفاع أعداد المرشحين. وفي أماكن كثيرة، يجري اليوم إعادة النظر في نموذج الإرشاد الفردي الذي كان قائمًا بين شخص وآخر، بهدف التكيّف مع المجموعات الأكبر عددًا.
وتطرح الحالة الفرنسية سؤالًا أوسع أمام الكنيسة في الغرب: كيف يمكن الاستجابة لواقع تتعايش فيه العلمنة مع البحث الروحي؟ وتشير المعطيات إلى أنه حتى في مجتمع تراجعت فيه الممارسة الدينية بشكل حاد، فإن الأسئلة العميقة المتعلقة بالوجود الإنساني لا تزال بلا أجوبة نهائية.
أكثر من 13 ألف بالغ ينالون سرّ المعمودية في فرنسا خلال سبت النور 2026






